أدب الطفل في العراق بين الواقع ومعايير الجودة – اضواء – إيناس البدران
تشير دراسة الى ان نسبة الموهـــوبين في العراق من الاطفال بشتى المجالات تصل الى 90 بالمئة في حين يبرز 4 بالمئة فقط من بين هؤلاء وعلى الاغلب بجهود ذاتية فردية واستثنائية ، فالطفل العراقي وإن عدّ من أذكى الاطفال في العالم الا ان قدراته ومواهبه تأخذ بالتراجع خلال مراحل الدراسة .
وعلى الرغم مما يرصد للتربية والتعليم من موازنات ضخمة غير أن ما ينفق عليهما هزيل بالمقارنة ، لذا لا عجب اذا ما وجدنا ونحن نعيش الالفية الثانية بكل ما تعنيه من تقدم حضاري وتكنولوجي ، فلا عجب ان نرى مدارس بائسة مبنية من القصب او الطين تفترش خريطة البلاد طولا وعرضا وتفتقر الى أبسط مقومات التعليم السليم من مكتبة مدرسية وقاعة لتطوير المهارات الفنية وملاعب لائقة للرياضة البدنية ناهيك عن شحة الكادر التعليمي المتخصص القادر على استيعاب المرحلة العمرية وإحتضان المواهب المتعددة وتوفير ما تحتاجه من رعاية ودعم وإهتمام .
وفي بلد كالصين تتجاوز نفوسه المليار وثلث المليار نجد ان افخم المباني في القرى والقصبات هي من نصيب المدارس ، ويحقق ابناؤه نتائج مذهلة في الاختبارات الدولية التربوية ما يعطيك الانطباع بأن هذه الدولة تحسن استثمار مواردها البشرية والتخطيط للمستقبل .
ووفقا لآخر نتائج مؤشر دافوس لجودة التعليم وهو معيار عالمي معتمد شمل 140 دولة حصلت سنغافورة على المركز الاول ، اما ضمن الدول العربية فقد حصلت قطر على المرتبة الرابعة والامارات على المرتبة العاشرة ولبنان على المرتبة الخامسة والثلاثين ومصر على المرتبة المئة وخمس وثلاثين . المؤشر للأسف اعتبر العراق وسوريا وليبيا واليمن والصومال من الدول غير المصنفة لعدم توافر معايير الجودة !! علما أن العراق كان يعد في سبعينيات القرن الماضي من ارقى الدول في المجال التربوي و يضاهي الدول الاسكندنافية في ذلك .
وقد اشار المفكر الفرنسي المعروف جان جاك روسو الى ان الهدف من التربية خلق انسان قابل للتعلم وليس انسانا متعلما . في حين أكد البرت انشتاين على ان التعليم ليــــس في تعلم الحقائق والمعلومات انما في تدريب العقل على التفكير .
ان العملية التعليمية عموما تتقاسمها ثلاث جهات هي الاسرة والمدرسة والمناهج التعليمية . وأسلوب الدراسة في العراق بكل هذه الوسائل قائم على التلقين والحفظ بدلا من التحليل والحوار وقدح زناد الفكر بحثا واستيعابا .
ولعل أسوأ ما خلّفه الاستعمار الكولونيالي في القرن الماضي من مشكلات هو النظام التربوي السائد في البلدان العربية ، هذا النظام الذي اسسه وأرسى قواعده وعمّمه المستشار البريطاني دنلوب أبان الاحتلال البريطاني الذي شجع على ثقافة التلقين والحفظ والاستظهار الملائي الببغاوي ، وكرّسه على نحو خطير . في الوقت الذي اعتمد فيه البريطانيون والغربيون عامة نظاما تربويا يتناقض تماما مع النظام المطبق لدينا ، اذ ان نظامهم يشجع التلميذ والطالب على المناقشة والبحث والتحليل والشك ، والسؤال ليبني قناعاته وتوجهاته على اسس من التجربة والبرهان وليس الحفظ والاستظهار ، ناهيك عن اهتمامه ببناء الشخصية وتعويدها على احترام الذات عبر التعامل معها باحترام بعكس منظومتنا التعليمية التي عانينا منها ويحمل اغلبنا خزينا مرّا من المواقف المؤلمة كسوء المعاملة والنظرة الدونية والتعنيف .
فالدول المتقدمة ترعى نشأها الجديد وتغرس في نفوسهم وعقولهم المفاهيم الانسانية وحب الارض والتعاون وقدسية العمل وترعى الموهوبين منهم منذ نعومة اظفارهم من خلال القنوات المؤثرة بدء بالعائلة والكوادر التعليمية والمناهج الدراسية ، وعبر البرامج التعليمية الترفيهية في قنوات مخصصة لمراحل الطفولة العمرية وعبر ما يطبع خصيصا لها او ما يسمى بأدب الطفل .
وفي الوقت الذي تشهد فيه الدول الطموحة نهوضا حقيقيا على الصعد كافة فيما يخص رعاية النشء في المجالات التنموية الثقافية التربوية عبر تبني خطط وبرامج ستراتيجية طويلة الامد توضع من قبل خبراء متخصصين في علم الطفولة Pedologyالبيدولوجي وتغذية عقولهم وتنمية مواهبهم والمقروئية لديهم عبر توعية المربين من أهل ومعلمين ومدرسين ، وصناعة بنى تحتية ثقافية خاصة بالطفولة مثل المختبرات متعددة الاغراض التي يطلق عليهاMultipurpose labs. التي تركز على تعليم اللغة والمطالعة والتعمق المعرفي بصنوف المعرفة وتقنياتها الالكترونية والرقمية والسمع – بصرية ، فضلا عن الاهتمام بمسرح الطفل ومسرح الدمى ومكتبة المدرسة ومكتبة الحي التي تتضمن الحواسيب والجوانب الورقية مع الاهتمام بالمطبوع المخصص للطفل بمراحله العمرية كافة واعتماده كوسيلة تربوية تثقيفية وترفيهية في الوقت ذاته
لاشــــــك هنالك افتقار ملموس الى فلسفة تربوية واضحة على أعلى المستويات يمكن ان تفضي الى تغيير نوعي الامر الذي يستوجب منا ككتاب ومن الجهات ذات العلاقة كافة وقفة جادة والى تضافر الجهود بغية الوصول بأكثر من ســـبعة ملايين طفل عراقي الى مستوى يرضي الحد الادنـــــى من الطموح ولاسيما في بلد كبلدنا كابد ما كابده وعانى ما عاناه من حروب ومآس وتهجير وفوضى وإنفلات أمني خلّف ملايين الايتام والمشردين والمتسربين من مقاعد الدراسة .
ان الرغبة في النهوض بواقع الطفل العراقي بلا رؤية ولا مشـــــروع ثقافي تربوي مـــــــدروس من قبل المختصـــــين وبلا خطط تنموية يعني بلا شك هدرا للطاقات والمــــوارد ، وأن ثقافة العراق الجديد لن تتأسس بدون بناء الانســـــــــان من خلال اعتماد استراتيجية تربوية خاصة تتعلق بالطفــــــــــــل الذي يعدّ بلا شك الدعامة الاساس لبناء المستقبل المنشود .























