الموروث الحضاريّ والتناص والمخيّلة

المطولة الشعرية خطبة العربيّ الأحمر

الموروث الحضاريّ والتناص والمخيّلة

 أحمد البياتي

في البدء لابدّ لنا بأنّ نقول أنّ الفن الشعريّ فنٌ صعب يحتاج إلى تقنية فنية عالية لا تتأتّى إلا عن طريق المتابعة والإطلاع والاحتكاك ، ويحتاجُ كذلك إلى رؤية ووعي وقدرة على التغيير مع ثقافة عامّة شاملة ومتأصّلة لتوليد الصور الشعرية المتوهجة ، ومن حقّ الشاعر أن يحلّق في سماء المعاني والابتكار اللغوي والتجديد والتعبير ، إذ يبقى هاجسه البحث عن الصورة النادرة والجديدة والمختلفة ، والشعرُ ليس ترتيباً أو تنضيداً للحروف والكلمات ، بل إنّه صور ومعانٍ وتعابير عن الروح الإنسانية بكل مشاعرها وأحاسيسها بأجمل وأرّق الأشكال والتجربة الشعرية والحياتية للشاعر عدنان إضافةً إلى ذخيرته المعرفية مكّنته من اثبات شروحه ومراميه للقارئ بدقة متناهية بتحديده الدلالة في القصيدة ، كما أنّ مخيلته الأدبية شكّلتْ صنبوراً متدفقاً من الإبداعات ، حيث أنه لامسَ هموم الآخرين وحاكى خلجاتهم  وسعيه لبناء نصٍّ من خلال احساس قوي وتفكير مليء :

 أنا الأحمر الهندي / أنا الأسمر العربي

نحن أبناء الوجود

منذ عصر الهبوط

فوق بادئة الحياة

عند مفترق الأبد

بعد قداس الوداع

من فردوسنا البعيد

هنا كان ابتداء

روح هيكلنا العظيم …

في مخاض قابيل الكسير

كان الغراب لنا دليل

كي نموت

كي نعود

نحو غيم اللاأنتهاء

في ثنايا ذاك الأبد ص 50 و 51

التزمَ الشاعر عدنان بحرفية الفن الشعريّ وبقيَ في إطار التركيز الذي ينبعثُ منه الحدث ، وكشفَ عن العلاقة الخفيّة التي تتحكّم بمصير الإنسان وحركته ، والمعالجة عنده ليستْ سكونية وإنّما هي تحريك العقل عند المتلقي وإدخاله في حدود العمل الفني ، إنّ عالم الواقع لدى الشاعر كثيراً ما يختلطُ بعالم الوجع والألم وكل ذلك جَسَدَهُ في قالب فنيٍّ جميل منسجم مع الحدث الذي يعرضه والموضوع الذي يناقشه.

لقد أكتسب الشاعر عدنان إمكاناتٍ فنيّةٍ استطاع من خلالها أنْ يعرض تجارب شعوريّة صادقة يحياها القارئ ، فقد عرضها من خلال أبسطِ وأدقِّ جزئياتها واهتمَّ بالأعماق فشرحها وناقشها من خلال غطسهِ إلى أعماق المتحرّك النامي ، فقد عرضَ موضوعاته بأسلوبٍ فيه قدرة كبيرة على العطاء والإيحاء بجوٍّ مشحون بالأفكار والرؤى والأحلام والمشاعر والأحداث ، فلقد أجادَ بصياغته للقصائد وبمهارةٍ عالية إنّه جدّد مفاهيم عدّةٍ ممّا زادها قوّة ووضوحاً وأعطاها مساحة واسعة للتعبير والتصوير :

رفعنا مسلات الشموخ

فوق السحاب

لندرك الوضوح

في تشظي الضياء

وانهمار الصباح

فوق جدران المعابد

فوق اقواس المطر

في ارض بابل

حيث العصافير تغني عرس الحصاد ص 76

ممّا أضيء سابقاً عن مخيلة الشاعر  الأدبية قد شكّلت صنبوراً متدفقاً من الإبداعات حيث أنه لامس هموم الآخرين من خلال مشاركتهم معاناتهم ومحاكياً خلجاتهم كما إنّ صياغته اللغوية هي صياغة شعرية راقية ، وصوره عميقة ومعظم نصوصه في هذه المجموعة يتخطّى فيها حدود المصير البشري…  ويتمنّى لو كان قادراً أن يسمع ما يرى من مآسي الحياة واضطرابها في زمن مغلق وهو لا يملك غير قدرته الإنسانية ليوآلف بين وجوده وهذه الصور الشعرية التي صاغها والأحداث التي تناولها ، مطلقاً العنان لعباراته لتنعكس رؤياه ليحقق التجسيد الحميم والاتصال الرمزي بأرواح الحقائق التي يبوح بها بصوره الشعرية في عالم متداخل .

نجدُ أنّ تفاعل القارئ مع مثل هذه التشكّلات الجمالية المبتكرة يمر بلحظة الدهشة المتجانسة مع الأبنية الجمالية التي يقترحها النص ولحظة التلقي الإبداعي الذي يكون عنصراً مشاركاً في بناء الكون التخييلي عن طريق ملء فراغات النص وإنّ ما يجعله نصاً تفاعلياً هو الجوُّ العام الذي كُتِبتْ فيه القصيدة إذ يستعين الشاعر بمختلف وسائل التعبير من أجل توصيل رسالته الى المتلقي :

هذه الأرض فيها النجوم

تحمل الآفاق فوق الغيوم

تحمل السوسن

في رؤاه

يحتمي فيها النشيد

من ثعابين الضجيج …

حكمة الغاب منها قد عرفنا كل اسرار الوجود

اشرقت من نورها شمس الحكم

نحو معراج الخلود ص 28

تميّزتْ قصائد هذه المجموعة بكثافةٍ تعبيرية من خلال توهّج الاستعارات الحيّة وحداثوية الشكل الشعري الذي بني وفق معمارية استندت على عناصر متعددّة من حيث اللغة المكثفة واستحضار الاحداث التي أثرت في واقع الشاعر .

كأيّ قارئ شعرتُ بعطاءِ هذا الشاعر عبرَ صوره الشعريّة المتجددّة ، وجدته محاصراً نفسياً بانثيالات وأحلامٍ وآمال للكثير من مواضيع الحياة في ذاكرته التي جعلها محور الدلالة في التجسيد الحي للذكريات من خلال اصراره على توليد الصور المتعددّة التعابير وفق رؤياه الممتزجة بنواياه. فلقد استمر في بناء القصائد بالمهارات التي امتلكها عندما وظفَ أدواته الشعرية بطريقة فاعلة ومؤثرة متوغلاً بشهية جديدة للأحداث المتدفقة :

عند ناري وانتشاري

وانكساري عند باب هذا الهديل

كنت الذبيح

في انتظاري …

أنا من كان في ذكريات الكون

ناري …

أنا من بقايا هجدة الطين

بظلِّ الفخار …

سليل هابيل القتيل

أبنُ قابيل أسير النزوة العمياء

في وضح انهياري…

أنا من كان موتي

نذير انتشاري …

أنا ابن غابات النحيب

فوق غدران انتصاري …

أنا من بقايا الوجود

حيّ في نثيث الصمت

لكني سأبدي احتضاري … ص 101 – 102

الشعرُ فنٌ يحتاج الى الوقائع واللغة والخيال الخارق والتأمّل ، لتفسير الحياة والتعبير عن خفاياها من خلال موقف أو لحظة توهج شعري .

الشاعر عدنان ينقلنا عبر لغته إلى عالم آخر من خلال خلقه عالماً جديداً تختلف علاقات الأشياء فيه كما هي عليه في العالم الواقعي وعلى الرغم من المعاناة وحجم الأسى الذي تسببه الحياة للإنسان إلاّ أنّه يحاول إبراز الشفافية بنظرته المتفتحة والموضوعية للحياة من خلال توليد التساؤلات المستمرة :

يا سيد البيض يا شيخ القبيلة

وصلت منك رغبة ، ان تشتري ارضي القتيلة

طالباً مني

عقد مشروع الصداقة

من أنت !! حتى تجود !!

على روح شعبي بسجن كبير

من نواياك الطيبة …

يا زعيم البيض يا ربَّ الذهب …

لطفك الباهت .. يبكي مزامير الرعاة

في مراعينا الندية

ما ذنب شعبي أن يكون وسط اقفاص الجنون

سرب ظباء السماوات البعيدة …

شعبي ذليل

لكن فيه

روحاً عنيدة

شعبي أسير

لكنّ فينا جمراً يطير

من غيوم الكائنات العتيدة … ص 18 – 19

تمثّلُ قصائدُ هذه المجموعة تشكيلات جمالية تضج بالصور والأخيلة مصدرها الذاتُ الشاعرة التي تمثل نقطة تلتقي عندها وتتقاطع مختلف أشكال الفعل الإبداعي الذي يتمُّ تصريفه في فيض جماليٍّ شفاف ، لذلك تلوذُ نصوصها بجملة من المكونات والسمات المخصوصة من أجل بناء محتملها التعبيري الحداثي وفق تعاقد ضمني يجعل القارئ يقبل على التعامل مع هذه النصوص بوصفها موضوعاً جمالياً يمنح أدواته الفنية من تصوّر خاصٍّ لمفهوم الشعر ووظيفته .

خطبة العربي الأحمر مجموعة شعرية للشاعر عدنان حسين صدرت عن دار الجواهري للطباعة والنشر / بغداد / شارع المتنبي .