المعنى المضطرب للجرأة الشعرية
ثورة كاسحة أمام الضعف والإنكسار والإهانة
عصمت شاهين الدوسكي
إن الهزات الشعرية ، العصرية ، الحضارية ، تحدث بصورة ما في تاريخ الأدب والفن والفكر ، هذه الهزات الشعرية تحمل معها جرأة الشاعر في كشف وإيضاح الحقائق ، التي يخشى الآخرون من كشفها لسبب ما ، أو بوحها بشكل خفي ، أو بصورة رموز يختارها الشاعر تعكس صورة الواقع ، وهذه الجرأة لا تعتبر مودة ، أو موديل ، أو تقليعة جديدة ، بل تعتبر تحولات عميقة يستجيب لها الناس بشكل عام ، لأنها تمس شغاف قلوبهم ، وتعتبر جرأة كاسحة ، لترمي السوداوية ،والظلم ، والفساد ، والتدهور والإنكسار ، بين أكوام الأنقاض ، الشاعر والرحال الكبير بدل رفو من الشعراء الكرد الذي رمى جلباب الروتين ، وسترة الملل ، وقميص الكسل ، وربطة القيد ، في مساحات واسعة من تحركه الفكري ونشاطه المتقد بين عوالم المناطق الجميلة يكتشف الجمال والحياة والحضارة الإنسانية الراقية ، في شتى بقاع الأرض من الموصل الى بغداد ودهوك الى قرية شيخ حسن الى الهند الى كندا الى مناطق نمسا الجميلة ، غراتس ، وشتايامارك الى اهرامات مصر وجمال المغرب ومدينة شفشاون ، وغيرها من بقاع العالم بجبالها ووديانها ، وانهارها وبحارها ، بينابيعها وشلالاتها ، بفقرائها وأغنيائها ، هذا الجهد الإستطلاعي الفكري المميزفي شتى بقاع الأرض في عصر يترك الكثير من الأزمات ،والأحداث التاريخية ، نتيجة لظهور سياسات جديدة ، جعلت من بعض المجتمعات الاسيوية عامة والعربية خاصة لقمة دسمة بيد الآخر ، الأكثر جرأة في الظلم والتعسف والتسلط والنفوذ والفساد وسرقة المال العام وتهريبها للخارج والتحكم بمصير الفقراء والناس الذين لا حول لهم ولا قوة ، وظهور طبقات إجتماعية جديدة تغدو بكروشهم المتخمة كالقروش لتفترس بأنيابها الجارحة ، الطامعة ، كل إنسان ضعيف ، وظهور إنقسامات كبيرة في المجتمع ، بحيث تجزأ المجزئ ، إنقسام مر ، علقم ، بتفاصيله ، بحيث أن بسطاء الناس لم يتفقوا تماما على طبيعة الوضع الجديد ، من ضمن قصائده الجريئة أخترت قصيدة لاجئة الذي يقول فيها ..(( عيون طفلة ،أمام عدسة الإعلام ، وعيون تحمل مواجع أمة مهزومة ،سياسيوها قطعة قماش مهترئ ، على خصر راقصة شرقية ، أكل الدهر منها وشرب ))
من الضروري أن نكون جريئين لكن بتمعن وفكر واعي ، جرأة الحق ، العدل ، الجرأة الشعرية ، الحضارية ، التي تفسر طبيعة صور الوضع الجديد ، مهما إختلفت الأشكال والألوان ،والصوت والصور والأشخاص ، نلاحظ في قصائد الرحال والشاعر الكبير بدل رفو جرأة شعرية لتفسيرات لا تمتاز بالحدس والتخمين فقط بل إضافة الى جملة أحداث واقعية تؤثر في المجتمع ، تتجلى من خلال خصوصية الحداثة والغرابة التي تعطي من المصداقية الشيء الكثير ، كل هذه التزاوجات مع بعضها تعكس مفهوم نقدي يمكن الركون اليه ، بشكل مباشر أو غير مباشر ، حتى لو تضاربت الآراء حسب النفعية ، حول تفاصيل وطبيعة هذه الجرأة الواقعية ، لا يمكن أن نحدد هنا سلفاً ما يجب أن نتخذه من مواقف ، ووجهات نظر أزاءها ، لأن الجرأة الشعرية تحتوي على الكثير من ظلال المعنى التي قد لا ننجح في استخدامها بصورة دقيقة ، فالإنفعال وحده لا يكفي في إطلاق الجرأة بل تحتاج الى عمق زمني ،فكري وتاريخي .(( إنه زمن الخنوع ،حين تهزم الطفولة ،وتنشر الصحف البائسة ،وعلى صفحاتها الأولى ، وبخط عريض بطولات علي بابا والأربعين حرامي ))
فالمعنى المضطرب في الجرأة الشعرية تعكس فكراً مضطرباً ، إننا لا ننكر وجوب وجود الجرأة الشعرية في حياتنا ن من خلال المواقف التي نتخذها ، لكننا يجب أن لا ننكر إن هذه المواقف قابلة للتغيير ، وربما تغيير سريع ، بعد إيجاز نشاط الإنسان الفعلي في ظروف معينة ، ذلك النمط من الوعي الإنساني المعاصر ، التي تجبر الإنسان المظلوم ن على أهمية اللحاق بحركة التغيير الزمني ،هذا الوعي إنعكاس للجرأة الروحية والحسية والفكرية ، والأهم أن لا تكون هذه الجرأة صورة لليأس التي تزيد اليأس يأساً وإنكساراً وتدهوراً ، وانعطافاً خطيراً للموت ، فالمصطلحات والتعابير الشعرية لها إرتباط وثيق ن بمشاعرنا التي تجعلنا نتصور إننا نعيش في زمن مضطرب ، نتاج الفعل الإنساني ، الحاضر ، وامتداد للماضي ، فالفكر الإنساني يلمس ويكتشف الجرأة الشعرية التي يفر منها ، أو التي يستجيب لها ، فمضامين الجرأة واضحة ، بفعل الحدث السياسي والإجتماعي ، الفكري ، مع تجلي طبيعتها ، ومكانها ، ونشوئها ، والأسباب التي كانت وراء ظهورها ، وما هيتها ، فهذه الأمور إن ظلت غامضة بعض الشيء ، فهي لن تظل غامضة للأبد ، الجرأة الشعرية الغير مشوشة ، تجعل إضفاء صفة شاملة عليها ، ليس أمراً صعباً ، الشاعر الكبير بدل رفو جرأته الشعرية برموزها ودلالاتها واسلوبها ليست غامضة ، ضبابية ، تعكس أموراً كثيرة ، ومتنوعة ، وحتى أموراً متناقضة مع بعضها. (( قالوا : صلب المسيح ،وكثرة أعمدة الصلبان ،في بلدان الطيبة والتسامح والآخر ،لكنهم تناسوا ، بأن شرقنا المهترئ ، المشتت ،كل يوم يصلب ألف مسيح ، يصرخون بأعلى أصواتهم ،وينادون ..الحرية ، العدل ، التسامح والأنسانية ))
، وهذا لا يعني عدم وجود إطار عام لها يحدد مفهوم الجرأة الشعرية ، ويساعد على تشخيص سماتها الإسلوبية ، النقدية ، التوجيهية ، فقد تأتي وتستخدم الجرأة لتغطي مجموعة من الأحداث التي جاءت لتحطم الإنسان بصورة عامة ، إن الجرأة الشعرية عند الشاعر الكبير بدل رفو ثورة كاسحة أمام الضعف والإنكسار ، والتراجع والذل والإهانة ، في جميع المجالات السياسية والإجتماعية ، والفكرية والحسية ، لكن تبقى هناك أسئلة تبحث عن أجوبة ، يا ترى ما هي المعايير في تقويم الجرأة الشعرية ؟ ومتى نستخدمها ؟ الشاعر بدل رفو جرأته الشعرية ليست غامضة ، بل نلاحظ أحياناً شفافة جداً حتى إننا لا نحتاج الى جهد جهيد لنميزها ، وهذا من الفكر الواعي ، الذي يمارسه بعض الشعراء والكتاب والفنانين ، وهي تعبر عن وجهة نظر الشاعر تجاه العالم المعاصر ، الذي عاش تجارب إنسانية ونجح في التعبير عنها ، بشكل يتناسب ما تضمنته تلك التجارب ، من أفكار جريئة ، واحساس راقي ، تمتاز جرأته الشعرية كثورة على التقاليد الشكلية واللغوية بنزعتها الواقعية ، وبراعنها الواعية ، الإبداعية ، في دراسة الواقع الدقيق واستخدام ، جرأته الشعرية التي فرضت نفسها بشكل ما على أدبه المعاصر ،وهذا أمر يمكن ملاحظته بيسر بمضامينها وبروزها كظاهرة فكرية حسية ، أجتماعية ، سياسية ، جريئة ، وكظاهرة نقدية ، جمالية ، واعية ، الذي نتج من خلاله أدباً واقعياً مشع بالمضامين الإنسانية ، ويرطز على القضايا العصـــــرية ، هادفاً من ورائها النفوذ الى أعــــــماق التأثير في الحياة الإبداعية .























