المترجم عباس المفرجي بكتاب جديد: الإبداع يكمن في التفاعل مع النص

المترجم عباس المفرجي بكتاب جديد: الإبداع يكمن في التفاعل مع النص

بغداد- الزمان

ينتمي عباس المفرجي المقيم في هولندا الى جيل المترجمين العراقيين الشباب الذين انصرفوا الى الترجمة الابداعية التي تنأى بنفسها عن الدوافع التجارية التي لا تقيم وزناً لجهد المترجم ولا الى الاضافات التي يمكن ان يقدمها الى القارئ الى جانب النص. كما ينتمي الى جيل المترجمين الذين انصرفوا كلياً الى هذا النمط من التواصل الثقافي مع ثقافات وابداعات العالم ورموزه، ولذلك كرس ذخيرته الى الاعمال الادبية الكبرى فقدمها للمرة الأولى الى القارئ العربي فاتحاً أمامه طريقاً نحو أفاق غير مطروقة. وما يسجل لصالحه ليس قدرته على الانتقاء المعبر عن ذائقة مثقفة حسب، بل اجتهاده في التعريف بالمفاهيم والمسميات والمصطلحات الصعبة، اذ يفرد لها هوامش وشروح اسفل متن النص. وبذلك تتزاوج الترجمة لديه مع التحقيق ليبدو نمطا فريدا من الصنعة الثقافية الجديدة. وبمناسبة صدور كتابه السابع المترجم تحاور (الزمان) المفرجي مشيرةً الى انه من مواليد 1959 وان كتابه الجديد صدر ببغداد (كما يسخر الوعي للجسد) ويسجل فيه يوميات الادبية الامريكية سوزان سونتاغ الذي سبق له ان ترجم لها كتابين اخرين قبل نحو اربع سنوات. وفيما يلي نص الحوار.

{ بعد ثمانية كتب مترجمة كيف تنظر الى رحلتك؟

–  السنوات العشر الأخيرة انصرفت بالكامل الى الترجمة… ولم تكن الأخيرة الهدف الذي سعيت اليه أو أسعى اليه… المسألة ببساطة أنني أقرأ بلغتين، ولأني مدمن على القراءة، قرأت مرة كتاب “يوميات القراءة” للكاتب الارجنتيني مانغويل فأعجبت به، وتمنيت أن يقرأه غيري، انطلاقا من عبارة جويو عندما أرى الجمال أتمنى لو أكون إثنين فقررت ترجمته وكان أول كتاب أترجمه، وزاد من حماسي أن القارئ العربي لا يعرف مانغويل، سوى من كتاب واحد هو “تاريخ القراءة” للمترجم القدير سامي شمعون، لكن هذا الكتاب لم ينتشر ولم يجعل مانغويل معروفا. ومع ترجمة هذا الكتاب قررت ترجمة مؤلفات أخرى لهذا الكاتب مثل “المكتبة في الليل” و”فن القراءة”… ومن هنا ابتدأت برحلتي مع الترجمة التي أجد فيها عالم أحبه.

{ ما الذي اختلف في ترجمة الكتاب الأول عن الأخير؟

–  الترجمة بين الكتاب الأول والأخير يحكمها الخبرة والمران … أصبحتُ أكثر حرصا على اختيار العناوين، وأكثر اهتماما بتقنياتها، فلا يكفي ترجمة النص، أي ترجمة معناه، بل فهم السياق الذي كُتِب فيه والتعبير ما أمكن عن روحه. فكل ترجمة، تتضمّن قراءة يُفسَّر فيها الموضوع ويُعاد تعريفه بتعابير من قبل المترجم، وهو في هذا، حسب مانغويل، يغتصب دور المؤلف.

{ هل ترى الترجمة عملا ابداعيا؟

بالتأكيد الترجمة عمل ابداعي، فهي من جهة تفتح أفاقا جديدة وعالم جديد، ومن جهة أخرى تسهم في نقل الثقافات والحضارات الأخرى والتعرف عليها. الابداع يكمن في تفاعلك مع النص وقراءته بعمق، وبالتالي اعادة انتاجه بأمانة… وأعتقد أن هذه العملية يحكمها الابداع، فالترجمة بمعناها الحقيقي هي ابداع.

{ يُلاحَظ أنك لا تكتفي بترجمة النصوص بل وضع تعليقات أو هوامش عن بعض المفاهيم والمصطلحات والشخصيات… ألا ترى أنك تخرج من وظيفة كونك مترجما الى مهمة كونك محققا لنص أجنبي؟

–  كما قلت، لا تقتصر مهمة الترجمة على نقل النص الى لغة أخرى، ففعل الترجمة ــ وحسب مانغويل ثانيةً ــ يحمل معه مسؤولية تتوسّع خارج حدود الصفحة المترجمة، وما الحواشي والتعليقات سوى وسائل لهذا التوسّع، وهي بالتالي تضيف على النص وتأخذه الى مديات أوسع، فلا يكون مجرد نسخ رهباني.

{ لماذا هذا الميل الى ترجمة كتب اليوميات والمذكرات؟ هل لسهولتها أم للمتعة الكامنة فيها؟

–  سأبدأ من الشق الثاني من السؤال، فالمذكرات واليوميات ليست سهلة أبدا بل على العكس، نصوص مثل هذه بالنسبة للكاتب هي خلاصة تجربته الابداعية، فيحرص على أن تستوفي الشروط الفنية وتعبّر عن ابداعه… وإن كانت كُتِبت بطريقة السرد المتدرّج، فإن أغلب اليوميات التي ترجمتها لم تعتمد هذه الطريقة وبإمكانك العودة الى يوميات سوزان ســــــــونتاغ.

أما الميل لترجمة كتب اليوميات، فالسبب أنها الكتب الأكثر قراءة وانتشارا. فالقارئ بحاجة الى أن يعرف الطريقة التي كان يفكّر فيها الكاتب… والأسباب التي جعلت ابداعه خالدا. وحتى في السينما ترى أن افلام السيرة الذاتية هي التي تحقق نسب المشاهدة الأعلى.

{ هل رأيت حاجة لتحرير يوميات سوزان سونتاغ؟

–  كل الكتب التي ترجمتها، ليست يوميات سونتاغ فحسب، بحاجة الى اعادة قراءة وتحرير، أو على الأقل أنا أشعر بذلك حال الانتهاء منها… فالترجمـة عمل تكتنفه الكثير من الاخفاقات وربما أنك وجدت في اليوميات ما يستحق التحرير… وأنا لا أصادر انطباعك هذا.

{ كيف ترى واقع الترجمة في عالمنا العربي ولا سيما في العراق؟ أريد رأيا نقديا منك.

–  الترجمة في عالمنا العربي مزدهرة من منتصف القرن الماضي… وكان للمترجمين المصريين والسوريين قصب السبق في هذا المجال، ومازال الكثير من الأعمال الكبيرة يُقرأ بترجمات المترجمين العظام لتلك الفترة أمثال سامي الدروبي، منير البعلبكي، محمد عيتاني، مصطفى ماهر، عيسى الناعوري…أما الترجمة في العراق وإن لم تصل الى مستوى مثيلاتها في هذين البلدين، لكن يجدر التنويه باسماء كبيرة فيها مثل غائب طعمة فرمان وخيري الضامن ونجيب المانع وعبد الواحد محمد مسلط وجبرا ابراهيم جبرا وصلاح نيازي وانيس زكي حسن ومحمد درويش.

1 . “يوميات القراءة” البرتو مانغويل  (2007).

2 . ” المكتبة في الليل”  البرتو مانغويل (2008).

3 . ” رينوار ابي” جان رينوار (2009).

4 . ” حول الفوتوغراف” سوزان سونتاغ (2010).

5 . ” ولادة ثانية، يوميات  1947 – 1963″ سوزان سونتاغ (2012).

6 . ” فن القراءة” البرتو مانغويل (2013).

7 . ” كما يُسَخَّر الوعي للجسد، يوميات 1964 – 1980″ سوزان سونتاغ (2014).

8 . تحت الطبع: ” مهنة العيش، يوميات 1935 – 1950″ تشيزاري بافيزي (2015).