شذرات من شعر الشريف المرتضى

 شذرات من شعر الشريف المرتضى

توهّـج الذائـقة وتألق الإبـداع

 وسن علي الزبيدي

 إن النتاج الشعري الابداعي لا يمكنه أن يكون صناعة لفظية  متعمدة, بل تعد فضلاً عن صياغاتها المتفوقة في المجال اللغوي, وسيلة تعبيرية ذات وظائف نفسية تظهر القدرات المتميزة للمبدع, وتفوقه على تشكيل مفرداته وتطويع اللغة التي تتمثل في ذهنه أو لسانه, فيلح على الظهور بشكل تلقائي ليصوغها الشاعر في قالب شعري, يقصد فيها التفاعل والتأثير بالمتلقي.  والشعراء من مختلف العصور ومن هم يمتلكون الموهبة والفطنة –(( أي الموهبة الابداعية لأن هناك من يقول الشعر ولا يمتلك الموهبة فهو ناظم للشعر فقط ,ليس له الا الوزن والقافية ))– التي تجعلنا نستمتع بابداعهم فينقلنا معه الى عصره عبر أشعاره وقصائده, ليطلعنا فيها على معانٍ  شتى من الحب بكل أنواعه , ومعنى الوفاء والإخلاص, ونعيش معهم مرارة الغدر والخيانة والظلم …الخ . ولكل منهم طريقته ومنهجه وأسلوبه , والقراءة لشعر المرتضى تظهر لنا جانبا من الابداع الشعري الذي وجدته في شعرالشريف المرتضى وما جادت به قريحته في نظرته للمكان المقدس والديني في توظيفه شعريا .

والشريف المرتضى ، كان شاعرا مجيداً ، جزل الشعر ، فخم الالفاظ ، ثر اللغة وافرها وقد كان الشعر يفيض على جنانه ، فيطفح الى لسانه ، سالكاً طريق بيانه . ويظهر في شعره ، بأنه مضطلع برسالة سامية مقدسة ، يعبر عنها بحس مرهف ، وشعور رقيق ، وعاطفة جياشة ، وبصيرة قوية ، وأفق واسع . يقول المرتضى واصفا حجاج البيت الحرام ، وهيئتهم حين الاحرام :

محلقين تهادوا في رِحالهمُ                   من بطن مكة َ أفراداً وأقرانا

حلّوا حقائبهم فيها مفرغة ً               واستحقبوا من عطاء الله غُفرانا

من بعدما طوّفوا بالبيت ِ واعتمروا

 واستلموا ” منه أحجاراً وأركانا

ورددّوا السعي بين المروتين تُقى ً           حيناً عجالا ً وفوق الريث أحياناً

وعقروا منىً من بعد حلقهمُ                 كوم المطى مسنات ” وثنيانا”

      فالتردد الصوتي ، منح النسق الذي ورد فيه بعداً إيقاعياً لذيذاً ، لتلقائيته ، فضلاً عن ان مجيء التكرار في مثل ( أقرانا ، غفرانا ، أحيانا ، رضوانا ، ….) تأكيداً وتفضيلاً دليلين فاعلين في السياق ،إذ هدف الشاعر من خلال ذلك تقرير المعنى الذي اراد إثباته .

ومن وصفه لموقف الحجيج في عرصات  عرفة مستمطراً الخير والبركة والغفران للواقفين فيها، في منظر غاية الروعة والتأثير في المتلقي . يقول الشريف المرتضى :

واستمطروا بعراص الموقفين وقد

 غامت عليهم سماءُ الله رضواناً

أرضٌ تراها طوال الدهر مقفرةً           والحجُّ ينبتها شيباً وشبانا

“مسلبين” كأن البعث َ أعجلهم

 فاستصحبوا من بطون الارض أكفانا

لله درُّ الليالي في منى سلفت              فكم جميلٍ بها الرحمانُ أولانا

 نرى الشاعر في المقطع اعلاه ، قد منح لتجربته الشعرية تميزا خاصا من خلال موسيقى المفردات الشعرية التي وظفها ، ، أذ انها أسندت المعنى الشعري الذي أراده الشاعر ، وساعدت على تجليه بأبهى حلة صياغية بحيث تجعله ينفذ الى القلوب بخفاء لذيذ ، لما تحمله تلك الموسيقى من صور تناغمية ، تسهم في تعزيز الدلالة المعنوية للقصيدة ، وايضاح جوانبها المقدمة .

      فالصورة المفردة التي  جسد فيها الشاعر تجربته ، التي كانت قبل الظهور كامنة في النفس لا علم بها لغير صاحبها ، نجدها في “استمطروا بعراص الموقفين …” نجد التصوير مباشر ، عمل الشاعر هنا اشبه بآلة تصوير ، سجل الواقع الذي رصده في هذ الموقف البهي ، وليس فيه أثر للخيال الفني . فجعل القارئ محيطا بذلك المكان ، وما الاحداث التي تدور فيه . فتتلاحق هذه الاحداث فيما بعد . فيقول “مسلبين كأن البعث …” هنا وظف التضاد في التفاتة ذكية لطرق انتباه القارئ في موقف الحج ، وجعل الصورة التشبيهية مؤثرة ومستقرة في ذهن المتلقي . فصورة الانسان الذي تسلب منه اشياؤه حتى ملابسه فلا يملك شيئاُ مما كان معه حتى لا يملك ما يقي نفسه ويسترها ، فهنا يصور الشعيرة الدينية بادق تصوير في ان كل ما يملك الانسان هو ملك لله، يمنحه الله متى يشاء ، ويسلبه منه متى يشاء . ونلاحظ هنا الذائقة الشعرية للشاعر في أختيار لألفاظه ومنظوره للكلمة التي يراها دون التجربة . ويستمر المرتضى في تصويره للمكان الديني المقدس في قوله :

حلفت بمعشر عسفوا المطايا               يريدون البنية من تهامه

وكل معرقٍ كالنسع ضمراً                  له رتكٌ ولا رتكُ النعامة

أتوا “جمعاً” وقد وقفوا جميعاُ             على عرفات ٍ يا سُقيت مُقامهْ

عِراصٌ من يزرْ منهنَّ شعاً                    فقد أمن الملامة والندامةْ

وما هرقوه عند منَى يبارى                   بحريته بها ماءَ الغمامهْ

وأحجار قذفن تقىً وبراً                            كما قُذفت بإصبعها القلامهْ

  نلاحظ هنا ، نزوع الشاعر الى اللغة المتحركة التي تستطيع أن يجعل لها موقع في تأثير الخطاب الشعري في فهم المتلقي ، وتقريب الصورة لديه . مع الحرص على النظر الى الموضوع من خلال عيني المتلقي ، لتأكيد الاثر الفني في النزعة الواضحة . ونرى في قوله :

فضل ثوابي إذا البقيعُ بقيعُ

  وطنٌ طاب جوه وثراه

      نراه يستقطب زاوية النظر على ( البقيع) بعد ان تبحث عين المتلقي عن صورة البقيع ، واقراره وطنا للحجيج بعد تغربهم عن الاوطان وبعدهم عن الاهل ، وجعله ” وطن طاب جوه وثراه” لساكنيه ، ورواده . فينزع عنهم جوّ الغربة والوحدة النفسية .

       بكى الشاعر المرتضى الأمام الحسين “عليه السلام” ، في قصائد تناثرت على طوال الديوان. في خطاب كان رثاؤه فيه موجه الى النفس ، وسؤال عن العبرات التي أسبلها ومقاساته، لشدة الزفرات ، بما مرَّ على آل البيت الكرام في كربلاء ، مما جعل صدره يضيق بالحسرات ويعود ليطالب نفسه بالبكاء المستمر بسبب تلك النوائب والدواهي والنكبات ، والمصائب ، لكي يبقى مصابهم عالقاً في ذهنه في ذلك اليوم العاشورائي الذي قضوا فيه النجباء عطاشى ، وهم قرب شاطئ الفرات ، بعد أن منعهم من الاقتراب منه قوم الظلالة من بني أمية .

ويؤكد بأنه لايمكن أن ينسى استشهاد سيد شباب أهل الجنة ، وهو ظامئ ،قتيلا مظلوماً ، والنهر يطفح بالماء بالقرب منه. يقول:

لا تبكِ إن أنت بكيت الهدى                  الا على قاصمة ِ الظهر

وابك ِ حسيناً والألى صرعوا

  أمامَه سطراً الى سطر ِ

ذاقوا الردى من بعد ما ذوقوا

   أمثالهُ بالبيض والسّمرِ

قتلٌ وأسرٌ بأبي منكمُ

    من نيل بالقتل وبالأسرِ

فقل لقوم ٍ جئتهم دارهم

     على مواعيد ٍ من النصر

  في المقطوعة السابقة ، البيت الثاني هو المعول عليه في النص ، وهو بيت القصيد الذي عليه  تدور عليه طاولة البحث ، حيث أهل البيت “عليه السلام” هم هداة الأمة بعد الرسول “صلى الله عليه وآله ” ، وهم حملة سنته الحقيقيون ، بلا منازع وأهل الكرامات على الأرض . ومن خلال تناوله لهذه الفاجعة الاليمة ، يظهر توظيفه للمكان المقدس ، واظهاره لجغرافية هذا المكان . نجد البلاغة الفنية متجسدة في النص ، فالبديع الرفيع ينساب فيه أنسيابا ً ، مما أضفى عليه شيئاً من الزخرفة والتلوين بين طباق وجناس ، فمن الطباق :(بالبيض والسمر) ،فالبيض والسمر متضادان في المعنى ويتعاونان او يرمزان في ايضاح ألة القتل وصنوفها التي استعملت في الحرب مع الأمام الحسين . كذلك هناك من الجناس الموظف في مكانه المبين لمعناه في قوله : ( ذاقوا – ماذاقوا ، أبك –  لا تبك – بكيت) ، وهذا الامر متعلق بأحاسيسه ، وبحزنه على أهل بيته ، جاعلا ذلك مقدمة للحزن العام الحقيقي ، لأحزان الدين الحنيف وليدخل من خلاله الى بؤرة الحدث المؤلم ، المتمثل بقتل أهل البيت ، بحادثة الطف ، وقد قُطعت الرؤوس والاجساد ، وغرت بالتراب . اذ قال:

لأباة دمهم سا

      ل على الأرض غريفا

رفع الرأس على عا

  لي القنا يحكي الوميضا

وانثنى الجسم لجُرد ال

  خيل بالعدو رضيضا

حاش لي أن أتخلى

   منهم او أستعيضا

فسقى الله قبوراً

   لهم العذب الغضيضا

وأبت إلا ثرى الأ

     ضر والروض الأريضا

       فمفردة القبر وظفت هنا كرمز للاشارة بالمكان المقدس ، الذي يمثل قدسيته من خلال من وري فيه ،لينال القدسية مكانا ، بقدسية ساكنه .

      وفي أشارة ايضا للمكان المقدس الذي نال القدسية من قدسية ومكانة اهل البيت عليه السلام ، الذين سكنوا تلك الديار . قوله :

سائل يثرب هل ثوى الركبُ                    ام دون مثواهم به السهب ُ

ولقد كتمتهم ُ هواي بهم                        والحبّ داءٌ كظمه صعب ُ

    وفي ابيات من نص آخر يمتطي الشاعر لسانه البليغ , ليرسم صورة ملونة بديعة من المجاز البياني , حيث تحدث عن الظلم والجور الذي لحق بأهل البيت , وما لحق بهم من تشريد ونفي . اذ قال :

فقل للأكارم من هاشم ٍ                           ومن حل من غالب  في الثرى

ردوها المريرة طول الحياة               وكم وارد كدرا ً ما انروى

وشقوا القلوب مكان الجيوب             وجزوا مكان الشعور الطلى

وحلوا الحبا فعلى رزئه ِ                    كرام الملائك حلوا الحُبا

الى ان يقول :

وخلّ الأسى فالمحل الذي                     جثمت به ليس فيه أسى

فإما مضى جبلٌ وانقضى                  فمنك لنا حبلٌ قد رسا

وإما فجعنا ببدر التمام                     فقد بقيت منك شمسُ الضحى

وإن فاتنا منهُ ليث ُ العرين                   فقد حاطنا منك ليث الشرى

واعجب ما نالنا أنَّنا                          حُرمنا المُنى وبلغنا المنى

………….

وياركنا دعدته الخطوب ُ                   لنا بعد فقدك ركنٌ ثوى

ويا خالداً في جنان النعيم                   لنا خالدٌ في جنان الدّنا

    فالشاعر يأسى على الشموس التي  ظُلمت ووريت التراب , الا ان قُدس المكان وواصبح قبلة للمؤمنين والمحبين . وقد تمكن الشاعر من أختيار الألفاظه وعباراته (فقل للاكارم ….) فجعل نصوصه خضبة , متعددة الرؤى , ملقية في ضمير القارئ حالة الحزن والكدر على اهل البيت وما جرى عليهم . وأعطى هذه النصوص إيجابية فنية ملموسة , من خلال دلالة وإيحاء المفردة المختارة .

وفي ذكره لمدينته ( الكاظمية)  , قال المرتضى  :

واقدام ٍ يطفن َ على أشم ّ                  يُطلن , وقد علقن به , استلامهْ

لقد فضل القبائل آل موسى

   كما فضلن على العطب ِ السلامهْ

هم دعموا قباب َ المجد فينا              ولولاهم لكان بلا دعامه ْ

 في النص ألتماع عاطفي واضح ، و تمثل هذه القصيدة من القصائد الرائعة التي قالها  المرتضى بحق أهل البيت عليهم السلام .

يتميز هيكل القصيدة , بموسيقى خارجية يتمثل وزناً واحداً , يعطي روحية الشعر ، وأنغامه المتلاحقة المؤحدة .

اما المتوازيات الداخلية للعبارات , هي تمثل ايضا موسيقى داخلية وظفت لاكتمال الصورة الشعرية التي وجهتها كاميرا المبدع جهة  للقارئ , لتحدث فيه حضورها الفاعل, وتصعد من الفعل الشعري , لتملأ الأسماع نشوة , وتهز القلوب طرباً .

  من هنا نتبين شاعرية المرتضى , وبروز عاطفته الفياضة على بؤرة النصوص من عبر ظلال الالفاظ والكلمات , والموسيقى الشعرية , والقيم الفنية التي جعلت الديوان مشرقاً بمبناه ومعناه .