لوحات تستعيد ذكريات الوفاء –فنون- عبد الحسن علي الغرابي

المعرض الشخصي الخامس للفنان حسين نعمة

لوحات تستعيد ذكريات الوفاء –فنون- عبد الحسن علي الغرابي

  تنحني كل الزهور والسنابل  عندما يغرد عندليب الجنوب  على ألحان القيثارة السومرية ، ترقص النخيل على ضفاف الفرات ، بين الزقورة والناصرية يحدثك التاريخ عن العمق الحضاري وما دّون الخط المسماري من حكايات وأساطير ، بين الماضي والحاضر حبل من التواصل خط بألوان تغني بصمت على قاعة برج بابل بغــــداد \ شارع أبو نؤاس يوم 24/12/2015 كانت لنا وقفة تأمل مع كل لوحة من لوحات المعرض الشخصي الخامس للفنان الكبير حسين نعمة الرجل السبعيني وكما يطلق عليه ” عندليب الجنوب ” وفي حديث لنا عن ما نطقت ألوان ريشة الفنان نقول له : ما أكثر وجوه الشبه بين عمل المهندس والشاعر والموسيقار والرسام ، كل واحد من هؤلاء ، فنان ، ومبلغ الصدق في نسبتهم الى الفن إنهم جميعاً ينشدون النظام والجمال فيما يعملون ، المهندس الذي يصنع تصميم بيت جميل يراعي النسب والأبعاد ليخلق هندسة معمارية فنية ، والشاعر الرهيف الذي يضع تصميم قصيدة مموسقة يراعي النسب والأبعاد ليوجد هندسة شعرية فنية ، هذه هي الفنون عند سائر الفنانين … ما هي تلك النسب والأبعاد ؟ أهمية التوافق والانسجام بين خط وزاوية في عمل المهندس ، وبين ضوء وظل في عمل الرسام ، وبين نغمة وشعور في عمل الموسيقار ” ملكة التنظيم ” وحدها هي محور الأساس الذي يشرف على هذه ” الهندسة الفنية ” سواء أكانت معمارية أم موسيقية أم تصويرية وإذا كان المهندس يجلس الى منضدته وأدواته بين يديه ، فالرسام يجلس الى نفسه وأدواته ليضع التصميم الفني لينتج لوحة بريشته وألوانه الجميلة ، تنمي ذوق المشاهد ، كما أبدع الفنان حسين نعمة في مجمل لوحاته الفنية ، وهو كفنان موهوب يقتنص الفكرة أول ما يتلقاها عن طريق الألهام العابر في لحظة من لحظات الذهول ، يتلقاها جنيناً تدب فيه الحياة ، ليكمل بناءه وأعداده ليبهر المشاهد بجمال الخلق .. هنا يتحكم العقل الواعي الذي يوحي للفنان الرسام ليقول : احرص على أن تكون النسب الفنية بين الزوايا متعادلة ، ضع هذا اللون المناسب لحقيقة المشهد كما تخيلته في الطبيعة ، ألق هذا الضوء الباهر من هذا الجانب ، ركز هذا الظل القاتم ليزيد من قوة الإيحاء .. كانت أمسية جميلة ونحن ندور في قاعة المعرض ، بين حشد كبير من الفنانين والمثقفين ومصوري القنوات الفضائية ، وحضور أبناء الناصرية المقيمين في بغداد تغمرهم فرحة رسمتها ذكريات الوفاء للمدينة وأبنها الفنان الذي من بين أهم خصاله الحميدة ، أنه تميز بالحب والوفاء للناصرية ، فهو الابن البار الذي لا يغادر حضنها ، أنه أدى رسالة الفن بعد أن اعتلى سلم الشهرة ، كنجم عال في سماء الإبداع العربي ، كان ظاهرة صوتية ، تألق وأبدع في منتصف ستينات القرن المنصرم ، فنان متعدد المواهب بلغ من كمال الوعي ووضوح التعبير وجمال الأداء ، ليكن من بين الذين ربط الفن الى عجلة المجتمع ، بأصول الأداء النفسي بصوته الشجي في الشعر والموسيقى ، على مدى خبرته بتلوين الألفاظ والأجواء ، ليخلق صلة بين الفن والحياة ، بأصدق ما يكون الأداء ، يمكن أن نقول أن هذه الموهبة النادرة ، أنبتتها الوراثة ، وأنضجتها التجربة ، وتولتها الموهبة بالعرض والتقديم .. لقد ولد في مهد مدينة العلم والفن والعمق الحضاري ، وشب في أحضان النبوغ والإبداع ، في مدينة ولادة ، تميزت بما أنجبت من قامات في مختلف المجالات ، كما لا ننكر أن الجهد والمثابرة جديران بخلق عمل فني كامل ، عرفنا الفنان منذ نعومة أظفاره ، اتسم بالطموح والذكاء ، جريء شجاع مثابر ، تعددت هواياته الفنية ، هوى التمثيل ووقف على المسرح  وهو طالب في المتوسطة على مسرح ثانوية الناصرية ، وغنى كهاو مقلداَ فهد بلان والمطرب الريفي داخل حسن ، نال رضا واستحسان جماهير المدينة ، التي أوكلته أن يحمل رسالتها الفنية الى العاصمة بغداد  عام 1969 ليجد المجال الرحب ، وتصدح حنجرته الذهبية بصوته العذب ، ليكن من بين أبرز الفنانين العرب .