هوامش الورود 1
مع وديع فلسطين في رسائل متبادَلة
يعقوب أفرام منصور
عرفتُ الأديب الكاتب الصحافي والمترجم الأستاذ وديع فلسطين في القاهرة قبل مراسلته في أواخر الستينيات، من خلال مجلة (الأديب) البيروتية في تلك الحقبة، إذ قلّما خلا عدد من أعدادها الشهرية آنئذٍ من دون أن يشتمل العدد على موضوع من مواضيعه الفكرية والثقافية والصحافية. وحرصي عليها، بفضل محتواها من فكر ورأي وأنباء ثقافية وأدبية ومراسلات، حملني على ضمّها إلى سجل عملي الضخم في أربع مخطوطات موسومة [ رسائل منّي وإليّ ]، وحين سألتُه إن كان يجيز لي أن انشر بعض رسائله أو فقراتٍ منها ـ وهو بعدُ في قيد الحياة ـ أجاب بالموافقة. وكان ذلك قبل بضعة أعوام من تسلّمي منه نسخة من كتيّبه (قضايا الفكر في الأدب المعاصر) الصادر في القاهرة عن المكتب الفنّي للنشر في عـــــــــام 1959. وواصلتُ دأبي على تدوين رسائله حتى التي حملت تاريخ تحريرها 4 ـ 2 ـ 2003، وتدوين رسائلى حتى التي حُررت في 25 ـ 10 ـ 2003 في المخطوط. بيد أن التراسل بيننا إستمرّ حتى الآن، فأخر رسالة منه مؤرّخة في 6/3/2014 وآخر رسالتين مني مؤرختين في 1 ـ 3 ـ 14 و 18 ـ 11 ـ 15 لم اتلقَّ جوابهما. في رسالته المؤرخة في 28 نيسان 1970 الصادرة عن طرابلس الغرب( ليبيا)، ردًا على رسالتي في 13 نيسان، شكرني على إيصال أعداد مجلة (الورود) البيروتية التي أُعيد إبرادها إليه بسبب إلتباسي في رقم صندوق بريده، واعتذر لي بسبب كثرة أرقامه في مهجره الليبي، قائلاً ومنذ حللتُ هذه الديار، دخلت الأرقام حياتي بشكل مزعج. فحسبك أن تعرف أنني أحمل في جيبي عشر بطاقات ـ عدا جواز السفر ـ ولكل بطاقة رقم على القليل، ثم أن لسيارتي رقمًا، ولعضوية النادي رقمًا، ولحسابي المصرفي رقمًا، ولمنزلي رقمًا، ولغرفتي رفمًا، ولهواتفي أرقامًا، ولصندوق بريدي رقمًا، وهلمّ جرّا. وحفظ هذه الأرقام أمرٌ متعذّر، ولكن لا مفرّ من ذلك يا سيّد العارقين، ولو أنني عملتُ مثلك، وخلطتُ هذه الأرقام، لوقعتُ في ألف محظور ومخطور وألف حيص وبيص. إن من اقترح عليّ مراسلة وديع فلسطين شخصان، أكنّ لهما إحترامًا ومودّة، هما ألشاعر السوري المهجري جورج صيدح (آنذاك في فرنسا) والأديب الناقد وكاتب السِيَر الأستاذ وحيد الدين بهاء الدين، الكركوكي أصلاً، والبغدادي إقامةً حتى الآن منذ قرابة نصف قرن. وفي رسالة وديع هذه ، فقرة بخصوص صيدح، جاء فيها ( أخونا صيدح وافاني بالنص النهائي لقصيدته ” يا بدرُ ” بعد أن بلغت أربعين بيتًا، وتهذّبت عباراتها ومعانيها بما أدخَل عليها من تنقيحات وتشذيبات. وقد اكتفيتُ بطيّ هذه القصيدة لأنني لستُ متّصلاً بالصحف، كما أنني غير مشتغل بالسياسة مما يفوح من هذه القصيدة الجديدة. وقد نصحتُ صيدحًا بإدراجها في الطبعة الجديدة من ديوانه متى قُدِّر لها أن تصدر.) وفـــــــــي الجزء ين الأولين من ديوان صيدح في حوزتي ، الصادرين في 1972 و 1973، لم أجد للقصيدة أثرًا. ثم انتقل إلى موضوع مجلّة (الروّاد) الليبية، الصادرة عن وزارة التربية والإرشاد القومي، التي أحتفظ بأعداد منها، زوّدني بها وديع، منها العدد 5 للسنة السادسة 1970 الخاص بأضواء على ندوة فلسطين، واشتملت على نص رسالة الشاعر “القروي” ـ رشيد سليم الخوري ـ إليّ من مهجره البرازيلي في سان باولو، مؤرخة في 11/2/1970 وبرفقتها أبيات من قصيدة رباعية المواضيع للشاعر رشيد، منها أبيات في ليبيا، مطلعها:
ليبيا يا معقِلَ العُرب الجديدا
زِدتِ أعيادَ شقيقاتكِ عيدا
مرحبًا بالثورة البيضاء لا
جرّدت سيفًا ولا حزت وريدا
ومنها في الفدائيين الفلسطينيين هذا المطلع:
والفدائيون هل من أٌمّةٍ
أنجبت أطيبَ أو أصلبّ عودا في لغاتِ الأرضِ يبقى ذكرهم
عربيَّ اللفظِ والمعنى جديدا
وأبدى رأيه في هذه المجلة قائلاً :
لم يصدر بعد العدد الجديد من “الروّاد”. ولن أوافيك به إلا إذا وجدتُ فيه مادّةً تُقرأ. فالمجلة ـ مع الأسف ـ مفرطة الهزال، وأخطاؤها أكثر من صوابها! وقد ندم أخونا صيدح على تزويدها بإحدى صِيَغ قصيدة ” يا بدرُ” قبل أن تستوي بدرًا تمامًا في أربعين ناطحة سحاب لا بيتًا!! فقد خرجت قصيدته مرصّعة بأغاليط الطباعة الغلاظ حتى كاد ” يطلع دينه” وهو يقرأها! فماذا إذن يكون مصير قصيدة ” القروي” ـ رشيد سليم الخوري ـ متى ازدانت بمقدمتك ودراستك واستقّرت بين يدي المحرر ثم بين دفّتَي المجلة ؟! وفي ما ياتي رأيه في تبنّي الأساليب الإنشائية، وتخيّر الأنسب والأرفع والأنفع،إذ قال: لاحظتُ هوامش “الورود” على كتاباتك التي يراها البعض ” متقعّرة” حتى وإن طابقت القاموس. فماذا يقول الناس في الكلمات العقائدية التي امتلأت بها الكتابات اليوم مثل ” التشيؤ الفئوي” و”الجِهَوي” و ” إسطاطيقا السبرنطيقا” و “البروليتاريا المتبرجزة” و “الكلامولوجيا” و “المسار”…إلخ؟ إن رأيي الشخصي أن على الكاتب أن ينهض بجمهور قرّائه، فلا ينزل إلى مستواهم، وأن يكون دائمًا معلّمًا مهذّبًا، أُلقِيَ على منكبيه وشاح الهُداة والشعراء، على حد تعبير أستاذنا الدكتور فؤاد صرّوف. وقد عملتُ سنوات طويلة مع استاذي الكبير الراحل خليل ثابت باشا الذي أعدّه من أكابر الكتّاب وفقًا لأيّ مستوى عالمي، فكان كلّما استخدم لفظة جديدة، وضع مرادفها بين قوسين تيسيرًا للقارئ….كما كان يصحح الأخطاء الشائعة بالطريقة نفسها. فيا صاحبي، أُكتب بالأسلوب الذي تُحسنه، ولا تنسَ أنّك مُعلِّم مُهَذِّب ! ] وبخصوص كتيّبه ( قضايا الفكر في الأدب المعاصر)، قال : ” ومع أنه قد انقضى على هذا الكتاب أحد عشر عامًا، فما زال الناس يذكرونني به، وآخرهم إلياس فرحات، وعزيز أباظة باشا، وطالبة دراسات عليا في لندن، والعلاّمة المجمعي عارف البكري. وقد اعتمد الصديقان الدكتور بدوي طبّانة ومحمد عبد الغني حسن على هذا الكتاب إعتمادًا مطلقًا وهما يعدّان كتابيهما عن “التيّار المعاصر في النقد الأدبي” و فن الترجمة ” على التوالي.”























