أدب الطفل يستدعي قدرات خاصة – اضواء – ساهرة رشيد جابر

جاسم محمد صالح بعد أربعين كتاباً:

أدب الطفل يستدعي قدرات خاصة – اضواء – ساهرة رشيد جابر

يعدّ كاتب الأطفال جاسم محمد صالح من بين أهم المختصين فـــي وزارة التربية في مجال تأليف المناهج وتنقيحها لسنوات عدة، شغل منصب رئيس تحرير صحيفة (يعرب) للأطفال، نشر العديد من الدراسات والبحوث في مجال التربية، له عدد كبير من المؤلفات، نال الكثير من الجوائز، يعدّه النقاد ومتابعو أدب الطفل بأنه من بين أفضل الكتاب في هذا المجال في العراق، له أربعون كتابا في أدب الطفل.تمتاز قصص صالح غنية بمضامين جميلة بشكلها تشد القارئ وتجعله يتابع أحداثها بسعادة، مستفيدا من عبراتها ودروسها، يستخدم الكلمات الجميلة القريبة من مدارك الطفل لتعبر عن المعاني بأسلوب راق.

يسعى صالح في قصصه إلى إذكاء وصقل مواهب الأطفال، فالطفل أو الصبي حين يقرأ قصص صالح لا يفهم المغازي والمرامي لأول وهلة، بل لابد من التفكير للتوصل إلى الهدف. يقول صالح إنّ مؤلفاته للأطفال ترجمت إلى لغات عدّة منها الكردية ومجموعة السمكة الملونة إلى التركية، ورواية ملكة الشمس والخاتم إلى الانكليزية واليابانية كما ترجمت مسرحية أصدقاء الشمس إلى الانكليزية والفرنسية.وأضاف إنّ (الكتابة للأطفال ليست من الأمور السهلة للكاتب، فلابد لكاتب الأطفال أن يكون ملماً بالمفاهيم التربوية طامحاً إلى بناء الطفل الواعي القادر على المساهمة في بناء وطنه ومدافعا عنه). مشيرا إلى أنّ (الكتابة للأطفال رسالة رسالة سامية وهدف نبيل). ويوضح صالح لـ(الزمان) إنّ (لكل كاتب رؤية وعليه أن يحقق ذلك من خلال اللغة، وأن يتعامل مع اللغة بحذر والتزام باستعمال المفردة، ومعرفة بالطفل، وان يكون القاموس اللغوي متناسباً مع مدارك الطفل، ويكون التواصل معه من خلال الدراسة)،وتابع (على الكاتب تحمل مسؤولية الكتابة للأطفال، والمسؤولية حالة من دراسة القيم التربوية وعلم النفس)، مؤكداً إنّ (الأطفال في هذا الوقت أخذوا يبتعدون عن هويتهم الوطنية، إذ أنّ هناك هجمة شرسة توجّه للطفل العراقي من خلال القنوات الفضائية، التي تخلق للطفل الكثير من الجمال بعيدا عن الوطن). استطاع صالح أنّ يقدم للأطفال الكثير من الجمال والقيم ويشد الطفل إلى وطنه وتاريخه من خلال القصة والمسرحية والسيناريو والرواية والدراسة ومسرح الدمى، كما حرص في قصصه على ان يبين أهمية الذكاء ، فالأغبياء لا يستطيعون ان ينقذوا أنفسهم من المهالك ـ فالحمار لا يمكن ان يطير، وحلمه بالطيران من المستحيلات ، بل يمكن ان يودي بحياته.وفي قصص اخرى حث على الشجاعة والاقدام والثبات على المبدأ لتحقيق الارادة ، فالنسور تحقق ما تطمح اليه ان واصلت مساعيها، اما المخلوقات التي  حالما تقابلها الصعوبات يصيبها التردد ، فلن تصل الى تحقيق المراد..اهتمت قصصه باللغة ودافعت عن جماليتها ، فالنقطة التي ضحكت عليها الحروف ظنا منها انها بلا فائدة ، ثم ادركت تلك الحروف انها لا يمكن ان تفهم بدون النقطة ، فلا نستطيع التمييز بين التاء والباء، او بين الجيم والحاء والخاء، او بين الصاد والضاد..

مسرح الطفل

عن تجربته يقول ( إن تدوين التجربة الذاتية يعد من أصعب الأعمال التي يواجهها الكاتب ، لأنه من الصعب على الكاتب أن يتمكن من ذلك مهما كانت قدرته وإبداعه، لأن التفريق بين سمات التجربة الذاتية وبين وسائل الإبداع الأخر صعب جداً، وتكمن الصعوبة والحرج في هذا الخلط الذي قلما يستطيع أحد تجاوزه ، ومع هذا فإن الخوض في هذا المجال ما هو إلا تجربة والتجربة قابلة للفشل والنجاح وكلتا الحالتين تقدمان شيئاً للفكر وللإبداع وللتراث الإنساني والحضاري الذي نطمح كلنا لأن نساهم فيه ونصنع لبنة ربما تكون متميزة وذات تأثير فيه) .وأضاف (كتبت كثيراً من المسرحيات الموجهة للطفل ، لنقف قليلاً عند مسرحية (أصدقاء الشمس) وفكرة المسرحية تقوم على عملية سرقة الشمس من الغابة من جانب مجموعة من الأشرار وتقوم مجموعة الخير باستعادة الشمس من هؤلاء الأشرار ويبدأ احتفال الفرح بعودة الشمس وهم يغنون: ((مهما احتالوا ، مهما فعلوا ، تبقى الشمس هي الشمس، يبقى لقياها عرسُ، مهما احتالوا، وأرادوا من شمسي النيل، سيدق ناقوس الويل ،وستهب أشباح الليل ، نور الشمس هو الشمس ، تبقى الشمس هي الشمس ، يبقى لقياها عرسُ). واضاف ان(الكتابة بدءاً لا تكون إلا من خلال المؤلف فهو الذي يحدد ما يعمل، حيث تكتمل الأفكار في ذهنه وتتصارع ، فهناك شيء يدعوه ويوجه طلبات متتالية إليه ، يحس المؤلف انه مقبل على إنجاز شيء فيلتفت يميناً وشمالاً، إنه محاط ومحاصر برغبة ملحة في كتابة مسرحية للأطفال، أية مسرحية، أبطال وشخوص كثيرون يمرون أمامه، ذهنه ممتلئ بهم، أفكار مختلفة ومتنوعة ، تتأرجح الرغبة، ترى أي نوع من المسرحية يكتب،هل يكتب مسرحية لأطفالٍ دون سن التاسعة، حيوانات صغيرة مألوفة، حوار بسيط، فكرة موجزة ، وقت قليل، أهذهِ هي صفات المسرح لهذا العمر؟، أم أنها مسرحية لأطفال فوق التاسعة ولها أيضاً مواصفاتها، حيث كل شيء يتعقد وينمو؟، أم أنها لأطفال تجاوزوا الثالثة عشرة حيث تدخل المغامرات والأساطير والأبطال المتفوقون ، وعلى خط آخر ، يفكر الكاتب بالأشخاص الذين يمثلون المسرحية هل هم أشخاص؟ أم حيوانات؟ أم أنهم دمى؟ والدمى على أنواع أشهرها القفازية وتلك التي تتحرك بواسطة الخيوط أو بصورة سطحية ذات بعد واحد مسطح، ولكل نوع من هذه الأنواع طريقة في الكتابة ، طريقة في الحوار، طريقة في الحركة والإخراج والمؤثرات وللديكور النصيب الأكبر والأكثر تعقيداً في هذه المعاناة)، موضحاً(لقد حددت في ذهني أي نوع من المسرحية أكتب، فقد وضعت نصب عيني احتياجات مسرحيتي التي أرغب في كتابتها وبدأت الأفكار تتصارع مختمرة في ذهني، أمسكت الورقة والقلم بقوة ورغبة شديدة، لكنني ما زلت متردداً وخائفاً، ففكرة المسرحية تتكامل في مخيلتي لكن أشخاصها لم يتوضحوا لي كلياً، أبعاداً وأعماراً وأنواعاً، هناك خطان من الشخوص متباعدان لا ثالث لهما، شخوص فاضلة وشخوص شريرة بغض النظر عن نوعية وماهية تلك الشخوص، إنني الآن أواجه أزمة اختيار، أي شخص أختار، شخوص الخير كثيرون : حمامة، بطة ، عصفور، دجاجة، غزال، فراشة ، وربما بقرة أو حصان أو خروف ، وشخوص الشر أيضاً كثيرون ، لنقل افتراضاً: ( ثعلب ، غراب ، قنفذ، ذئب، ابن آوى ) ، لكنني أُفاجأ أيضاً بقائمة شخوص غير منتمية للخير او الشر تحديداً، فالأسد ربما يكون خيِّراً، أو شريراً وكذلك الكلب والحمار والقطة وربما الفأرة ، لا نستغرب من ذلك ، أنا شخصياً أكره القطة فهي شريرة في نظري وربما أنت تحب القطة وتعدها من أفضل المخلوقات جمالاً، فإذا اختلفنا في وجهة النظر وكنت أنا الكاتب وأنت المشاهد كان عملي المسرحي رديئاً بنظرك حتى لو امتلك أعلى مراحل الإبداع والخيال والتصور)، موضحاً  ان (اختلاف الرأي هنا أفسد في الود قضية، فلو كان نقيضي هذا ممثلاً لعملي لخرج دوره الذي يمثله باهتاً وضعيفاً وتهامس المشاهدون فيما بينهم، إن حبكة المسرحية ضعيفة، لا تنسوا تراخي الممثل وعدم تعاطفه مع ما يمثل من دور، وأمسكوا بـ(قميص) المؤلف المسكين وصبوا عليه سيل انتقاداتهم، فلو تركنا هذا وذاك وتعاملنا مع بعض الحيوانات ذوات اللون المميز، الغراب مثلاً فإن جعلناه سيئاً وأن الله عاقبه وجعل لونه أسود فإن المؤلف سيتخذ له مكاناً متميزاً للعداوة في مجلس محاربة التمييز العنصري وحُرمت عليه زيارة أفريقيا تحريماً نهائياً، وربما نسوا أو تناسوا أن المؤلف أيضاً ربما يشارك الغراب لونه والله أعلم).وتابع صالح (أحياناً أشعر بحرج بوصفي مؤلفاً حينما أقف أمام الحمامة البيضاء وأمام الذئب الرمادي والثعلب الأشقر وأمام طير السند وهند (السنونو) بلونيه الأبيض والأسود، ومع كل هذه الاحراجات تجاوزت هذه العقبة مجبراً ليس إلا، أقف أمام الحيوانات مذهولاً ، كلها تناديني في وقت واحد، كلها تهتف باسمي، كلها تقول: أنا، أنا، أنا، و(أنا) المؤلف الحائر المسكين أقف مذهولاً بينهم ، تُرى ما الفرق بين الدجاجة والديك والحمامة والبلبل والعصفور والسنونو والهدهد في الطبيعة الحيوانية وفي مجال الخط المسرحي والحركة التوليفية، كلهم طيبون ويحبون الأطفال).