مصير غامض – نصوص – علي حسين عبيد

سرد.. فصل روائي    1-2

مصير غامض – نصوص – علي حسين عبيد

مر شهر من الموت البطيء وتأشيرة الدخول في علم الغيب، السكرتير الوسيم يقول (انها لا تزال قيد الدراسة) وتوالت الايام والصمت المطبق يسوِّر مصيرنا الغامض، أكلت جسدي أقراص الفاليوم المنوِّم والاقراص المهدئة، الحياة مع الوفد الهارب الى المنفى اصبحت تقارب الجحيم، تركنا الشقة الجماعية في هرهورة أنا وصديقي الرسام بدعوة من الحاج صباح، سنعيش معه في عزلته الطوعية ولكن لن نعكر عليه طقوسه، الحاج صباح وهو يرى بصري يكلّ وأقراص المخِّدر تأكل جسدي يقول لي بثقة الناسك الزاهد (انك مؤمن كبير ولكن لا تعرف نفسك) فأضحك واقول له (ايها العبد الصالح، ان محيطات من الشك واللايقين تفصل بيني وبينك). وتبيَّن لي أن ليلتي الأولى التي أمضيتها مع جمال الرسام هنا عند الحاج، هي خطوتي الاولى والحاسمة في الخلاص من عبودية الاقراص المدمرة، وستتبعها ليال أخريات، وسأنسى دائي ودوائي في حجرة تخلو من الشياطين، آه أيها المتدين الودود، نظرتُ بعينيه وقلت له في سرّي، أنت لا تعرف ما حدث لي في تلك الليلة التي قضيتها محصَّنا من الشياطين بحجرتك المبجلة، ليس السهر وحده وليس عذاب الانتظار الأرعن وليس الافكار الشيطانية التي تعبث بمخي، هل أخبرتك بأنني خططت لجريمة قتل واقنعت نفسي بإنجازها على وجه السرعة لرجل اسمه مرهون بطة، هل أخبرتك بنبضات قلبي التي كادت تتوقف جزعا من الغدر الذي حاق بي بعد أن بلعتُ أعدادا من الاقراص تكفي لتنويم بغل، ثم حين نهضت من سبات الموت بمعجزة نهرتُ تلك النبضات اللعينة المضطربة وقلت لها هيا تحركي بانتظام قبل ان اقذف بقلبك الى الجحيم، هل حدثتك عن عذاب الغربة بلا مقابل، وعن غياب الكف التي ما كنت أغفو اذا لم تطمئن اليها كفي في الليل، هل حدثتك عن زوجتي (كارثتي) المزمنة بحبها اللامعقول وضعفها الغريب وحنانها الاسطوري، ونعيمة هل حدثتك عنها، تلك التي أقلقت روحي برؤياها وجعلتني مأسورا بين وهمي وحقيقتي، هل سمعت يا سيدي بالشبق الذي تفجر فجأة في غرائزي وكياني كله بعد ان غادرنا غابة المجهول ولمست اول جسد انثوي ساخن على ظهر الطائرة المعلقة تحت سقف السماء مباشرة، وهل حدثتك عن مهزلة اسمها سعي وطموح وبحث دائب عن حلول وحياة أفضل، هل سمعت ايها المطمئن الثابت الجنان أن العالم له وجهان وان الانسان الأول هناك أفضل من انسان الدرجة الثالثة والخامسة والعاشرة والألف هنا، هل تعرف أيها الحاج المتيقن إنني وأنا في طريقي الى هذا العالم الجديد بعثرتني الريح ودمرت وجودي أكثر مما كنت فوق ارضي، هل سمعت او رأيت جنائن صادقة على الارض. أيها العابد الطهور هل لك أن ترشدني الى طريق الخلاص، إنني محطم بين اليأس والأمل، بين الأرض والسماء، بين هناك وهنا، بين روحي وجسدي، الأضداد كلها تقاسمتني ومزقتني بصراعها المجنون فيما بينها، هل لك ايها المؤمن أن تصل بي الى مرفأ لليقين. حياتي كلها ليل لا نهار بعده، وطريقي كله ظلام لا شمعة فيه، وسؤالي كله غموض لا وضوح فيه، حقائقي وأحلامي امتزجت كلها أيها المتدين مع بعضها وصارت ريشة في مهب الريح، جسدٌ في مهب الريح، روحٌ في مهب الريح، رجلٌ في مهب الريح.

كان الحاج ينتبذ زاوية حجرته الورعة المفرغة من الشياطين، ينظر في باصرتيّ وانا أحدثه بنظري ومن شدة وحدته وعزلته الطوعية وجد بي فرصته للكلام، وطالما كنت شاخصا امام عينيه فلن يصمت، لقد غاص في أعماقي كما يغوص الغواص الماهر الى قرار البحر ويستخرج اللؤلؤ المطمور بأعماقه، قال لي بلغة المؤمنين وبنبرة الزاهد المتمرس على الوعظ، أنت بذرة طيبة وروحك روح حلال، طينتك طاهرة وحليبك طاهر فحاول أن تفهم نفسك ولو فعلت لنجحت في حياتك، فكرتُ في نفسي (ها هو يتحدث عن نجاحات في دنيا فاشلة) واكمل الحاج يقول، أنت رجل علماني، لكنك مؤمن في اعماقك، انت تخاف الله ورأس الحكمة في مخافته تعالى، أتعرف لماذا، سأقول لك ما أعرفه عنك برغم انني لم التقيك سابقا، أنت لا تعبد كما هو مطلوب من الانسان، ولكنك لا ترتكب معاصي قد يرتكبها مصلون، انت لا تسرق ولا تغتاب او تذم ولا تنافق ولا تجرح مشاعر ضعيف او قوي، وغير مستعد لقتل نملة، وباختصار انت مؤمن بلا صلاة، الله يحبك وانت محمي عنده تعالى بغطاء الأبوين، امك وابوك راضيان عنك في حياتهما وبعد موتهما، انت لست عاقا، انك كريم وسخي والله يحب الأسخياء، اهلك او اصدقائك، لا أحد منهم يجرؤ ان يقول لك مثل كلامي هذا، لا احد منهم يجرؤ على وضعك امام حقيقة كونك لا تصلي لله، ليس خوفا بل هم يحترمونك ويخجلون منك، انت شخصية آسرة طيب القلب رقيق وتدعمك ثقافتك الجيدة واخلاقك الرصينة ونزعتك الانسانية العالية، لذا أنت عنصر جيد في المجتمع بل ومهم، انك تفعل ما تطلبه الصلاة من المؤمنين ولكنك لا تصلي، اذن دعني اقل لك شيئا جوهريا، ان ما ينقصك هو العبادة فقط، اعبد الله وستلمس نجاحك بيدك ونجاحك هو ان تصل الى يقين يثبِّتْ روحك على قمة صلبة ويجعل الارض مستقرة تحت أقدامك أينما حللت او رحلت. وباختصار اقول لك (صلِّ تنجح).

كان الحاج يسحرني بكلماته ونبرة صوته وملامح وجهه وقد عرف أنه أسرني تماما، فراح يضخ رؤيته في دماغي وروحي القلقة، قال انتم العلمانيون تتقاطعون معنا بأشياء كثيرة ونحن كذلك، لكن لنلتقِ بالصلاة فقط، لتكن قاسما مشتركا بيننا، قم بعبادة الله ثم ابق على علمانيتك، هل يمكن ذلك، سألني هذا السؤال الذي لا استطيع ان افكر به مجرد تفكير، انا كياني كله يترقب لحظة العبور الى الجنائن البعيدة، لحظة القفز الى الوجه الآخر من الدنيا، لحظة منحنا تأشيرة الدخول، ومخي لا يتذكر سوى ذلك الوجه الآسر الذي سمعنا عنه العجائب، ذلك الجانب الشمالي من جسد الارض، فهل اتمكن من اجابة الحاج عن سؤاله، قلت له في سرّي (دعني الآن ايها المتدين الوقور، فأنا ما زلت معلقا بين الارض والسماء، ومتى ما وقفت على ارض صلبة وظللتني سماء مستقرة سوف أجيبك).

وفي ليلة من ليالي الصلاح في الحجرة الصالحة، منحني الحاج سجادة صلاة خضراء (كأنها تأشيرة دخول الى عالم آخر) وقال لي بحضور جمال الرسام بوجه ينثَُّ فرحا وإيمانا ونورا (لقد زارني هذا الفجر ولي صالح ووجهني أن أسلمك هذه السجادة). قبلتها منه بمشاعر غامضة، لم افهمها في حينها بل كان ذلك مستحيلا، لكنني حين خرجت نسيت السجادة بمكاني حيث اجلس، لم يخطر ببالي انني سأفرشها ذات يوم وأسجد فوقها لله، وحين خرجنا انا وصديقي الرسام الى غرفة ثانية، لم ينبهني الحاج الى ما نسيت، تركني وشأني، ونمت أتقلبُ فوق قلقي وارتباكي وتبعثري حتى الفجر.

لم أنم لكنني لم أدنو من الاقراص المهدئة، تمكنت من نفسي قليلا، ردعتها ولا اعرف كيف، لكنني بدأت أفهم بترويض النفس، كلمات الحاج ودروسه على قلتها وعدم ايماني بها، تركت أثرا ولو قليلا في سلوكي، اذا طلبتْ منك نفسك هذا الشيء فجيء لها بآخر يناقضه، اذا طلبت منك الحلو فناولها مرّا واذا طلبت منك الشهوة فاصفعها بالصيام، واذا ارادت من يخفف عنها عبء الضجر فاحجرها بعيدا عن الهازلين بأنواعهم ودربها على الصبر وهكذا، حتى تتمكن منها تماما، حين ذاك ستكون نفسك فرسك المطاوعة وستكون انت خيّالها الرابح دائما في سوح القتال. (أي قتال ايها الحاج الطهور، وأي فرس وأي خيّال، إقذف بي الى الوجه الآخر، الى جنائن آدم الشمالية وسوف تتوقف الارض عن الدوران، وستهدأ السماء وتكف عن الترجرج الغريب، وستثبت قدماي في واحة اليقين الى الأبد، هل لك ان تفعل ذلك؟).