هياكل خط الزوال .. سطوة الخراب
مرآة تكشف الطوايا المعتمرة – نصوص – اسماعيل ابراهيم عبد
المشهد الجديد يحتوي عناصر من رؤى ثقافية ما بعد إنشائية، وهي مناول تحمل ممولات ثقافية – سياسية – اجتماعية تنطلق من رؤى الرواية، الحيوان تماهيًا مع رؤى فرد بشري.
الحيوان، الكلب تحديدًا، بطل رواية (هياكل خط الزوال) لمهدي علي ازبين/
[تخرجان متلفعتين بصمت أسود. أرافقهما، أمشي خلفهما، لا أتقدم، أتحاشى نظرات الانكسار في عيونهما، الصغير من فوق كتف أمه، ينظر إليّ، أشعر براحة مؤقتة، نظراته لا معنى لها، يشير بيده، يبتسم، يعبث بشعر أمه.
تغذّان الخطى من دون رغبة. نمرّ بثكنات الجيش.. خيام، مركبات عساكر.. نجتازهم. تتخلفان عن المجاميع الأخرى، تتحاشيان نظرات الأخريات.. أكثر النسوة يمشين متعثرات، أبصارهن تحرث الأرض.
تسقط الشمس خلف خط أسود.. ظلال.. ضباب، ودخان.غائبة، لا يرى قرصها، انعكاسات أشعتها تتوزّع باستحياء، سناها ما يزال ينتشر في السماء. تبدأ جحافل الليل بالزحف، تطبق على آخر شعاع.
- سنتأخر كثيرا.
- لنتأخر.. نفسي متعبة.
- سيقلقون علينا. تخلفنا سيجلب أسئلة نحتار في إجاباتها.
تمسك الابنة صدغها ورقبتها، تجثو على ركبتيها مرتجفة، تتقيّأ. الأم تمسح على رأسها..
- ستمرّ الأزمة يا انتي.
الصغير يبكي. الابنة تستريح قليلا.
- ماذا نقول حين يسألوننا.. كيف نتعامل معهم، هل نكذب عليهم.. نخبرهم أم نصمت، وننطوي على أنفسنا.. نلوك انكسارانا أمام قوي منفلت؟
- الصدق يبدأ من الانسان نفسه، والذي يصدق في داخله؛ يصدق مع الآخرين.. مصابنا أليم، وأنا متعبة، دعي الناس تهجع، وندخل عليهم.
يغلّف الابنة صمت أخرس..
- تناسي الأمر، وتجنّبي الخوض فيه.. إنه سرّ بيننا.. ولا أريد أن يعرف أحد به.. حتى أبوك حين يعود… إن علم؛ سيتهوّر، ويعرض نفسه والجميع للخطر.] ص 48
*الحركة الفعائلية:
تخرجان متلفعتين بصمت أسود.
أرافقهما.
نمر بثكنات.
تبدأ جحافل الليل بالزحف على آخر شعاع.
سنتأخر كثيراتقول الأم.
لنتأخر.
سيقلقون علينا.
تتقيأ الابنة.
الصغير يبكي.
لا أستطيع مواجهة الناس (تقصد الاغتصاب).
الالتباس السردي:
هو القول الذي راوغ به الراوي (الكلب) طبيعة سرد الأحداث الذي يستأنس بالمرأتين ويحقق مفعول اللامعقول حيث/
- يقول جملة العواطف الأنثوية.
- يتجنب الحوادث المتعلقة بنوايا الصدق والكذب ولا يفضح ما ليس له لزوم فني، لأجل أن يصير شخصية روي مقنعة.
- يصف مواقف الحياء والتخفي بين الثكنات العسكرية.
الأدوات الوسائلية: هي أدوات معنوية مادية، منها/
الصمت الأسود، نظرات الانكسار، الخيام، المركبات، المشي المتعثر،الضباب، الدخان، النفس المتعبة، المسح على الرأس، التناسي، الحفاظ على السر.
توصيف الروي
التنظير: يمكن التنظير للفعل الروائي هنابموجب الموضوعة الثقافية/
- إن كلبا تربى في بيئة نظيفة مع بشر بتربية أخلاقية عالية سيبقون هكذا حتى في أزمة الانكسارات العظمى.
- إن الحروب كلها تهدف إلى تحطيم، الإنسان، الحيوان، والبيئة على حد سواء.
- الانقلابات الكونية السريعة تؤدي إلى فوضى عارمة وخسائر لا تقدر بثمن.
*التحليل: يتضمن التحليل أسسًا عدة منها/
1- الأخذ بنظر الاعتبار أن الرواية ذات ملامح سياسية، ولو أنها رويت على لسان الحيوان(الكلب).
2- هناك تبدلان أساسيان، نظام مباد، ونظام يتشكل، وكلاهما مأساويان لأن أسلوبهما واحد هو الحرب والدمار المفضي إلى الإبادة وتبديل الهويات.
3- مناول الهيمنة تشمل/
- النظرة الدونية للمرأة، فهي منكسرة، مطأطئة الراس، متلفعة، خائفة، مترددة الخطى، متعثرة، بصرها لا يفارق الأرض، لا تستطيع مواجهة الناس، مغتصبة.
- الصدق المفقود: يؤشره مظهر السلطة المنافقة، مجتمع المنافقين، العلاقات غير السوية.
- الخطر: خطر الحرب، الغزو، تحكم الجيش، صحوة السلطة القامعة.
4- مناول سلطة القمع/
تتمثل في: فقدان الأمن، الفوضى، النهب، القتل المجاني، الضياع الكلي للحشود الغنية و الفقيرة، خراب الصناعة و تعطل الزراعة، تهدم البنى التحتية للخدمات والعمل التجاري، وكل ما له صلة ببناء دولة.
5- تساوق مناول المعايير و توازنها الفني/
تتمثلها الرواية في حالين هما، ضياع السلطة وضياع الناس ترافق مع الدوران الروائي للمدونة.
6- الطوايا المضمرة: تتكرر عملية خلط النوايا بين موجهات السرد وموجهات الفعل الاجتماعي لما يبشر بثورة لاحقة، بخلائق ونويات لسلطة عادلة ستأتي يرافقها انكشاف القوى الظلامية بإزاء القوى الناهضة المكشوفة أيضًا.
7- المظاهر النسقية/
تتعدد لتشمل:
مظهر التبعية، كالقول/
[أقتفي متخبطًا أثر سيدي وولده] ص5
مظهر الوفاء، مثلما القول/
[أبحث بطريقة ملتوية، أتتبّع أثرهما، أعرف رائحة سيدي الكبير] ص7
القلق الاجتماعي، يسبر غوره القول/
[هدوء المدينة يتهرّأ في صبيحة أحد الأيام، تجفل سيدتي الصغيرة وهي تعدّ الإفطار، تسقط المقلاة، يندلق الزيت الحار على كاحلها، تفقد الوعي، تستغيث الأم بالجيران. أنبح مستنجدًا. من يجازف ويخرج في تلك الساعات والرصاص ينطلق بغزارة، لا يميّز بين كائن حي و جماد] ص13
* الحب: يتمثل في/
[سيدي الأوسط هو سبب وجودي، متشبع برائحته الحبيبة] ص 20
*الرعب: نلحظه في/
[تتشرب أوصالي بالرعب، سأنتظر علّهما يصحوان. أدسّ رأسي تحت أبط الأب، تختفي المدينة والمركبات خلف ذراعه، وكفه بأصابعها المتيبسة] ص22
*التعب: يمكن متابعته/
[أزحف نحو الابن، لم يغير رقدته، متعب، خائف، يبتسم ، يشخص تجاه أبيه] ص24
*الحرب والجوع: ييممان نحو مشاهد كثيرة مثالها/
[يوقظني انفجار، ضوء يتدلى من السماء، يتطاير منه شرر، ينزل ببطء…. أرتعب، أتثاءب خوفًا وجوعًا] ص25
الرواية محملة بأنساق المطاهر الدالة على:
الازعاج، الجزع، الحذر، التيه،العدوانية، الحزن، الإعياء، العنف، الصراخ، التشوّش، الموت، همود الضحايا، المقاومة، الدفن، عراك الكلاب، الاستسلام، البحث عن الأمن والسلام، التسمم.
نجد هذه الموجعات كلها في الصفحات الأخيرة، خاصة في صفحة 87.
تلك إذاً حصيلة المناول والمظاهر التي تتضافر مع بعضها لتقيم مراكز الحركة و التفكير التي أوجدتها المنظومة الحكائية للرواية متضمنة أنساقًا ومساوق ثقافية، منها ما هو تراثي، ومنها ما هو متولد عن مقولات التحضر والحداثة، جلّها تدور حول المناول الآتية/
- الكلب أوفى من الانسان.
- الحضارة و الحداثة هي حضارة الرفق بالحيوان.
- القوة الغاشمة تهدمها قوى أكبر منها وأكثر ذكاء ووحشية.
- كل قوى التسلط هي قوى عبثية و تدميرية.
- الاصلاح يجيء من التضامن السلمي المدني العالمي والعمل الجاد لإيجاد عالم بلا حروب.
…………………….
{ (هياكل خط الزوال) لمهدي علي ازبين، دار ومكتبة عدنان ط.2- 2015 .























