عندما كنت أكبر الطلاب سناً
لعبة الأمم وحكايات أخرى – اضواء – عبد عون الروضان
استذكار
ِ زمن مضى كان صديقي الدكتور صادق عبد المطلب الموسوي مثالا رائعا للمدرس الناجح والصديق لطلابه من مثقفي وأدباء بغداد من الذين انتظموا في الدراسة المسائية للغة الفرنسية في كلية اللغات إضافة إلى الأقسام الأخرى : الإنكليزية والإسبانية والعبرية والتركية وكنا نقبل على الدراسة بشوق ولهفة يحدونا في ذلك حب االتعلم والرغبة في اكتساب مهارات لغوية جديدة من لدن أساتذة أكفاء كالدكتور مهند يونس والدكتور زهير مغامس والدكتور عبد علي عبد الرضا والدكتور داود سالم والدكتور جميل فتوحي والدكتورة الفرنسية كلودين والدكتور سلمان مجيد سلمان الذي يدرسنا اللغة الألمانية لغة ثانية وغيرهم من المحاضرين الأجلاء .َ
وكانت القاعة االتي أجلس فيها تضم إضافة للطلاب الآخرين كلا من المترجم المبدع كامل عويد االعامري والروائي المغترب علي بدر والتدريسي في قسم اللغة الفرنسية في الجامعة المستنصرية الآن مازن أكرم فاضل إضافة إلى الطلاب من الشباب الذين لا تسمح ظروفهم أو معدلاتهم بالدراسة الصباحية
وفي أقسام الكلية الأخرى كان المطلبيّان الدكتور مالك والدكتور غالب يدرسان في قسم اللغة الإنكليزية مع الدكتور حاتم الصكر وعبد االجبار محسن وكان الدكتور خالد علي مصطفي وشامل عبد القادر يدرسان في قسم اللغة العبرية فيما كان محمد شاكر االسبع يدرس في قسم اللغة الإسبانية
الدكتور الصديق لطلابه جميعا صادق عبد المطلب كان يدرسنا مادة القراءة في المرحلتين الأولى والثانية وفي المرحلتين الثالثة والرابعة عهد إليه بتدريس مادة الترجمة .وكنت حينها مقيما في عمّان وأعود إلى بغداد لزيارة الأهل وأداء الامتحانات الفصلية أو النهائية . وكانت علاقتي بأستاذي الدكتور صادق الموسوي تتجاوز علاقة الطالب بالمدرس إذ كنا في أثناء الفرص بين المحاضرات نتمشى في الباحة بين القاعات وهو يحدثني عن أيامه الخوالي في فرنسا وأسأله عما يدور في ذهني من مشكلات الدرس فيجيبني برحابة صدر حتى إذا بدأت المحاضرة وكانت للدكتور صادق في قاعتنا عادت العلاقة بيننا كعلاقة الطالب بالمدرس وكنت لا أميز نفسي عن باقي الزملاء رغم علاقتي بالدكتور صادق الشخصية ورغم أني أكبر الطلاب سنا إلا أني أذكر مرة أنه أراد أن يكرمني فقال الأستاذ أبو خلدون فقلت له عفوا يا أستاذ إن أنا إلا طالب شأني شأن الزملاء الآخرين .
في المحاضرة المخصصة للترجمة كان الدكتور صادق يحيد أحيانا عن المحاضرة فيروح يحدثنا عن الحياة في فرنسا وعن ذكرياته مما كان يثير امتعاض الطلاب فطلبوا مني باعتباري الأقرب إليه أن أكلمه بهذا الخصوص وأن يركز على درس الترجمة لأنهم دفعوا الأجور من أجل أن يدرسوا الترجمة لا أن يسمعوا ذكريات أستاذهم في فرنسا ففعلت ذلك فابتسم بود ولم يظهر أية ردة فعل تعبر عن انزعاجه وقال : صار . وأكملنا السنوات الأربع وحصلنا على شهادة البكالوريوس / لغة فرنسية وذهب كل إلى سبيل لكن علاقتي بصديقي الدكتور صادق لم تنقطع فكنت أواظب على زيارته في قسم اللغة الفرنسية في كلية اللغات حيث كان مقررا للقسم ثم أصبح رئيسا للقسم ثم عميدا لكية اللغات كلما وفدت على بغداد وفي إحدى زياراتي له في مكتبه في عمادة الكلية قدم لي كتابا بالفرنسية عنوانه هرون الرشيد وألف ليلة وليلة للمستشرق المعروف ” أندريه كلو ” وهو أستاذ الدكتور صادق وصديقه الشخصي كما أفادني بذلك وقد قام بترجمة الكتاب للغة العربية وطلب مني مراجعته ومحاولة نشره في عمان حيث دور النشر الكثيرة . أخذت الكتاب معي وتصفحته بصورة سريعة إلا أن الأمر الذي استفزني كان العنوان المستهلك الذي طالما رددناه ولاكته الألسن عن عصر هرون الرشيد الذهبي وعن لياليه الألف زائدا واحدة حيث لم يبق أحد لم يعرف ذلك وليس هناك من يهمه قراءة كتاب بعنوان هرون الرشيد وألف ليلة وليلة فما العمل إذن ؟ العمل هو إيجاد عنوان بديل ، وأعملت الفكر وتفتق الذهن عن عنوان رقصت له فرحا “هرون الرشيد ولعبة الأمم “
لعبة الأمم لماذا ؟
وكيف ؟ وأين هي لعبة الأمم … فقد يسألني القارئ فبماذا أجيب ؟ كان هناك هرون الرشيد بالفعل وكانت هناك دولة أو ما يعرف بالإمبراطورية الغربية وكان شارلمان ذاك صديقا شخصيا لهرون الرشيد الذي أهداه فيلا عظيما وساعة دقاقة أعجب بها الأوربيون جميعا ! وفي المقابل كانت هناك الإمبراطورية الرومانية الشرقية المعروفة بالبيزنطية وكانت في حالة صراع محتدم مع الإمبراطورية الغربية وتحاول جذب هارون الرشيد إلى جانبها، وحين وقعت معركة بلاط الشهداء بقيادة البطل التابعي عبد الرحمن الغافقي سنة 114 هـ _ 732 م أيام سليمان بن عبد الملك قرب مدينة بواتييه الفرنسية ، حين وقعت تلك المعركة جن جنون الإمبراطوريتين الرومانيتين الغربية والبيزنطينية معا وحاول كل طرف أن يقوي علاقته بهرون الرشيد .
ومن هنا عرفنا معنى لعبة الأمم وبدأت بقراءة مخطوطة الدكتور صادق الموسوي ، فوجدتها على قدر كبير من الأخطاء المطبعية واللغوية والنحوية والصياغية وكان علي أن أعيد كتابتها لتكون بالمستوي الذي أرتضيه ليحمل اسمي وحين أتممت عملي بالشكل الجيد هرعت إلى صديقي الأستاذ ماهر الكيالي مدير عام المؤسسة العربية للدراسات والنشر في عمّان وأطلعته على الكتاب وما إن وقع نظره على العنوان حتى اتصل بالمؤرخ الكبير أندريه كلو الذي أعطى موافقته وبسرعة بعد أن عرف الدكتور صادق الموسوي وأبلغت الدكتور الموسوي بذلك وكان في زيارة لعمان ففرح ووقعت العقد مع المؤسسة باسمي على أن يعطيني الناشر 200 نسخة من المطبوع وأن يعطيني الدكتور صادق 50 نسخة منه وأبلغت الدكتور صادق بذلك فوافق بكل سرور ولم تمض سوى مدة ليست بالطويلة حتى ظهر الكتاب وعلى الصفحة الثالثة منه عبارة ” مراجعة عبد عون الروضان ” وكانت النسخ المئتان في حوزتي فاتجهت إلى بغداد ومعي مئة وخمسون نسخة هي حصة الدكتور صادق وتركت النسخ الخمسين في مقر إقامتي في عمان وحين وصلت بغداد اتصلت بالدكتور صادق فجاءني بسيارته إلى بيتي وأخذ حصته المقررة .
صديقي الدكتور صادق كان مسرورا بصدور كتاب ” هرون الرشيد ولعبة الأمم ” فهو أول كتاب مطبوع يحمل اسمه وراح يوزعه على الأصدقاء والمقربين إليه وقد لاقى الكتاب استقبالا حافلا من جمهور القراء وكان لعبارة ” مراجعة عبد عون الروضان” أثر في ذلك المترجم وإنما هو من إبداع الفقير إلى الله الذي هو أنا عبد عون الروضان .
المذكرات مجتمعة
مرت سنوات وعلاقتي بالدكتور صادق عبد المطلب الموسوي على أفضل ما يكون وكنت أواصل زيارته في كلية اللغات رئيسا لقسم اللغة الفرنسية ثم عميدا للكلية حتى أصبح رئيسا لجامعة أهل البيت في كربلاء المقدسة فلم أعد أراه إلا نادرا حتى تفاجأت برؤيته في مبنى الاتحاد العام للأدباء والكتاب وبعد تبادل السلام توجهنا معا سيرا على الأقدام إلى مقر شركة قمر الأمير للأثاث المكتبي في شارع النضال لصاحبها ولدي المهندس خلدون عبد عون الروضان وبعد أن رحب بنا وشربنا الشاي معا أخرج الدكتور من جيبه ( فلاش ) وقال : هذا كتاب جديد وهو خلاصة سني عمري في عملي الوظيفي والدبلوماسي وأريدك أن تراجعه وتعده بالشكل المطلوب لأطبعه في بغداد فقلت له ولي خمسون نسخة من المطبوع فضحك وقال : صار وأول ما واجهني العنوان قلت في نفسي وهل أن المذكرات مجتمعة عنوان مقبول ورائج تجاريا لا وأبدا إنه عنوان بائس إلى درجة كبيرة وبدأت أفكر وأنا أتصفح الكتاب فاكتشفت أن الدكتور صادق عاش حياة حافلة وأنه شاهد ما شاهد والتقى عشرات الشخصيات في شتى بقاع الأرض بدأ من المناضل العالمي سيلفادو أليندي ومرورا بمحمد مهدي الجواهري وعبد الكريم قاسم وجاك شيراك وروجيه غارودي ومسعود رجوي ومسعود البارزاني وفائق حسن ومحمد علي كلاي وفيريري وبيدل بوكاسو وصدام حسين. . إنه إذن رأى كل شيء وهنا قفز العنوان الذي أريد إلى ذهني : شاهد رأى كل شيء وهو بلاشك توليف بين عنوانين : “شاهد ما شافش حاجة ” مسرحية عادل إمام الذائعة الصيت وبين “هو الذي رأى كل شيء ” لأول من قرأ الشعر في العالم الخالد كلكامش وشعرت بالراحة أن حققت ما أريد وبدأت بقراءة المخطوط على مهل وأنا أتلذذ بقراءة ما مكتوب وأستمتع بعشرات الصور الملونة ، كان هناك بالطبع الكثير من الهفوات الطباعية والإملائية والصياغية وكان علي أن أعيد صياغة كثير من الجمل وأحذف وأضيف وأعدل حتى وصلت إلى الدرجة التي أرضى بها لأضع اسمي عليها ثم أدرجت أسماء المدن التي زارها الدكتور المؤلف والشخصيات ..أحد الذين لا أعرفهم كتب على حسابه في الفيسبوك بعد أن قرأ الكتاب إن هذا العنوان ويقصد “”شاهد رأى كل شيء ” يدل على عبقرية المؤلف ، ولم يدر أن هذا العنوان ليس من وضع المؤلف ولا المترجم وإنما هو من إبداع العبد الفقير إلى الله الذي هو أنا عبد عون الروضان .. وأكملت مهمتي ووضعت تحت لوحة العناوين التي أدرجت فيها كل شيء عبارة :” تحرير عبد عون الروضان .
وبعد أن أكملت عملي استنسخته على قرص واحتفظت بنسخة منه على قرص آخر ونسخة على ( الفلاش ) ونسخة على الحاسبة ثم اتصلت بالدكتور صادق أبلغه بإنجاز العمل فهرع مسرعا على العنوان الذي أعطيته وسلمته القرص فشكرني وبعد ايام اتصلت به فأفادني أنه أنجز عمله على الوجه المطلوب ثم اتصل به فأخبرني أنه سلم الكتاب المنجز إلى دار الجواهري في شارع المتنبي وسيظهر بعد مدة غير طويلة وانتظرت ثم إنى ذهبت دار إلى الجواهري لصاحبها أبو أشرق وعرفته بنفسي ورحب بي وقال إن الكتاب محتجز في طريبيل مع غيره من الكتب وبضائع التجار وفي مرة أخرى زرت ابو أشرق ووجدت البروفيسور صادق عنده وقال أبو أشرق شحن عن طريق الأردن فالعقبة فقناة السويس فالبحر الأحمر فمضيق باب المندب فالبحر العربي فميناء الفاو فالبصرة فبغداد .. وانتظرنا حتى جاء الكتاب فأعطاني نسختين منه وكان الدكتور جالسا عنده وأول ما تفاجأت به أني لم أجد الصفحة التي عددت بها أسماء المدن والشخصيات التي زارها والتقاها االبروفيسور صادق سني حياته العامرة مذيلة بعبارة تحرير عبد عون الروضان ووجدت بدلا عن ذلك وفي الصفحة الثالثة كلمة شكر إلى شخص لا أعرفه وإلى ” القاص المعروف عبد عون الروضان ” ! وعندما عاتبته عتابا رقيقا اعتذر بأنه سقط سهوا وبأنه سيطبع الكتاب طبعة ثانية وطلب من الناشر أن يضع الصفحة التي أدرجت فيها أسماء المدن والشخصيات التي التقاها في مكانها وهو الصفحة الثالثة ووجدت أن ذلك حل يمكن أن يصلح ما حدث .
وترددت على دار الجواهري لألتقي السيد أبو أشرق وهو يعدني خيرا والبروفيسور صادق الموسوي يوالي توزيع كتابه على من هب ودب ويأخذ الصور التذكارية معهم حتى جاء الدكتور علاء شطنان التميمي من مقر إقامته في فرنسا وهو صديق أعتز بصداقته ومعه ضيفته الفرنسية المسلمة ولم يفوت الدكتور الفرصة فنشر صورتهما معه والكتاب وعلق على الصورة التعليق المطلوب ويبدو أنه شرح للدكتور علاء ملابسات القضية بيني وبينه وأشار عليه الدكتور علاء إلى أن وجود اسمي على الكتاب يرفع من شأنه فكتب لي الدكتور علاء على الفيسبوك يعرض مساعيه الحميدة لحل الإشكال بيننا فرحبت بعرضه فاتصل بي البرفيسور صادق عبد المطلب لأول مرة بعد أن كان خطه مغلقا طوال المدة التي نشبت الأزمة بيننا وبدا ملاطفا وسألني عما أريد قلت له لا أريد إلا ما اتفقنا عليه خمسين نسخة من المطبوع فقال : صار وأريد أن تثبت على الصفحة الثالثة عبارة “تحرير عبد عون الروضان ” فقا لي سأتصل بالناشر وأطلب منه أن يثبت ذلك …
لقد مرت شهور عدة وأنا أراجع السيد الناشر و أراجع ما استطعت إلى ذلك سبيلا دون أن أعرف الحقيقة من ابنة عمها والسؤال الذي يجب علي أن أطرحه هو هل إن حكاية الطبعة الثانية لعبة كلعبة الأمم بين البروفيسور صادق والناشر السيد أبو أشرق !! لاا أستطيع أن أثبت ذلك ولا أنفيه والله أعلم .























