النشأة والتطور وقراءة في الإنتاج العلمي والأدبي

ندوة عربية بمدينة العيون المغربية

النشأة والتطور وقراءة في الإنتاج العلمي والأدبي

لزهر الحشاني

قامت الزّوايا باعتبارها مؤسسة دينية وعلمية واجتماعية وثقافية تبلورت أنشطتها ووظائفها وتجذرت داخل عديد البلدان الإسلامية خاصة داخل المجتمع المغربي ، بأدوار مهمة في مختلف المجالات اختلف عمقها باختلاف الظروف والمعطيات ولكثرة الزوايا في المغرب خاصة بالأقاليم الصحراوية وانتشار الحركة الصوفية قيل “إذا كان الشرق يعرف بكثرة الرسل والأنبياء، فإن المغرب يعرف بكثرة الأولياء والعباد والزهاد والصلحاء والمتصوفة، فضلا عن انتشار الزوايا والرباطات والمدارس الطرقية..”.

استطاعت الزاوايا، بمختلف طرقها أن تلعب دورا فعالا في تحديد الملامح العامة للأقاليم الصحراوية، وتشكيل سماتها الاجتماعية والثقافية والسياسية فقد عرفت زوايا الشيخ سيدي أحمد الرقيبي، وسيدي أحمد العروسي، وزاوية الشيخ ماء العينين، وغيرها من زوايا الصحراء، بأنها الملاذات الآمنة للمظلومين، وقلاعا حصينة للدفاع عن سيادة المملكة المغربية عبر التاريخ والمحافظة على وحدته كما شكلت منارات للعلم والثقافة ، حيث خلفت الزوايا تراثا هائلا كما أنهم ساهموا في التفاعل ونقل الثقافة المشرقية إلى المغرب، من خلال ما حملوه من مؤلفات أثناء رحلاتهم الصوفية، وما تعلموه من علوم سجلوها في مخطوطاتهم ومؤلفاتهم أو درّسوها لمريديهم وطلبتهم.. وهنا تكمن أهمية البحث في ثنايا موضوع الزوايا في المغرب الاقصى.

“الزوايا” موضوع خصب للدراسة في أبعادها الثلاثة: التاريخية والسوسيولوجية والأدبية

في هذا الاطار يتناول ملتقى عيون الأدب العربي في نسخته السابعة خلال شهر أيّار القادم دورة الشيخ سيدي أحمد الرقيبي موضوع “الزوايا: بحث في النشأة والتطور، وقراءة في الإنتاج العلمي والأدبي” .. ملتقى تنظمه دوريا جمعية النجاح للتنمية الاجتماعية بأكبر مدن الصحراء المغربية مدينة العيون التي تتمتع بمؤهلات سياحية وثقافية هامة اهلتها لتكون وجهة

للباحثين والسياح المغاربة والأجانب لاكتشاف أهم مظاهر الثقافة الصحراوية المغربية والاستمتاع بالأصالة والمعاصرة ..وقد جاء في الورقة العلمية للملتقى التي اعدها رئيس الجمعية الاستاذ خونا ماء العينين ان الحديث عن الزوايا يكتسي طابعا معرفيا خصبا، تتداخل فيه مجالات عدة، منها التاريخي والاجتماعي والديني والسياسي والعلمي والأدبي، ويكتسي البحث في الموضوع صبغة إشكالية أكبر، وذلك حين يحتضن مجال ما مقاربات لأسئلة منبثقة من مجال آخر، هنا يطفو على السطح إشكال المنهج وطريقة التناول، سيما في المقاربات السوسيو- تاريخية أو السوسيو- سياسية ، تلك المقاربات التي لا تخلو من طروحات إديولوجية تنحرف بالدراسة والبحث عن جادة الصواب.. يُجمع الباحثون في مجال التاريخ على أن مفهوم الزاوية ارتبط أساسا بالمغرب الأقصى، واتخذ بعدين: جغرافيا ودينيا، يتجسد الأول في المكان والثاني تمثله الوظيفة، غير أن ظهور المفهوم لم يأت بالطفرة بل جاء تطورا لمفهوم سابق عنه، هو مفهوم “الرباط”، وإذا كان المكان قد خضع تاريخيا للتطور؛ من مكان العبادة (المسجد) إلى مجال جغرافي أوسع كالقبيلة أو القرية (زاوية الشيخ، زاوية إسحاق)، فإن الوظيفة نفسها خضعت هي الأخرى لتطور مماثل، مما هو اجتماعي (الإطعام والإيواء) إلى ما هو ديني (تعليم الدين و(العبادة على الطريقة) إلى ما هو سياسي( الجهاد).. في المغرب، لا تختلف الزوايا من حيث الوظيفة اختلافا جوهريا، بل في الدرجات والأولويات، وهو اختلاف ناتج عن الظروف الخاصة المحيطة بالنشأة والمجال الجغرافي من جهة، وعن طريقة الشيخ من جهة أخرى. ويرى البحث التاريخي أن هذين العاملين كانا حاسمين في تغطية بعض الزوايا مجالا جغرافيا واسعا، فمنها من امتد إلى عمق إفريقيا جنوبا، ولامس أوربا شمالا، وبلغ صداه إلى الشرق الأوسط وآسيا شرقا، بل إن قوة الزاوية جعلت منها معادلا سياسيا للمخزن، فقربها إليه أحيانا، حتى أنه جعل من بعض شيوخها قوادا يسهرون على تنزيل سياسة الدولة على امتداد المجال الجغرافي التابع لنفوذ الزاوية، غير أن هذا لا ينفي نشوب ألوان مختلفة من الصراع بين سلطة المخزن ونفوذ الزاوية، فكان هذا التجاذب وذاك التقارب سمتين من السمات السياسية التي طبعت العلاقة بينهما على مر التاريخ.

ترتبط الزاوية تاريخيا بالشيخ والمريدين، واختلاف الشيوخ ودرجاتهم في العلم والفكر وغير ذلك هو ما يفسر مدى انتشار الطريقة، باعتبارها شكلا من أشكال العبادة ومدى قوة تأثيرها ومن ثم مستوى شهرتها.. يُجمع الباحثون على أن الزاوية في المغرب كانت سنية مالكية وهو ما يجعلها مختلفة في عمقها عن التصوف المشرقي ذي البعد الفلسفي الغنوصي بشطحاته المعروفة ومقاماته العرفانية، كما هو الشأن مثلا عند ابن عربي والشيرازي، إنها(الزاوية المغربية) رسخت للتصوف ذي العقيدة الأشعرية والفقه المالكي والتصوف الجنيدي، أو ما يصطلح عليه بالتصوف السلوكي.

يستخلص الدارس هذا التوجه في إطار البحث المقارن في شقيه العلمي والأدبي، وذلك من مؤلفات الشيوخ في علم الفقه، ومما خلفوه من أشعار ورسائل ومكاتبات وغيرها، كلّ هذا يعني أن النقدين الفقهي والأدبي كفيلان إلى درجة كبيرة باستجلاء الطريقة وخصائصها، ويعتبران حلقة في سلسلة الفهم السليم، ومكونا بنيويا لإضاءة عتمات الموضوع في هذا الإطار الشامل تشتغل النسخة السابعة لملتقى عيون الأدب العربي الذي تنظمه جمعية النجاح للتنمية الاجتماعية بالعيون، تقترح فيها على الباحثين والنقاد والدارسين موضوعا خصبا للدراسة في أبعادها الثلاثة: التاريخية والسوسيولوجية والأدبية بشقيها البنيوي والمقارن، وقد اتخذت لهذه النسخة شعارا يحيط بكل تلك الأبعاد “الزّوايا: بحث في النشأة والتطور، وقراءة في الإنتاج العلمي والأدبي”، وحتى لا تطبع أشغال الملتقى أية شائبة إقليمية أو شوفينية، تُرِكَ مجال البحث مفتوحا شاملا كلَّ الزوايا وامتداداتها داخل المغرب وخارجه، كما أنه، ومن أجل فتح مجال أرحب للبحث، لم يتم تقييد الدارس أو الباحث بزاوية رؤية خاصة، إنه غنى التناول وحرية الإبحار في الأمداء التاريخية والأدبية شرط تحقق العلمية مادة ومنهجا..

وسط حضور عربي :مداخلات أدبية وشعرية وتوقيع إصدارات جديدة

تتضمن الندوة أربع جلسات علمية يؤثث مداخلاتها الـ 28 نخبة من الباحثين والاكاديميين العرب على غرار المغاربة د.عبد الجبار فكير” الزوايا في المغرب ودورها في نشر المبادئ الإنسانية ودعم القيم الروحية”، د. لطيفة لحسيني ” زوايا الجنوب المغربي نهاية القرن التاسع عشر: من الصلاح الصوفي الى التمثيلية المخزنية” ، د. محمد دخيسي ” الإبداع الشعري للزاوية من اللوحة الفردية إلى التشكيل الجماعي…بعض زوايا الجهة الشرقية نموذجا” ، د. مريم زياني ” أبعاد القيم الروحية والمعرفية والحضارية في شعر الزوايا الصوفي بالصحراء المغربية”، د. إسماعيل هموني ” الشرفاء الرقيبات: قراءة في المضمون والمنهج” ومن تونس نذكر د. سالم لبييض ” القبيلة وفكرة الجد المؤسس في الجنوب المغربي : رمزية الساقية الحمراء ووادي الذهب” و د. الكنتاوي سيدي حبيب االله ” الطريقة القادرية الكنتية بالمملكة المغربية وغرب إفريقيا” ومن موريطانيا د. تربة بباي عمار” تأثير التصوف المغاربي على الإنتاج الأدبي خلال القرنين 12 و13 الهجري” و د. أحمد مولود أيده الهلال ” التزاويت لدى قبائل زوايا تشمشة بموريتانيا

كذلك من السودان د.عثمان محمد النظيف” المسيد والخلوة في السودان: النشأة والتطور والدور” ود. بشير الحسين امام أحمد” قراءة في مؤلفات شيوخ الزوايا العلمية والأدبية في السودان” ..علما وان مداخلات شعرية تتخلل مختلف الجلسات العلمية يؤثثها نخبة من الشعراء والشواعر العرب على غرار المغاربة : المصطفى المعطاوي وحميد شمسدي وخديجة أبو بكر ماء العينين و النعمة بيروك ومحمد شيكي وسكينة لمرابط، اما من الجزائر

فنذكر أحمد الصلاي ونورة تومي وبغداد السايح ومن السعودية خالد البهكلي والسوري أحمد جعفر حيدر والتونسي معز العكايشي.. كما يُقام على هامش الملتقى بقصر المؤتمرات معرض الكتاب، توقيع إصدارات جديدة، معرض الوثائق والمخطوطات، ورشة الخط يؤطرها الدكتور محمد صبري، شريط وثائقي لخلية الاعلام بالجمعية المنظمة : ذاكرة ملتقى عيون الأدب العربي .. فعاليات متنوعة وتجديد دأبت عليه جمعية النجاح للتنمية الاجتماعية بالعيون على مدى الدورات الستة المنقضية ليؤكد حرصها وقدرتها على إنجاح عرسها الثقافي السنوي، فضلا عن ايمانها بدور الثقافة وأهميتها في مسيرة التنمية الشاملة للمدينة ومن خلالها المملكة المغربية..