إتحاد الإذاعيين يفعّل نشاطات نادي السينما والناس
عرض شريط حاصد جوائز الأوسكار
وسام قصي
شهدت قاعة اتحاد الإذاعيين والتلفزيونيين في الصالحية، السبت الماضي، عرضاً سينمائياً لفيلم العائد إخراج اليخاندرو غوانزاليس ايناريتو وبطولة الممثل الشهير ليوناردو دي كابريو، وتوم هاردي وويل بولتر ودومينال غليسون، وتزامن العرض مع تأسيس نادي السينما والناس بإدارة المخرج حسين السلمان؛ ليكون تقليداً سينمائيا خاصاً في عرض أفلام مهمة ومنتقاة في الوسط السينمائي.
وأصرّ مخرج فيلم العائد إيناريتو على تصوير الفيلم في الأماكن الطبيعية، أي في الغابات والسهول والجبال التي تغطيها الثلوج، مصوراً المشاهد التي تدور في المناطق الطبيعية خارج مستعمرات الغرب الأميركي في عشرينات القرن التاسع عشر، أي زمن الاكتشاف والمغامرة والرغبة في تحقيق الثراء عن طريق صيد الحيوانات والحصول على الفراء الثمينة، فقد أنجز مشروعه الكبير (العائد) بميزانية تجاوزت 160 مليون دولار. من ناحية الرؤية الفنية للفيلم فقد استطاعت أن تصوغ وعياً جديداً ضمن ما بات يعرف بفئة أفلام الغرب الأمريكي، حيث نلاحظ شكلاً من الانزياح الواضح عن الطبيعة الجغرافية التي بدت في الفيلم غير مألوفة، أو كما اعتدنا عليها في أفلام الويسترن التي تنهض على نمط يعكس الحياة الأمريكية التي تتمثل بنماذج رعاة البقر في تكساس، وغير ذلك. ومما يدخل في باب الانحراف عن نمطية الاستهلاك الصورة البصرية، والذهنية للغرب الأمريكي سينمائياً، فأجواء فيلم (العائد)، تنهض على مشاهد شديدة التعبير عن قسوة الطبيعة، ولا رحمتها حيث تدور معظم الأحداث في فصل الشتاء، ومشاهد الثلوج البيضاء، والبرد الشديد، فالطبيعة هنا تمثل تكويناً دلالياً، إذ أذكت مشاعر الاكتئاب والفراغ والقسوة، غير أن هذا جاء ضمن سرد، أو إيقاع بطيء، متوتر، فتلك المشاهد القائمة على حضور الإنسان في الطبيعة بتكوينها البدائي والخام، كما الألوان الباردة التي نجحت في تكوين حالة تلق خاصة، نظراً لسعة المشاهد البصرية التي ترتكز على مواقع الكاميرا كي توحي، وتنقل للمشاهد الضياع والتلاشي، كما فقدان الأمل، وتحديداً حضور الموت في صورة تحتمل الكثير من التطرف، بالتوازي مع تجسيد قيم التنازع البيئي والعرقي، وذلك بين عناصر عدة، فالصراع في الفيلم يتبدى بأكثر من مستوى، منها الطبيعة والإنسان. وقصة الفيلم مأخوذة جزئيا من رواية مايكل بونكي التي صدرت عام 2002 والتي تعتمد بدورها على شخصية حقيقية هي شخصية هيو غلاس، و يقوم بالدور( ليوناردو ديكابريو) صائد الحيوانات الذي يعمل لحساب شركة أميركية متخصصة في تجارة الفراء، والذي يقود مجموعة من زملائه، لاكتشاف الأماكن الجديدة وسط الغابات القريبة من نهر ميسوري في الغرب الأميركي، مما يعرض تلك البعثة لمواجهات عنيفة مع السكان الأصليين كما نشاهد في المشاهد الأولى المؤثرة من الفيلم. يضل هيو غلاس طريقه بعد أن يبتعد عن جماعته داخل الغابة، ليجد نفسه أمام دب عملاق يهاجمه بوحشية، ويدور صراع ضار بينهما، ينتهي بأن يقتل غلاس الدب، ولكن بعد أن يكون قد أصيب إصابات خطيرة تعجزه عن الحركة والكلام. يعثر زملاؤه عليه، ويلحق به ابنه من زوجته التي نعرف أنه فقدها بعد أن قتلها رجال البعثات الاستكشافية لكونها من السكان الأصليين، وينقلونه إلى حيث يمكن تضميد جراحه، لكنه يبدو مشرفا على الموت. ويكلف زعيم المجموعة اثنين هما جون فيتزجيرالد (توم هاردي) والشاب جيم برديجر (ويل بولتر) بالبقاء مع غلاس، مقابل مبلغ من المال، لكي يقوما بدفنه بعد وفاته المرتقبة، بينما تغادر المجموعة المنطقة ويتفرق أفرادها لأجل النجاة من السكان الأصليين الذين يعتبرونهم لصوصا، سرقوا أرضهم وخيولهم ودمروا مستعمراتهم. لقد نجا غلاس من غضب الحيوان لكنه دفع ثمن الحقد المخيف الذي ينهش قلب زميله الإنسان، فيتزجيرالد الشرس الذي قتل الابن، ثم يدفن غلاس رغم أنه مازال حيا، ويهرب مع بريدجز مهددا إياه بالقتل إذا خالف تعليماته. يتمكن غلاس من التغلب على بعض جروحه، ويتحامل على نفسه ويزحف ببطء، بعد أن يستر جسده بجلد دب من تلك الجلود التي تركها زملاؤه وراءهم، ومنذ تلك اللحظة نتابع رحلة غلاس الشاقة من أجل الخلاص، أو النجاة من المصير المأساوي، ثم الانتقام ممن كان وراء مأساته المركبة. خلال الطريق، الذي يتدرج من الغابات إلى الأنهار والسهول التي تغطيها الثلوج، في درجة حرارة تحت درجة التجمد، يلتقي غلاس بزعيم قبيلة من السكان الأصليين يبحث عن ابنته التي اختطفتها جماعة من المستكشفين الفرنسيين الذين يعسكرون في الغابة، يساعده الرجل على تضميد جراحه باستخدام وسائل الطب الطبيعية، ثم يتركه مواصلاً مقاومته الشديدة لما حلّ به، ويواصل رحلته نحو النهاية الدامية، عندما يتمكن أخيراً من تحقيق انتقامه. والفيلم لم يخل من المفاجأت أبرزها بالطبع مشهد تلك المعركة الشرسة بين غلاس والدب الضخم الذي يهاجمه، وهو مشهد يستغرق خمس دقائق كاملة على الشاشة، بالرغم من أن الخط الروائي في الفيلم بسيط، فليست هناك تعقيدات درامية وشخصيات متعددة. ويبدأ المشهد بغلاس في الغابة بعد أن ابتعد عن رفاقه، يبحث عن صيد بين الدببة الكثيرة المنتشرة في المنطقة، وتدور الكاميرا معه 360 درجة، وهو يرصد الدب بالقرب منه، ثم يصوب بندقيته نحوه، إلاّ أن الدب يهاجمه ويسقطه أرضا وينهش لحمه ويغرز أنيابه في جسده، بينما يحاول غلاس المقاومة، ثم يقفز الدب فوق جسده تماما، وتستمر هذه اللقطة- المشهد لمدة 5 دقائق، دون قطع، ينتقل خلالها المصور من الأحجام العامة إلى المتوسطة ثم القريبة والقريبة جدا، في إيقاع شديد الحيوية ومشهد غير مسبوق في السينما، يجسّد فيه الصراع الأزلي بين الإنسان والحيوان. وفي مشهد أخر لم يخلو من عنصر المفاجأة يتمكن غلاس من سرقة حصان من رجال البعثة الفرنسية، يهرب به فيتعقبونه، وفجأة يسقط الحصان من فوق ربوة جبلية في أسفل هوة عميقة، وبذلك ينجو غلاس من مطارديه بعد أن يسقط فوق كتلة من الجليد، بينما يُقتل الحصان على الفور بعد أن يرتطم بالأرض. و الفيلم لم يخل من الجماليات ففي أحد أجمل مشاهده، الليلية، تحت الجليد ومع بلوغ درجات الحرارة حدّها الأدنى، يشق غلاس بسكينه بطن الحصان الميت (نرى اللقطة من الطرف الآخر من جسد الحصان)، ثم يدخل يده داخل جوف جسد الحصان لينتزع أحشاءه الداخلية ويلقي بها خارج الجثة، ثم يدخل بجسده كله داخل جلد الحصان ليرقد محتميا من شدة البرد. ومن جماليات الفيلم أيضاً قدرة مخرجه على تصوير العالم تصويرا يجعلنا كأننا نتعرف عليه للمرة الأولى، الأرض والسماء، الأنهار والجبال والسهول والحيوانات والطيور، إنها رحلة الإنسان نحو المعرفة، والثمن الذي يتعين عليه أن يدفعه بسبب اعتدائه الفظ على الطبيعة والحيوانات وعلى السكان الأصليين. وكما عمد المخرج إلى تجريد المكان ليمنحنا إحساسا بأننا نشاهد بدايات الخلق، مصوراً بحساسية نــادرة عــلاقــة الإنسان بالطبيعة وبالحيوان وبأخيه الإنسان، في الصراع الدائم بين الخير والشر، مصوراً رغبته التي لا تهدأ في الانتقام، مبرزاً أقوى غرائز الإنسان التي غرسها الله فيه، غريزة حب البقاء، أي إصراره المدهش على النجاة. بطل الفيلم ليوناردو دي كابريو استطاع أن يجسد الشخصية بنجاح عبر تضافر عدة عوامل، منها رؤية إخراجية متميزة، وسيناريو متقن لغوياً وبصرياً، وأداء مبهر، حيث نلمح أن مشاهد الصمت في الفيلم لعبت دوراً كبيراً، حيث تقدمت الصورة والحدث الممزوج بالتأمل، والترقب في ظل قسوة الطبيعة، ونتائج الحدث، فالملاحظ أن ليوناردو أو هوك لم يتحدث في هذا الفيلم كثيراً، فليس ثمة حوارات مجانية، إنما كان هنالك تراجع واضح لمستوى الحوار بوصفه لازمة سينمائية، فالصمت في هذا الفيلم كان له الحضور الأبرز، إذ أتاح مجالاً للتفكر، كما التأمل البصري، ولاسيما، ونحن نتابع ت وجه هوك متلمسين مقدار الألم الذي يجتاحه، بل إن الحوارات جاء جزء كبير منها بلغة السكان الأصليين، لبيان القيمة الخاصة لهذه الحضارة. ويقول الناقد والمخرج السينمائي الدكتور حسين السلمان، يأتي العائد، بوصفه من الأفلام المرشحة لنيل العديد من الجوائز، ومنها جائزة أفضل ممثل، حيث رشح لها باقتدار الممثل الأمريكي ليوناردو دي كابريو، الذي استطاع أن يلعب دوراً غير نمطي انطلاقاً من الرؤية التي ينتهجها هذا الممثل بدءاً من فيلمه الأشهر “تيتانك”، عندما سعى لتجسيد أدوار مختلفة في معظم أفلامه، من حيث التوصيف والشكل، ومنها دوره في هذا الفيلم ، ولكن برؤية المخرج المكسيكي أليخاندرو غونزاليز إيناريتو، الذي أخرج ستة أفلام، رشح بعض منها لجوائز الأوسكار. وأوضح السلمان : إنّ مخرج فيلم العائد عمد إلى أن يبدأ معظم مشاهد الفيلم، بلقطة عامة من زاوية منخفضة تتطلع إلى أشجار الغابة التي تشكل تكوينات بصرية مدهشة في تآلفها وتعانقها معا وإحاطتها بقلب اللقطة، أو إلى السماء الزرقاء التي تتحرك فيها السحب البيضاء، ثم يحرك الكاميرا تدريجيا إلى أسفل ليتابع حركة الأشخاص أو انتقالات بطل الفيلم في المكان، مضيفاً: كثيرا ما يستخدم المخرج الحركة الدائرية للكاميرا في لقطات محسوبة جيداً، ليس فقط من أجل الإحاطة بالمكان، بل لتأكيد الإحساس بالخطر، وبالمفاجآت التي يمكن أن تبرز فجأة، وإدراك السيطرة المطلقة للطبيعة وهيمنتها على الإنسان، ولتجسيد الإحساس بالحصار الخانق الذي يواجهه البطل خلال رحلته نحو النجاة، إذ يستعين تارة بتناول قطعة من لحم حيوان نافق، أو استخراج البعض من الأعشاب الطرية طورا، فيمضغها في لهفة لكي تمنحه شيئا من الطاقة التي تكفل له مواصلة طريقه. وأشار السلمان إلى البنية التشكيلية في فيلم “العائد” هي الأكثر بقاء في الذاكرة، وتظل فكرة النجاة وحب البقاء مرتبطة بأداء ليوناردو ديكابريو في هذا الفيلم الذي تجاوز كثيرا فيلم “الخلاص” لبورمان في مناظره الطبيعية، ورغم اختلافه الواضح عن أفلام إيناريتو السابقة التي منحته شهرته العالمية، إلاّ أنه سيظل دون شك، المغامرة الأكبر في تاريخ هذا السينمائي الكبير. بدوره ذكر المخرج الاكاديمي الدكتور صالح الصحن” إنّ ما أرادت به فلسفة الفيلم أن تحملها عبر ساعتين ونصف من النكهة السينمائية المشوقة والمشحونة بالنسيج الدرامي المثير…، وفيلم العائد يستحق الأعجاب والتقدير بفعل إجادة الصنعة البصرية المتقنة باختيار القصة التي بنيت من نص بصري محكم بنسيج سردي يحتمل التنقل والتوقف والتواصل والدوران في خضم حكاية مرئية تحمل صراعاً واشتباكاً ومتغيرات”. وأضاف الصحن:” إنّ النص يتبنى هموم سكان يعيشون حياة قاسية في بيئة خاصة صعبة المراس يلاقون صراعا في تنقلاتهم المتبادلة بين الغابات والثلوج والجبال والوديان والمياه، وطريقة معيشتهم المرتبطة ببيئتهم، ويمكن الإشارة إلى البراعة التي يمتلكها المخرج في خلق شخصية غلاس القاسية العنيفة المتحدية بعيداً عن الرومانسية التي رافقت دور دي كابريو في فيلم تيتانك والتي يلعب فيها دور تقنية المكياج لتغيير ملامح الشخصية وما أصابها من جروح وتشوهات وبما دفعه إلى التسلق على الجبال والتدحرج على السفوح والسباحة في المياه المتجمدة دون اللجوء إلى المؤثرات والخدع أحيانا . أما اختيارات المخرج لاماكن ومواقع التصوير، أوضح الصحن، إنّ الفيلم حقق الدهشة المثيرة بحجم وسعة تصميم لقطاته الطويلة والواسعة لفضاءات ذات تكوينات لا تخلو من الإبهار والإعجاب والتعبير عن أهمية وقيمة المكان في حياة الشعوب كمشاهد الغابات وسلسلة الأشجار العالية المتناسقة في الاستقامة والجبال والمسطحات المائية وظروف البيئة القاسية والثلوج ، مبيناً:”ولكثرة سيادة وبهاء لقطات المكان نستطيع نحن كمشاهدين أن نتلذذ به وكانه جزء من الشخصيات الفاعلة في الفيلم” . واردف الصحن بالقول:” إنّ فيلم العائد إدارة محترفة في توزيع أدوار الممثلين مع بيان السمات المختلفة لشخصياتهم، مع إدارة عالية في صناعة مشاهد المعارك والشجارات التي ازمت الصراع في الفيلم اعتمادا على اللقطات الحقيقية وتناغمها مع بعض الإضافات المركبة بصرياً عبر منظومة المؤثرات البصرية والسمعية”، موضحاً:” في فيلم العائد مشاهد كثيرة جديرة بالانتباه صممت باحتراف عال في الشكل والمضمون حملت تدفقاً نابضاً لحبكة الفيلم التي حافظت على الإيقاع واستمرارية الأحداث دون ترهل”. فيما ذكر المخرج الدكتور علي حنون:” إنّ فيلم العائد كبير بصنعته وملحمي بالرغم من عدم احتوائه على مجاميع كبيرة، ولكنه يحمل السمات الملحمية، فلفيلم صور بظروف صعبة حتى شاهدنا انه نقل لنا صعوبة وقسوة المناخ الذي صور فيه، والمكان الذي دارات فيه أحداث الفيلم”، قائلاً:” إنّ بطل الفيلم كان ملحمياً بأدائه، وانا أتصور بأن هذا الفيلم بعد ترشيحه ل12 جائزة أوسكار سيحصد جائزة أو اثنين على أحسن حال، ليستحق أن يكون إفتتاح لنادي السينما والناس، فقد خطونا خطوة وعلى الرغم من إنّ الحضور لم يكن بمستوى الطموح، ولكن نامل أنّ يرتقي هذا المكان إلى مستوى أن يحضر إلى قاعة العرض جمهور كبير وفي الأسابيع القادمة سنحرص على تنوع التجربة من سينما أمريكية، وفرنسية، وروسية، مثنياً على الجهود التي بذلها الدكتور حسين السلمان؛ لإنجاح هذه الفعالية “.























