جهود ثروة عكاشة في انقاذ آثار مصر

حين يكون الوزير مثقفاً

جهود ثروة عكاشة في انقاذ آثار مصر

شكيب كاظم – بغداد

كان من نتائج بناء السد العالي، أو سد أسوان العالي في مصر، أن غرقت مناطق شاسعة من أراضي مصر، كانت فيها كنوز الحضارة الفرعونية في منطقة النوبة، وهو ماعرف بمصطلح الآثاريين المتخصصين: (آثار النوبة) وقد أفتتح السد عام 1964، أفتتحه الرئيس جمال عبد الناصر (1918- 28/9/1970) وبحضور الزعيم السوفيتي نيكيتا خروشوف (1894- 1971) الذي كانت بلاده الممول الرئيس لمصر في بناء السد، فضلاً عن الرئيس العراقي عبد السلام عارف (1921- 1966) والرئيس الجزائري أحمد بن بلة (1916- 2012).

وعندما بدء عندنا في العراق بانشاء سد حديثة، الذي كان المهندسون قد خططوا له في اعالي الفرات قريباً من الحدود السورية، فان الجانب السوري لم يوافق على مكان الانشاء، لانه سيؤدي الى انغمار أراضٍ شاسعة بمياه الفرات وغرقها ومن ثم زيادة الملوحة في التربة، وخسارة سورية لأراضٍ زراعية خصبة، سواء على مستوى المساحة، مساحة الارض، أم الملوحة، مما اضطر الجانب العراقي، الى بناء السد عند قضاء حديثة، وأدى الى غرق مدينة عانة، وقد عمل العراقيون بجد لانقاذ آثار عانة، ولاسيما مئذنة عانة الأثرية، ونقلوها الى مكان لا تصله المياه، وكنت اتابع مراحل العمل هذا، لأني كنت، اذ ذاك، ثمانينات القرن العشرين، رئيس ملاحظي مؤسسات الأنبار النفطية، وكانت من مهمات عملي زيارة المستودعات النفطية، ومحطات تعبئة الوقود، وتفقدها في محافظة الانبار، فضلاً عن بناء مدينة عانة الجديدة، وظلت راوة بعيدةعن الانغمار بمياه سد حديثة، كونها بنيت على أرض مرتفعة مطلة على الفرات الرائع الجميل، في حين كانت عانة تقابلها على الجهة الثانية من النهر، وفي أرض منخفضة فغمرتها وازالتها من الوجود مياه سد حديثة.

تذكرت ذلك واستذكرته، وانا اقرأ فصلاً مهماً من  فصول الكتاب المعرفي الجميل للباحث والاستاذ الجامعي المصري المعروف الدكتور لويس عوض (1915- 1990) والموسوم بـ (دراسات أدبية) والصادرة طبعته الاولى عن دار المستقبل العربي بمصر سنة 1989، والمعنون بـ (مذكرات في السياسة والثقافة) درس فيه عوض وتحدث عن مذكرات الدكتور ثروة عكاشة، (1921- 2012) التي حملت الاسم ذاته، ولعل الكثيرين لا يعرفون ثروة عكاشة، أو لم يسمعوا باسمه، لذا فاني أقدم هذه النبذة الحياتية المختصرة عنه، فهو أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة المصرية في 23/ من تموز/ يوليو/ 1952، ضد حكم الملك فاروق بن فؤاد، ولخلافه مع بعض أعضاء المجلس، فقد عين بوظائف دبلوماسية في باريس ورومة وسويسرة، ثم عاد الى بلده مصر ليتولى وزارة الثقافة لمدة ثمانية أعوام حقق فيها منجزات رائعة في مجال الثقافة والفنون الشعبية وانشاء دور الثقافة في كل اقاليم مصر، والاهتمام بفنون البالية والرقص الشعبي، كي يحرره من نظرة المجتمع الى الرقص منذ ايام الحريم، بوصفه قائماً على مفاتن الراقصة الجسدية. ولعل من أهم منجزات الوزير المثقف الدكتور ثروة عكاشة، هو انقاذه آثار النوبة، وما استنفر امكانات مصر في انقاذها وحسب، وكانت تسمى أوانذاك (الجمهورية العربية المتحدة) بل اشرك العالم كله في نقلها من مكانها الذي ستغمره مياه سد أسوان العالي، الى اماكن اكثر امناً، ومازالت في ذاكرتي الطوابع البريدية، التي كان كل طابع منها يحمل صورة لأثر من أثار النوبة وتخصص مبالغها لميزانية الانقاذ.

ويكفيه فخراً ومجداً، كما ينقل لنا الدكتور لويس عوض في حديثه هذا عن الوزير الذي انتقل من اخلاق العسكر والثكنة الى مرابع الثقافة والموسيقى والكتاب، يكفيه فخراً كما قال (رينيه ماهو) رئيس اليونسكو انذاك، إن ثروة عكاشة استنفر العالم لانقاذ آثار النوبة، ولم يطمئن له بال حتى انقذ معابدها في ملحمة الصخور والمياه.

استذكر ذلك وأقرؤه، واقارن ما بذله ثروة عكاشة الوزير المثقف لانقاذ آثار بلده الفرعونية، بما فعلته فئات متحجرة في بلاد الافغان اواخر القرن العشرين، إزاء النصب التأريخي لـ(بوذا) حيث صبت عليه نيران مدافعها لتحطيمه، أو ما فعلته عناصر جاهلة لا تنظر الى الامام، بل رقابها متصلبة الى الخلف ومتوجهة، كانما اصيبت بداء في رقبتها يمنعها من تحريكها يميناً وشمالاً، فضلاً على النظر الى امام فعاثت في اثار العراق في الاماكن التي وقعت تحت سيطرتها في حزيران/ 2014، في غفلة من الحياة والزمن، واستشراء الفساد وعدم المسؤولية، تقارن بين الفعلين فنجد البون شاسعاً ومروعاً، لنناجي أنفسنا، ما أشد تراجعنا عن مسيرة الزمن، وما اكثر تأخرنا، فالناس أدلجت وسارت في مراقي التقدم والتحضر، ونحن- ويا للأسف- نيام.