أطلس عزران البغدادي يقدّم نفسه في رواية تداخل وصراع بين الواقع والخيال
عبد الحسن علي الغرابي
آخر منجز للمؤلف الروائي خضير فليح الزيدي رواية مصورة صادرة من دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر – كتاب أنيق يحتوي على 244 صفحة حجم متوسط ، صورة الغلاف لوحة فنية لشناشيل بغداد على صفحة الغلاف الأخيرة ” في أول الليل ، كانوا جماعات من شمع ،وعلى حافة صعود سلّم الحب تعثروا .. ومع أول إشراقة للشمس هبطوا ذائبين أنساقاً متشابهة .. موغلين فرحين ، أنهم اليوم يهزجون بحماس فوق سلّم الكراهية .. – عزران – “- نخاف أن نقع في الغلو وإطلاق الكلام حين نقرر أن هذه الرواية بموضوعها تعد من بين أروع الروايات العراقية الحديثة وأبعدها مغزى ، ذلك أن موضوع ” عزران البغدادي ” يمكن أن نقول أجمل موضوع في حقبة تاريخية عاشها العراق وبالأخص العاصمة بغداد ، أيام ما بعد الاحتلال ، أستمد الكاتب مادته من الأحداث الواقعية الحقيقة ، فكان شديد الحساسية ، غير أن حساسية متوافقة مع انتمائه وحبه للوطن ، يأخذك الروائي ، ويقف بك عن فترة عاصفة صاخبة عاشها العراقي ، في الانفلات الأمني والفوضى ، تشعر أنها كتبت له ، ويكاد يجد نفسه في كل سطر من سطوره ، ليوحي أن هذا هو الفن الذي يأخذ مادته من أعماق النفس ، ونبضات القلب ، وأغوار الحياة ، لما أمتلك الكاتب من قدرة على التعبير الصادق عما شهد وأحس حين تناول قلمه ليسجل انعكاسا من الحياة على الشعور ، وتلك أشياء يلمسها ألقارئ في الصراع القائم على دعامتين ، الواقع والخيال ، أي انه يغرق أبطال روايته ، في خضم الصراع الفكري الذي تتجاذبهم فيه أمواج الواقع من هنا ، وأمواج الحقيقة من هناك ، كما أن الصراع بين الواقع والخيال ، قد يبدو الخيال لبعض القراء ضرباً من الحقيقة ، أن ما يلفت ألنظر ، وهذا هو الأهم ، ترى الأحداث الساخنة المريرة المشحونة بالخوف والرعب التي يعيشها ألمواطن في أحياء وشوارع بغداد ، هي نفس التجربة التي صورها المؤلف بقلمه لقلب ” نورا ” ورسائلها الفضائية حين خاض هذا المعترك على جسر النوارس ، ليرسم صورة حب بين “سامر ونورا” للمسة في فنه تأتي من الذهن لا من النفس ، والانفعال في فنه الروائي يصدر من أطالة ألتأمل لا من جيشان العاطفة ، وهناك موهبة أخرى ، هي موهبة الحوار ، فهو يدير دفة الحوار بمهارة فائقة ، ومن جهة أخرى ، يثير المؤلف ضمن أطار متماسك ، سلسلة من القضايا الوطنية والاجتماعية التي لا تزال قائمة ، فهو يعالج قضية الوطن المعالجة التي يتبناها اليوم الشباب العراقي المثقف ، الذي هو مناط الأمل في النهوض والتقدم ..( – اول ايضاح عن شخصية عزران ” خطّو على أبواب المحال أو ألصقوا قطعا إعلانية صغيرة على زجاج السيارات ” عزران لا دين له .. أو من عزران الى عزران .. العراق واحد .. أو عزران سنة وشيعة هذا البلد ما نبيعه .. ص 13 ) وهناك أشارة للراوي في ختام روايته .. عزران هو السلطة السرية التي تتحكم في سير الأحداث .. لا سلطة فوق سلطته ، وبغض النظر لوجوده الفعلي من عدمه .. تعطلت الحياة بعد أثارة الفتنة الطائفية التي حملتها دبابة المحتل مغلفة بديمقراطية الفوضى لتمزق لحمة النسيج الاجتماعي وتخلق تناحر بين أطياف المجتمع العراقي ، كانت هي الفرصة التي تبدد صف مقاومة الشعب لطرد الغزاة .. كان الكاتب بنظرته الثاقبة يرصد ما يدور حوله ويوثق بقلمه تلك ألحوادث الدامية ويصورها بدقة .. في ص 35 ” المؤلف يكتب عزران يرسم المصائر .. يوم 5 \11 . كانت سماء مدينة بغداد ملبدة بطبقة ثقيلة من غبار أسود كذّابي وبعض غيوم رمادية أخرى ضاحكة تحوم كغربان لحمية شبحية تطير من دون ريش فوق رؤوس الناس الهائجة ، بدت الطيور منزوعة الريش مثل فقمات طائرة …” صور وحوادث تتكرر في مدينة على فوهة بركان مضطرم نيران ودخان ودماء وأشلاء تتناثر إن روايته كلها ملأى بمثل هذه المواقف والدقائق المؤثرة والواقع أنه يملك القدرة الفذّة على أن يجعلها تنسجم مع مختلف ذبذبات العواطف لدى أبطاله ، ويهز جواً حقيقياً لا تصّنع فيه ، فحرب الطوائف يدمر ويقتل كل شيء ويحدث شروخ وتشويه للنسيج الاجتماعي ، ص 32 – نورا – بطلت الرواية وقعت في حب زميل العمل سامر .. ” نورا تقول سامر شاب من منطقة شارع فلسطين الشيعية شرق بغداد .. لم يختر ذلك بمشيئته ، مثلما أنا سنيّة ولم أختر طائفتي بمحض أرادتي ، ألقدر وحده هو الذي اختار لنا طائفتين متعاكستين لا تلتقيان في زمن احتراب الطوائف …” الروائي وضع بذور الحب في تربة خصبة إلا أنها لم يهطل عليها غيثاً في موسم الدم والتناحر الطائفي ، وضع أسوار وحواجز سمنتية تفصل الحياة والحب ، يختفي سامر الحبيب ويهجر البلد ، وينطوي في عزلة بعد أن كان يشم في كل شيء رائحة الموت ، الموت الكريه البشع الذي يتراءى حوله للأحياء في الليالي السود ، ويلف الآمال في أكفانه ، ويهيل على جمال الحياة أكوام التراب ، يبتعد بغربة الوحدة في الظلام ، ظلام الأماني التي انطوت ، والحب الذي ذهب الى غير رجعة .
– في ص107 – ” نورا – سامر أنا من عائلة سنية هل تعرف هذا ؟
– نعم .. أعرف بل تجاوزت هذا الشيء المخيف من أول لحظة .. أنا وعائلتي لا تهمنا الطائفة مطلقا .. لا لا أطيق الحديث بهذا الموضوع نورا ..الحب ينأى بنفسه عن مستنقع الطوائف .. أختي مثلاً متزوجة من رجل من أبناء السنة ولا مشكلة في ذلك مطلقاً .. هل تعلمين أن العراقيين عندما يتجاوزون الحدود تتلاشى لديهم حدود الطوائف ؟ ” أن هذه الرواية بمجملها من صميم الواقع ، يسير بك المؤلف في مآس وفواجع نكبة شعب عاش ظروفا عصيبة من خراب وتدمير وقتل بعد أن أصيب بفايروس الفتنة الطائفية ، والحق أن هذه الرواية تستحق وبجدارة اهتمام النقاد والقراء بما تفيض صفحاتها من أراء قيّمة في شتى شؤون الحياة فقد قسمها الكاتب الى عدة فصول من – 1 – الى 26 فصل حيث أضاف بهذا المنجز ثروة وافرة أخرى الى ثرواته السابقة .























