سعدي يوسف في دراسة أكاديمية تونسية
شاعر يرسم العالم بخطوط العرض لا الطول
لزهر الحشاني
صدرت خلال شهر تشرين الثاني المنقضي عن دار القلم للنشر والتوزيع بتونس الطبعة الاولى من كتاب بعنوان ” الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف من خلال بعيدا عن السماء الأولى ” يقع على 156 صفحة من القطع المتوسط للكاتب والشاعر جمال قصودة ، هو بحث أكاديمي جامعي نال من خلاله شهادة الأستاذية في التنشيط الشبابي و الثقافي و أشرفت على تأطيره الأستاذة سميرة السلامي و ناقشه الدكتور رشيد القرقوري و توجّه بملاحظة حسن جدّا.
يعتبر هذا البحث المنجز سنة 2006 من أوّل الدراسات الأدبية و الجامعية في تونس حول تجربة سعدي يوسف باعتبار أن تجربة هذا الأخير كما اكد الكاتب هي الغابة التي حجبتها شجرة محمود درويش ، فلم يحظ سعدي يوسف باهتمام النقاد المحليين إلا بعد وفاته بالاضافة لمشقة البحث عن المراجع نطرا لقلتها و ندرتها في تونس ..عن هذا الاثر وتجربته الشعرية والابداعية فضلا عن راهن وافق الثقافة التونسية بعد خمس سنوات “ثورة”، كان الحوار التالي مع المبدع جمال قصودة:
بداية هل لك أن تعرفنا على جمال قصودة كشخص ، و كشاعر وباحث؟
: شاعر تونسي شاب من جزيرة الاحلام جربة بتونس ومدير لدار الشباب بمنطقة سدويكش , يكتب قصيدة التفعيلة و الشعر الشعبي, حيث كانت البداية مع الشعر الشعبي او لنقل كانت محاكاة لما سمعته من جدي الشاعر علي التواتي .. انتبهت في تلك المرحلة الى دور البيئة و المكان في نحت التجربة الشعرية بل اعتبر المكان قادحا شعوريا للابداع هذا ما يفسر حسب رأيي خروج المتنبي الي البادية (في رحلة التبدي) لتعلم اصول اللغة العربية و ما يفسر كذلك زخم و ثراء تجربة سعدي يوسف المسكون بالتفاصيل اليومية و الامكنة فكان انتقال واع إلى قصيدة التفيعلة .. شاركت في الامسيات الشعرية والمهرجانات التي تعنى بأدب الشباب في كامل تراب الجمهورية التونسية ، كما نشرت قصائدي في عديد الصحف والمجلات المحلية والعربية و المنتديات الالكترونية التي تعنى بالادب ،هذا بالاضافة لكوني مدون و مطور منتديات و مدير مؤسس لمنتدى اوليس الادبي الذي تحول مؤخرا الى موقع ثقافي فكري ” أنتلجنسيا”.
اين يتنزل بحثك و من خلاله اصدارك الجديد “الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف من خلال بعيدا عن السماء الاولى” ؟
لم يزل للشعر دور رغم تشتت القبائل التي كانت فيما مضى تعد الذبائح لمولد شاعر جديد،واليوم انخرطت في مقتضى الضرورة حينما لامست سنام الحضارة،لكنها ما تنكرت يوما لتاريخها الأدبي الذي كان الشعر نتاجه الأول،وفي المقابل لم يتنكر الشاعر رغم الحداثة إلى قضايا الأمة وحافظ على مهمته التاريخية وهي الدفاع عن حصون الحضارة وقضايا الشعب ولقد مثل المنفى بتأثيراته الجانبية على الإنسان العربي قضية القرن العشرين ولا سيما إن كان المنفي شاعرا ذا مواقف وتجربة ثرية مثل سعدي يوسف ولعل بحثنا يتنزل في هذا الإطار ،فهو محاولة لاستجلاء تأثير الغربة والحنين للوطن على نفسية الشاعر المنفي وفي تشكيل معالم تجربة شعرية متفردة . سعدي يوسف شاعر له حضوره الفاعل في المشهد الشعري العربي، فهو المدافع عن عالم طاهر ،وهو الفنان التشكيلي الوحيد الذي رسم العالم وفقا لخطوط العرض لا الطول ،اذ حاول تعرية الشبكة السببية للواقع المحكوم بالتناقض ولم يطرد المهمشين والمبعدين والبغايا والفقراء البائسين من عتباته بل كان لهم مكان في جمهوريته الفاضلة .ويعود هذا الاهتمام إلى التزام الشاعر بالمنزع الواقعي مما جعل همه الوحيد إعادة تشكيل الواقع جماليا بهدف تجاوز التناقض عبر السعي إلى التغيير والثورة على السائد والمألوف فسعدي يوسف يسعى إلى إحداث رجّة لدى المتلقي لدفعه إلى الفعل التغييري لذلك كان دائم الحضور داخل الأزمة و المعاناة..لماذا خيرت ان يكون اصدارك الاول كتابا نقديا خاصة وانك راكمت تجارب شعرية غنية ومميزة ؟ لأهمية الدراسة الأدبية ولقلّة السالكين لدرب النقد الأدبي في تونس و لجدّة المبحث خيّرت إصدار كتاب” الغربة و الحنين لوطن في شعر سعدي يوسف ”.. كنت اتمنى أن يكون إصدارنا البكر إصدارا شعريا خاصة مع توفر مخطوطين شعريّين على الأقلّ في انتظار الطبع ، مخطوطي الشعريّ البكر ” عبور إلى ضفّة المعنى ” الفائز بالجائزة المغاربية الثانية منذ سنة 2009 وهو جاهز للطبع ، قد يرى النور قريبا بالاضافة لمخطوط شعري ثان يضمّ قصائد شعبية و غنائية ..
عبور إلى ضفة المعنى
على مرتقى البوح كنا
رسمنا صراط العبور إلى ضفة
في أقاصي القصيد
لكي لا تمر القوافل عطشى
فذا الماء في هدأة الموت ينساب رهن مشيئتك
فارحل مع الراحلين إلى مدن الاحضور
ستهمي عليك نجوم القصيدة
نجما… فنجما
لتدرك أن النهار قريب
وتعلم إني هممت بها
حين راودني في شعاب الخطيئة شوق
تسمر بيني وبين الحقيقة
لولا السقوط
لكنت حديت لها الروح منتصبا
فتلك النخيل إذا ما تهاوت
بقلبي تقيم
فمن مبلغ دجلة الخير أن الضفاف ضفافي
واني بوادي الكلام أهيم
*** سنمضي بعيدا من “الكرخ”
حتى “الرصافة”
حتى انتشاء المريد
وتوقظك المقصلة
أفقت أخيرا قبيل القصاص من الوجد
إذ يعتريك إليها
وناديت فينا :أفيضوا عليهم مياه الاراضين
حتى يحين لعبور..
بادرت مؤخرا الى انشاء موقع ثقافي فكري ” أنتلجنسيا” للثقافة و الفكر الحرّ، فما هي أهدافه ؟
هو موقع جامع يضم مكتبة صوتية من ارشيف منتدى “اوليس الادبي” الذي شكل أهم المنتديات الأدبية في تونس و العالم العربي لكن توقف إثر الانتفاضة الاولى لأسباب مالية بحتة ..تضم المكتبة تسجيلات صوتية نادرة لأهم المبدعين العرب ، وموقع ” أنتلجنسيا للثقافة و الفكر الحرّ” مفتوح امام جميع المبدعين العرب في مختلف المجالات ويسهم في انتشارهم و التعريف بهم بالاضافة الى توطيد الصلة مع مثقفين عضويين فاعلين في تارخينا العربي..
اليوم وبعد خمس سنوات “ثورة”، كيف تقيم راهن ومتستقبل الثقافة في تونس ؟
إن المتتبع للمشهد الثقافي ما بعد 14 جانفي 2011 يلحظ زخما ثقافيا ذا طابع ثوري، انطلق في بدايته ثم انحصر وتراجع لنعيش على وقع بعض المبادرات الشخصية تقريبا خاصة بعد انتخابات المجلس الوطني التاسيسي في 23 اكتوبر 2011 ليتغيّر المشهد مرة اخرى و في ظل غياب كلّي لاي سياسة ثقافيّة ، للحكومات المتعاقبة بعد “الثورة” التي لم تحمل أي مشروع ثقافي ولم تنفذ أي سياسة ثقافية وهذا ينطبق ايضا على باقي السياسات ، غياب المشاريع والسياسات جعل اصحاب النفوذ في الساحة الثقافية يرتّبون اوراقهم من جديد و قد عادوا لان الطبيعة تأبى الفراغ … والإرادة السياسية هي اوّلا الموكول لها دور رد الاعتبار للعمل الثقافي، و بثّ ثقافة وطنية تقطع مع المطلبية المجحفة وتقطع مع التآكل الاجتماعي و العشائرية التي طفت على السطح وتجعل مكسب الحرية مكسبا مسؤولا لان ارتدادات هذه الحرية غير المسؤولة صارت تتهدد السلم الاجتماعي ، فتحت لافتة الحرية نعيش الارهاب، وتحت لافتة الحرية ايضا نعيش العنف ونعيش قطع الطرق دون ان نبخس حق شعبنا في مطالبه المشروعة في مختلف مجالات التنمية بما فيها طبعا الثقافة.. إن الثورات التي لم تفرز قيادة سياسية ،لن تفرز قيادة ثقافية أو شعرية و هي بذلك ثورات مشوّهة…























