أبو أندلس وبولص يشدوان في كافتيريا المساء

أبو أندلس وبولص يشدوان في كافتيريا المساء

فاروق مصطفى

عدنان ابو اندلس وموشي بولص كاتبان من كركوك ، وكلاهما تولده في العقد الخمسيني من القرن المرتحل . الاول في 56 والثاني في 57 ، أي انني اكبرهما بعقد من السنين ، يحرسان كلماتهما ويسقيانها برذاذ صبرهما وماء شغفهما بعوالم الكتابة ، تعود علاقتي بهما الى مطلع الالفية الثالثة اما ابو اندلس فتعرفته عن طريق الراحل (عدنان قطب) الذي جاءني في احد الايام حاملآ مخطوطة شعرية تحمل عنوان (مسارات كيرخو) قال لي : هذه اضمامة من الشعر ستحبها بعد ان تتعرف متونه الجوانية واملي ان تكتب توطئة لها ، وبالفعل قرأت المخطوطة واسعدت عندما اكتشفت ان عوالمها هي نفس العوالم التي اطرق بابها ، الشغف بأمكنة كركوك القديمة والحلم بأستعادة هارمونيتها وتموسقها وايقاعاتها . اما الصديق (موشي) فتعرفته عن طريق خواطره وقصصه القصيرة جدآ وومضاته النصية التي تمتلىء بها صحف كركوك فهو مثابر في النشر ومعني بهندسة لغته العربية ورسم كلماتها وتوشيتها بالشكل والتنقيط فهو في هذا الباب عاشق الشكل ومزخرف الحركات ، التقي بهما في مكتبة ملتقى الزمن ، المكتبة التي اعدها بيت ادباء كركوك الامين وينضم الينا احيانآ صديقنا الاخر (فهد عنتر دوخي) ، الصحب اولاء اطلق عليهم تسمية ادباء الشركة والشركة عند اهلنا الكركوكيين تعني شركة النفط واستطيع ان اضيف الى هذه الخلية اسماء اخرى : عامر صادق ويحيى نوح مجذاب ويونس علي الحمداني ، وهؤلاء اتواصل معهم دائمآ اما باللقاءات الشخصية او عن تبادل هدايا الكتب ، ولكن لقاءاتي مع (موشي بولص) تتجدد اسبوعيآ وصديقنا (فهد) قليل النزول الينا بسسبب سكنه في (نيو بابا) وزيارته تحتاج في مسكنه هناك الى موافقات امنية لحساسية المكان داخل الشركة . ابو اندلس يتحجج بكثرة اعذاره حتى يتملص من لقاءاتنا وقد كثرت هذه الاعذار الى درجة ان بعضها يتكرر ويتكسر على بعضها الاخر وهذه لغة المتنبي التي استعيرها من قوله :

      وكنت اذا ما اصابتني سهام

تكسرت النصال على النصال

على كل خلية ادباء الشركة تعشق الشاي وتتفنن في اعداده واحتسائه وكذلك لديهم الشغف الصادق في التعرف على مقاهي المدينة فأذا تناهى اليهم بأن ثمة مقهى جديدآ افتتح سرعان ما يختلفون اليه ويبدأون بتدشينه وانا الاخر مستهام بثقافة المقاهي التي اعد فضاءاتها معارج صالحة لتحليق الاحلام مع استنشاق لذاذات الكسل والاسترخاء والتعطر بأريج الشاي المهيل الرائق ، فلهذا اتخيل دائمآ ابا اندلس وموشي اقتعدا مكانيهما في واحد من هذه المقاهي وشرعا يسترخيان وهما يحتسيان شايهما العابق ويستعيدان شريطة سيرتهما من عام الى اخر احدهما يحكي والاخر يصغي وانا اترذذ في امواه حكاياتهما واحاول ان الم ما تتشظى من خيوطها وامسك رأس الحكاية واقنص كل عابر فائت لالتذ بروايتها ورتق خيالاتها المتشعبة .   ذهب (موشي بولص) الى لندن وهو في العشرينيات من عمره وتسكع في شوارعها طوال اشهر ست وعندما اخفق في الحصول على اقامة هناك واحس بخواء ايامه قفل راجعآ الى كركوك واستدعي الى العسكرية وظل عشر سنوات وهو يتنقل من سرية الى اخرى ويتحول من الشمال الى الوسط فالجنوب وقد عكس وقائعه العسكرية في العديد من حكاياته وخواطره وهو يخط جنسآ من الادب هو نفسه يطلق عليه (خواطر) عبارة عن اسطر مكثفة تمتاز بتركيزها تتمثل معاني اجتماعية وفي الاغلب يكرسها في محاربة الفساد والسرقة والاحتيال ، يقفيها طورآ ، وتارة اخرى يسجعها فهو يلتذ بأن يكون وقعها في الاسماع مدوزنآ ومموسقآ وفي عين الوقت يشكل اسطره ويحركها ويظل يتاملها الى ان يتثبت من صواب سبكها وصحة حركاتها .    عدنان ابو اندلس يتارجح بين الشعر والنقد ، مرات يجد نفسه وهو يقيم عوالمه الشعرية ويحرق اصابعه في لهيبها ووهجها الا ان ذائقته النقدية تحثه الى عوالم النقد وفي الايام الاخيرة اخذت اهتماماته الثقافية في هذا المضمار حيزآ اكبر وارحب ، من جانبي اجد ان خطواته في مماشي النقد اوثق واعمق فيتحتم ان يستغل مواهبه هذه ، يسبكها ، يصقلها لانه سيمتلك في عالم النقد باعآ اطول ومساحات يستنبتها بأقاحي كتاباته الزاهرة ، وفي العدد السادس من مجلة (كيكا) مجلة الادب العالمي ربيع 2015 ظهر لأبي اندلس نصان شعريان الاول حمل عنوان (حسرة خاجيك) والثاني عنونه ب (وانتهت اللعبة يا ريتا) وانا سعدت بوصوله ال هذه المجلة والى هذا الانتشار واخبره بأنك وضعت خطواتك الاولى على سلم العالمية لان اسمك ظهر مع كل هؤلاء الادباء المعروفين واتذكر في هذا المجال كيف ان (فاضل العزاوي) الاديب الكركوكي الذي سبق كل ادباء المدينة في الوصول الى العالمية عندما ترجمت روايته الذائعة الصيت (اخر الملائكة) الى الانكليزية وظهرت صوره الشخصية على اغلفة بعض المجلات الغربية وكتب عن روايته تلك (كولن ولسن) ونقاد انكليز والمان اخرون كتبوا في تقريظ هذا العمل الروائي الكركوكي بامتياز و(سركون بولص) هو الاخر اقتحم العالمية الى درجة من اطلق عليه تسمية (الشاعر الكوني) والكل يعلم كيف انه عندما هاجر الى (سان فرانسيسكو) وتعرف شعراءها وفنانيها كان يطوف معهم ضواحي وقرى هذه المدينة وهم يلقون قصائدهم في الهواء الطلق على انغام قيثاراتهم الصادحة .    المساء يزحف على كركوك مؤذنآ بانقضاء نهار اخر وبواكير الاظلام تقدم شيئآ فشيئآ ، معنى هذا ان تتحسس جيوبك ودواخلك بأنك ملأتها بدفء مودة اصدقائك ، هناك ليل وارق ينشف الدماغ ، ولكن عزاءك ما فتئت تتواصل مع كلمات ادباء مدينتك وهم يحلمون بكل تلك الاصوات الجميلة التي ينتظرون رياحها وهي تهب عليهم من الجزر البعيدة والبراري الفساح .