الندوة – نصوص – صلاح الدين خليل

جزء قصة قصيرة    1-2

الندوة – نصوص – صلاح الدين خليل

هي امسية ثقافية اعد لها عدد من النقاد الموسيقيين كان الجو يوحي بالاهمية فالمدعوين قد ارتدوا افضل ما لديهم من ملابس وبدوا لامعين, وقد تعرفت على بعض الوجوه اللامعة التي لا يمكن ان ترى الا على صفحات المجلات الفنية او شاشة التلفزيون, وكان يبدو على البعض التعالي والقناعة الذاتية بينما يبدو على البعض الآخر الصغار والتملق, وكنت اشعر بشيء من الحرج من ذلك فلم اكن متهيئا لهذا الجو انا الذي تعودت العزلة في غرفتي وبين كتبي ولوحاتي ومعارفي المعدودين, لقد حاولت الانتماء الى هذا العالم الا انني لم اتمكن لان الاختلاط بهؤلاء الناس يتطلب الكثير من الحذلقة التي لا املكها. علمت بهذه الندوة عن طريق الجريدة وبعض المعارف من الذين اصادفهم في المقهى البسيط الذي ارتاده بين حين وآخر للاستماع الى بعض الاغاني العربية القديمة اضافة الى سماع احاديث الناس البدائيين من السواق والكسبة وعمال المطاعم فهم يصلحون مادة ثرة للكتابة, وقد كتبت بضع صفحات من الملاحظات ولم استطع الربط فيما بعد بينها بسبب ضعف قدرتي في السيطرة على الفكرة الشمولية لكتابة قصة ورواية مترابطة الاجزاء.دخلت القاعة مترددا اول الامر وقد هالتني كثرة الحضور واناقتهم العالية, وانا ببساطة هيئتي وملابسي الا انني أملت النفس بان اعثر على شخص اعرفه غير مدير الندوة الذي اعرفه ويعتبر احد اصدقائي القدامى وقد حضرت لسبب آخر.. اهم من الاستماع الى الثرثرة حول الموسيقى عربية كانت ام غربية, ففي مكتبتي العديد من ارقى الكتب في هذا المجال اضافة الى الاسطوانات والتسجيلات التي توهلني بعض الشيء للسباحة في المياه الضحلة قريبا من الجرف, وهذا ليس كافياً الا انني لا اعتبر هذا مجال نشاطي الرئيس.

اعتقد ان اهم احد اسباب القيام بهذه الندوات هو حب الظهور كأشخاص والتعارف ما بين الناس والشعور بالوحشة والحاجة الى الدفء, فالناس يحبون التجمع لهذا السبب اضافة الى ان هذا النقاش سيكون اكثر حيوية من مجرد الكتابة في الصحف فان الحضور الشخصي له ميزة اخرى ويحمل هذا حضور النساء, ولم اكن اعلم باني سوف اورط نفسي في خوض غمار هذا النقاش رغم حبي للصمت والعزلة والاستماع, ولكن هذا حدث فيما بعد رغما عني ووجدت نفسي بطريقة ما مسوقا للآندماج في هذا الوسط.

يبدو ان المصادفة قد هونت على الامر فها هي احدى معارفي القليلين التقيت بها ها هنا هي هدى, وكانت ترتدي ثوبا بدت به احدى عارضات الازياء, حتى اني انكرتها وتصورت انها سوف تتجاهلني فهي تبدو راقية اكثر من اللازم لهذا لم ابادرها بالتحية بل انتظرت حتى اقتربت مني وقرصتني من الخلف كما فعلت في مرة سـابقة كعادتها وحين التفت اليها كانت تضحك لارتباكي قلت لها: أهلا ماذا تفعلين هنا؟

قالت وهي تفتح عينيها: عجبا انا ماذا افعل هنا؟ بل انت ماذا تفعل هنا؟

قلت: وانا اطرق الى الارض مرتبكا بعض الشيء: أنا أسبابي مختلفة  ربما تعلمين اني لا أرتاد منذ سنين أي من هذه الاماكن.

  • اذن ما الذي جاء بك.. ما هذا دخان السكائر يزعجني.
  • تعالي الى هذا الركن.
  • انك لا تدخن هذا امر حسن.
  • اجل.
  • لماذا انت قليل الكلام غالبا؟
  • المشكلة ليست في.. عندما اجد موضوعا يستحق فاني اسرف في الحديث             عنه وحتى هذا لا افعله الا مضطرا.
  • لقد استغربت من مجيئك هنا فانت لا تظهر في اي مكان اذهب اليه.
  • لقد اعتزلت الناس ولدي اسبابي.
  • انت تنتظر غالبا المبادرة من الآخرين.
  • هذا صحيح.
  • حتى في العلاقات العاطفية.
  • كنت افضل العلاقات العابرة بعلاقات خالية من المسؤولية عندما كنت اعيش مع ابي وامي فبمجرد ما كنت انظر للفتاة تفهم ما أريد فتذهب الى الغرفة العليا وتنتظرني هناك وهذا كل ما لدي من علاقات, فهي عابرة غير جادة مجرد لهو ومرة نسيت ان اصعد فوجدت امي الفتاة غافية في سريري وكان امرا مضحكا. آسف لم يكن من حقي ان اتحدث عن اشياء خاصة مثل هذه.
  • ولكن ليس هكذا هذا كثير.
  • يبدو اني أخرق ولا احسن الكلام المنمق.. أنا احسد اولئك الذين يتحدثون بشكل لبق لساعات خصوصا مع الفتيات. وصمتنا دقائق فلم أطق صبرا واردتها ان تعرف بان سبب مجيئي هنا هو ليس الندوة فقلت: لم تسأليني عن سبب مجيئي لهذه الندوة كما اكرر المعذرة عن التفوه بالتفاهات.
  • سألتك ولم تجب ودعك من هذا.
  • سأخبرك الآن.
  • انت لست مجبرا ربما لديك اسبابك الخاصة.
  • نسيت ان اسألك .. انت هنا وحدك في هذه الامسية من سيعود بك الى البيت.
  • انا مع ابني.
  • اين هو؟
  • ذهب ليركن السيارة ويقابل بعض اصدقائه وسوف يأتي.
  • جئت الى هنا.. انا جئت الى هنا لأن مدير الندوة وهو قائد الفرقة التي عزفت قبل حين مدين لي, بمبلغ من المال ولست ادري له مكانا خيرا, من هذا.. انهم لا يعرفوني الا عندما يحتاجون الى نقود.
  • سوف يرتبك عندما يراك بين الحضور وهو يتوقع ان تطالبه بالدين بعد انتهاء الندوة.
  • امثال هؤلاء لا يرتبكون سوف ترين كيف سيتصرف.

 وبينما نحن نتحدث اذا بشاب مراهق طويل القامة ملتح يقترب منا ويتم التعارف بيننا فهو ابن تلك المرأة وبعد دقائق مر من امامنا مدير الفرقة الموسيقية ولا ادري لماذا تصورت انه سوف يتجاهلني, الا انه على العكس رحب بي ترحيبا حارا وبعد دقائق طلب مني ان اذهب معه الى غرفته الخاصة.

كانت غرفة صغيرة الا انها انيقة ليس فيها ما يشير الى الموسيقى الا عود موضوع على الاريكة, فلا تمثال لبتهوفن او صورة له او لغيره, لذا احترمت هذا الرجل لاني شعرت انه غير متبجح حيث جلسنا وقدم لي سيكارة الا انه سحبها وهو يقول: نسيت انك لا تدخن ولا تتزوج ولا تشرب.

  • بل اشرب.
  • ماذا تشرب؟
  • اشرب الماء مثل سائر الناس.
  • يا لك  من رجل بائس مسكين كيف تقضي وقتك؟
  • اقضيته في النوم.
  • فعلا.
  • اجل.

      ضحك وهو يقول متعجبا: في النوم لماذا؟

  • انظر.
  • ماذا تنتظر؟
  • لا أدري.
  • انك غريب الاطوار.
  • لا ادري ايهما الافضل وانت انقطعت عن التأليف واتجهت الى ادارة الفرقة.
  • لا أستطيع ان ابدع.
  • وكيف هو الوضع المادي؟

وهنا حاول ان يغير الحديث وهو يقول: هنا قلة في عدد المتناقشين في الندوة فقد غاب اثنان عن الحضور لأسباب قاهرة ولا اريد الغاء الندوة هذا امر معيب.

  • ما هو الحل اذن؟
  • اعتقد اننا يمكن ان نتلافى هذا النقص.
  • كيف؟
  • اقترح عليك ان تكون انت احد المشاركين فيها.
  • باي صفة اشارك في ندوة عن الموسيقى؟
  • بصفة كاتب له ضلع في الموسيقى واراء لن نتحدث في حرفيات الموسيقى بل في التذوق الموسيقي.. علاقة المجتمع مع الموسيقى.
  • وماذا اعرف انا عن هذا؟ لا تجعل مني سخرية.
  • لا تتواضع.. لقد قرأت لك مقالا في هذا الصدد.
  • الم تسخر منه.
  • بل اعترض عليه اثنان من اعضاء الفرقة ولكن يمكنك ان تقول شيئا افضل بعد هذه المدة من نشر المقالة وخاصة فانك حيث تتحدث تكون اكثر تأثيرا اعلم انك ستعطي الموضوع حقه.
  • ولكن لماذا أزج نفسي في هذه الامور؟. انا لم أجيء لهذا السبب.
  • اعلم لماذا جئت ولكن اعلم انك بهذا تسدي لي خدمة لن انساها.
  • انك تضع ثقتك بي كثيرا.. ثم اني مهمل الهندام ولست رجل مجتمع هناك نساء كالملكات سوف يجلسن ويبحلقن في وجهي وهذا مما يحرجني.
  • انا اعلم انك حين تتحدث سوف يبدد حديثك كل الاوهام التي تشعر بها الان.. سوف ترى.
  • لست مجبرا على هذا.
  • الا يغريك هذا سوف تكون محط انظار كل الحضور اكثر من نقاد الموسيقى.
  • انا افضل ان اعرف كأسم وليس كشخص سوف اكره نفسي ان الامر لا يخلو من اغراء الا انني سأكره نفسي بعد هذا.

*   *   *

كنت جالسا محرجا امام حشد من الناس, كيف ورطني صديقي في هذا الامر؟ كان امامي ما يكرفون وقد سبقني في الحديث شخصان من محترفي الموسيقى والنقد  ولم انتبه لكل ما قالوه بل كنت ابدد حرجي في تسجيل بعض الملاحظات في ورقة امامي على ضوء بعض ما سمعته وعندما سمعت اسمي يتردد وكأن احداً ما يوقضني من النوم, كان علي ان ابدأ وشعرت كما يشعر به المظلي وهو يقذف بنفسه لأول مرة من الطائرة, تنحنحت قليلا لأتأكد بان صوتي لم يهرب مني وتلمست فمي لأتأكد من وجوده فهو أداتي بعد عقلي, وبدأت ولم اكن اعلم اين سينتهي بي المآل وعلى حين غرة تذكرت المقال الذي نشرته قبل اشهر في احدى الصحف, وقد كنت اتذكره بصورة جيدة فعلمت ان الفرج قد جاء من حيث لا أحتسب فبدأت القول: ان العلاقة بين المحلية والعالمية من المحاور المهمة التي يدور حولها النقاش بين الموسيقيين والنقاد حتى لتكاد تصبح فكرة تسلطية وتتحول من اطارها الفني البحت لتدخل في مجال الهاجس الاجتماعي والنفسي, من حقنا ان يسمعنا العالم ولكن متى يصبح هذا الحق مشروعا ممكنا وطموحا مبررا, أولا يجب ان نرفع الالتباس فقد نقول احيانا الموسيقى العربية قاصدين بهذا الغناء العربي يجب ان نثبت قبل كل شيء باننا نملك ما يسمى موسيقى عربية في الوقت الحاضر, ثم يمكن بعد هذا ان نبحث الموضوع او نلغيه ويمكن القول اننا نملك عربيا من القطع الموسيقية النادرة وما يتخلل الغناء من فواصل موسيقية وهذا يجعلنا غير قادرين على القول بان هذه الموسيقى يمكن ان تناقش خالصة حسب الاسلوب المتبع في العالم المتقدم والذي نطمح ان نصل اليه كما وصل, اما ظهور حالات خاصة كتلك التي اشار اليها الاستاذ عبد الامير جعفر في حديث عن بعض العازفين الموهوبين لاستخدام صيغ التأليف الاوربي في اعمالهم الموسيقية المتتالية والافتتاحية وصولا الى تأليف السيمفونيات التي طبع عليها طابع الصيغ المقتبسة من التراث الغربي, تقف في مقدمة هذه الاعمال لرواد التأليف الموسيقي في مصر يوسف جرجيس ورفعت جرانة وابو بكر خيرت وجمال عبد الرحيم وتحدث ايضا عن اول عمل اوركسترالي عراقي كان للفنان فريد الله ويردي وهو القصيد السيمفوني المنصورية التي كتبت عام  1959 لفرقة اوركسترا كبيرة تلتها اعمال اخرى للفنان عبد الامير الصراف الذي وضع موسيقى اول باليه عراقي هو الاجنحة السحرية.