عودة إلى التجربة الإبداعية لعبد الرحمن مجيد الربيعي
إحتفاء متواصل بأعمال جديدة
صباح محسن كاظم
في إحتفاء بهيج بتجربة إبداعية ثرة ، وأمسية ثقافية لن تتكرر مع الادب العراقي والعربي الكبير القاص والروائي “عبد الرحمن مجيد الربيعي” ليقص رحلته مع الإبداع من الخمسينييات إلى يومنا المعاصر ، رحلة بعوالم الجمال، والأمكنة ، والشخوص، وجغرافية المكان ، وخرائط المدن ، والمتاهات ،والسجون، وحكايا العشق، والحب،والهيام ،عن الأزقة ،عن المهمشين ،عن المقاهي ،عن الأدباء ،والمغنيين،والمسرحيين ،والتشكيليين ،رحلة مع الأفذاذ الكبار ،من د-صلاح نيازي ، د-كاظم جهاد ، حسين نعمة ،عزيز عبد الصاحب ، قاسم دراج ، صبري حامد،حضري بو عزيز ،داخل حسن ،ناصر حكيم ،ومحمد الفائز ،جاسم عاصي ، قيس مراد لفته ،رشيد مجيد ، وعشرات الراحلين بذاكرته الحية …حكى تجربته من صباه بالإبتدائية وكيف توقع معلمه الشبيبي وهو بصباه أن يصبح من المبدعين العراقيين ،مرّ بتاريخ المقاهي ..والدروب .. عكد الهوا وكيف كانت حديقته الوطية مثار إعجاب الجميع ،وحديقة غازي ،وبستان زامل ،وبستان الحاج عبود ،والازقة النظيفة ،والحارات المكتظة بالإبداع، وضفاف الفرات مع توأم روحه المترجم والشاعر والروائي “أحمد الباقري” حكايا الشباب ،والتمرد ،ونهم القراءة ،وإستقبال الأفكار مع المفكر الشهيد “عزيز السيد جاسم” ،رحلة النشر في بغداد في مطلع الستينييات ثم الإنتقال لها ،وبداية إصداراته بمنتصف الستينييات ليغرد عربياً ،وتنهال الإصدارات من روايات وقصص ودراسات ومجموعات شعرية لتتجاوز أكثر من أربعين كتاباً، تحدث عن الجيل الستيني المبهر بالعطاء ،وعرج على جيل الثمانييات الإبداعي ،والحروب التي ادت إلى التصدعات والهجرات الجماعية ، ثم تحدث الفنان حسين نعمة بلغته المحببة الشعبية عن حكايا الماضي مع معلمه ورفيق رحلته الإبداعية ،ثم قرأ شيخ الأدباء “أحمد الباقري” سيرة ذاتية عن المحتفى به بمدينته ،ومزاملته له بكل مراحله الإبداعية ،إلى ليلة سفره إلى بغداد ليستقر بها ، يذكر مبدعنا بكتبته التي أهداني نسخ منها عند زيارتي لتونس وإلقائي شهادة بالإحتفاء العربي بمنجزه بمقر إتحاد الكتاب التونسيين 1- (إن كل كتابة روائية أشتغل عليها أعمل على أن لاتتكرر تجربة سبق لي وأن أنجزتها .فيعد “الوشم” مثلاً كتبت رواية مختلفة عنها حتى في زمنها وهي “القمر والأسوار ” التي تعود إلى عراق الخمسينييات وتقنياتها مختلفة فيها النموّ الإستطرادي والعناية بالشخصيات الهامشية التي ينبض بها أحد الأحياء الفقيرة من مدينة الناصرية .) وكانت شهادات للمبدع زيدان حمود وأحمد ثامر جهاد وداود سلمان قراها نيابة عنه الشاعر كريم الزيدي ،والشهادة العميقة والدراسة الرصينة لطالب الماجستير “محمد حاجم” في قراءة نقدية للمنجز الإبداعي للربيعي ورد في – بعض -ماجاء بالورقة النقدية: (ومن هذا ننطلق لنؤشر بعض الملاحظات التي تواجه القارئ لهذه المدونة السردية. منها:
أولا: أن الكاتب وكما عودنا في رواياته السابقة لم يغادر نهج الواقعية السحرية الذي يشتغل في إطاره، فهو يستغل اليومي والمعاش من خلال تجربة حياتية تعيشها الذات، يعتمد عليها الكاتب، وهي تقوم على شدة الملاحظة، وعدم التردد في تدوين كل شاردة وواردة واجهته في تجوالاته العديدة، والتوظيف المميز لهذا الواقعي داخل المتن المتخيل، فالكاتب يتمتع بقدرة هائلة على مزج المرجعي الثابت بالمتخيل المفترض، لذلك يقترب نص (نحيب الرافدين) من الواقع كثيرا، حتى يتوازى معه، وكأننا لا نشعر بأي حواجز بينهما، ولكن في الوقت نفسه فإن التطرق لهذا الأمر لا يكون سوى بصفة ساحرة، وقص مميز يبعد القارئ عن ملل التقريرية، ويجعله بحالة من الشد والجذب نحو الرواية لا تنفك عنه إلا حين تنتهي الرواية بين يديه وهو لا يشعر.
ثانيا: لا زال الكاتب شغوفا بسيرة المدن والأماكن التي يمر بها ويتوقف عندها، فهذه الأماكن بأسمائها الراسخة ومواقفها التي مر الكاتب عليها في أوقات متباينة لا زالت تشغل الجزء الأكبر من تفكيره، وتنهض بالقسم الأعظم من نصوصه، فحين يتنقل في مسارات روايته بين (بغداد وبيروت والناصرية)، فهو يؤطرها بما تحمل ذاكرته لتلك المدن، فحينما تستولي بغداد على الحصة الكبرى في هذه الرواية، بما تمثله من واقع مأزوم يعيشه البطل (غسان العامري)، بسبب ظروف الحرب ومعاناته مع القمع السلطوي الذي سلبه أبسط حقوقه، وجعله أسير مكان واحد لا يستطيع مغادرته، كانت ترد (بيروت) مثل حلم جرد عنه قسرا، ولو أنها لم تخلو من الحرب الداخلية التي كانت تحدث في لبنان تلك الأيام، أما (الناصرية) فهي ذاكرة الربيعي الحية التي تتحرك معه أينما توجه، والى أين انطلق، (الناصرية) موطن لم يحاول التجرد منه، ولا التنصل له، حملها معه حلما يركن إليه كلما ضاقت عليه البلدان، احتلت أغلب أعماله التي نذرها لإبراز صورتها، فهي عنده كما جيكور لدى السياب. وحضور الأماكن لديه مقترنا بشخصياتها التي يحتفظ لها الكاتب بكل الود والاحترام.
ثالثا: كانت وما زالت المرأة منفذا للتخلص من سوداوية المحيط، وملجئا عن كثير من أخطار الحياة المتلاحقة، ومعادل موضوعي لكل ما يتصل بالذات من مشاعر وأحاسيس تتناغم مع الكون حينا، وتضطرب أحيانا أخرى، هكذا صورت سرديات الربيعي المرأة بتناقضات عديدة، ففي حين تكون صورة عن الحياة بل الحياة بأكملها، وحلم لا زال يطارده البطل (غسان العامري)، كما جسدته (حنان عواد)، فقد كانت في مواضع أخرى قرين الهزيمة ونقطة اللا رجوع في مواضع أخرى مثل ما جسدته زوجته الأولى التي تركها في بغداد.
كل تلك الملاحظات التي أشرنا لها بسرعة، كانت ترد بصورة كبيرة في رواية (نحيب الرافدين)، فقد استغرق الكاتب كثيرا في الإشارة إلى مواضيع غاية في الأهمية، منها ما كان ذات صلة بالذات نفسها في صراعها المتواصل مع الذاكرة، ومنها ما كان يمثل هما جمعيا يتعلق بالمحيط الاجتماعي عامة، أفرزته التحولات الكبرى التي سلطت على المجتمع، بفعل عوامل الحروب والمضايقات المتواصلة من قبل السلطة، عبرت رواية (نحيب الرافدين) عن تواصل الأزمات التي يعيشها العراقي كل يوم بعد أن استولى على الحكم من أضاع البلد في غياهب المجهول..وكانت هناك مداخلات من الجمهور منها ، أحد الأكاديميين طرح بسؤاله لماذا لاترشح نفسك لجائزة نوبل وجوائز أخرى ؟ وسؤال طريف من الأديب الباقري ،كيف جعلتني اتزوج من ابنة عمي بروايتك ؟ وكانت لي كلمات بالإحتفاء به رداً على ماطرحته بالإحتفاء به بتونس وقلت طالبت العرب ان يرشحوه لجوائز عالمية وعربية ونال إستحسان الأدباء العرب بحينه قبل أعوام ..
بعد ذلك قدم د-ياسر البراك درع الأدباء لمبدعنا “عبد الرحمن مجيد الربيعي في أمسية إبداعية تاريخيّة ..قدمه فيها الأديب علي شبيب ،وكانت جامعة ذي قار قد إحتفت بمنجزه وتكريمه بما يليق بمنجزه الإبداعي..
1-الخروج من بيت الطاعة شهادات في الأدب والحياة – الدار العربية للموسوعات- 2010 – ص432























