أحمد المفرجي وسامي السراج يلتقيان في كتاب عن الفن المسرحي
توثيق أعمال 3 سنوات حافلة بالنشاط – فنون – الزمان
في الوقت الذي تعاني فيه الحركة الفنية العراقية من قلة الإنتاج، ومن ضعف العوامل الدافعة للابداع فان الكثير من وثائق هذه الحركة يتعرض للاهمال والنسيان، وتتعرض أسماء مهمة الى ذلك أيضا ومن اجل توثيق ما قدمته هذه الحركة من نشاطات واعمال واستذكار أسماء مهمة مارست أدوارا مهمة في المراحل السابقة تدعو جريدة (الزمان) الى تزويدها باية معلومات في هذا المجال، وهي تستذكر في اطار ذلك الفنانين الراحلين احمد فياض المفرجي وسامي السراج وهما غابا وكأنهما لم يعملا شيئا من قبل،
وإذ نذكرهما فاننا واثقون انهما من الذين يستحقون الذكر والدراسة والتخليد في الحركة الفنية العراقية ذلك ان الفنان والباحث احمد فياض المفرجي يعود اليه فضل توثيق النشاطات الفنية العراقية من مسرح وسينما وتلفزيون، وتوجد له بصمات في منجزات فنية أخرى، والثاني الفنان الكبير سامي السراج الذي عاهد الحركة الفنية في اكثر مراحلها ازدهارا وانتاجا، ولكي تجمع بين المفرجي والسراج فاننا نقدم وثيقة مهمة تعبر عن رأي الأول في الثاني، اذ كان الســـــــراج عام 1987 قد اصدر كتابا بعنوان (صفحات ظاهرة وخفية عن الحياة المسرحية والتلفزيونية العراقية) ويتركز على دوره في هذه الصفحات، وقد كتب مقدمة الكتاب الفنان والباحث احمد فياض المفرجي، وهي تتناول مسيرة الفنان السراج، وفيما يلي بعض صفحات من المقدمة: اذ يقول المفرجي فيها: (لهذه المقدمة وظيفتان، الأولى التعريف بمؤلف الكتاب والثانية التعريف بمعهد الفنون الجميلة ولاسيما بالفترة التي سبقت عام 1962 والتي ترجع الى بداية طرح فكرة تأسيس معهد الفنون الجميلة في العراق أواسط الثلاثينات من القرن العشرين، ويمكننا ان نجمل الوظيفتين في وظيفة واحدة هي التعريف بالكتاب مؤلفا ومضمونا، فالمؤلف سامي السراج كما اعرف ولد في 23 تشـــرين الأول 1943 بمدينة بعقوبة (محافظة ديالى) وتخرج في فرع التمثيل والإخراج بمعهد الفنون الجميلة عام 1965 وفي الشهر الحادي عشر من العام المذكور عين مدربا فنيا في مديرية الفنون الجميلة بوزارة التربية، وفــــــــــي أيلول 1974 نقلت خدمــــاته الى المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون وفي شـــــــــــــهر اب 1981 جاء الى الفرقة القومية للتمثيل التابعة لدائرة السينما والمسرح، ليكون احد أعضائها وفيما بعد اصبح مديرا لها، وهو الان ممثل فيها، ومنذ دخوله الإذاعة والتلفزيون لم ينقطع عن هذين المجالين، فقد واصل العمل فيهما ممثلا ومقدما للبرامج المتنوعة وخاصة المنوعات منها. ونال سامي السراج جوائز وشهادات تقديرية لحسن أدائه في النتاجات التي شارك فيها، وقد لفت اليه انتباه الجمهور والنقاد في مسرحيتي (الباب والعودة) اللتين قدمتهما الفرقة القومية للتمثيل في موسمها 1986 و1987 وهما من تأليف الشاعر الكبير يوسف الصائغ وإخراج الفنان المبدع قاسم محمد، والى جانب نشاطه ذاك فان للفنان سامي السراج نشاطات أخرى متنوعة فهو عضو الشعبة المسرحية في نقابة الفنانين المركز العام وعضو في المكتب التنفيذي للمركز العراقي للمسرح، ويبدو ان هذا النشاط لم يستوعب الا بعض طاقته الفنية المبدعة التي وجدت لها منفذا اخر للتعبير عن مكنوناتها، وتمثلت تلك الأداة في كتابة المقالات عن الحياة المسرحية الراهنة في العراق وعن التظاهرات الفنية العربية التي يشارك فيها، وان سامي السراج في ذلك كله لم يتجاوز حدود الذاتية، فهو يحرث في ارضه ويزرع في حقلها، ولعل هذه المسؤولية التي أسسها لنفسه في ميدان الكتابة هي التي قادته الى وضع كتاب يؤرخ فيه سنوات دراسته في فرع التمثيل بمعهد الفنون الجميلة ببغداد وهي مبادرة منه، اراها محمودة في نواياها ونبيلة في دوافعها الا انني وبعد ان راجعت صفحات الكتاب هذا، وجدت ان مما وثقه سامي السراج في كتابه عن فرع التمثيل بمعهد الفنون الجميلة ببغداد، جاء ناقصا فهو في حاجة الى جذور تعرف بنشأة الفرع المذكور وتطوره ليكون القراء على اطلاع بهذه النقلة المعرفية في تاريخ الفن في العراق وهذه مهمة القسم الثاني من المقدمة، فقد ظهرت الضرورة الى معهد دراسة الفنون في مطلع عقد الثلاثينات حيث اتسعت النشاطات الفنية ولاسيما فنون الموسيقى والمسرح والرسم ولعدم توافر مستلزمات مثل هذا المعهد في ذلك الوقت فقد اتجهت النية الى ارسال عدد من الفنانين الى الخارج لاستكمال دراساتهم، على ان يستحدث معهد للموسيقى يكون نواة للمعهد الشامل، وقد تأسس المعهد الموسيقي من قبل وزارة التربية والمعارف سابقا في اخـــــــر سنة 1936 وذلك لاقتصاره على تدريس الموسيقى كما ذكرنا، وابدل اسم المعهد الموسيقي الى معهد الفنون الجميــــــلة في سنة 1940 عندما تقرر تدريس فنون التمثيل والرسم والنحت الى جانب الموسيقى على اثر انهاء أعضاء والبعثات الفنية دراستهم في اوربا مثل الفنانين الرواد: حقي الشبلي (المسرح) وفائق حسن (الرسم) وجواد سليم (النحت) ومن قبل هؤلاء الفنانين الكبار كان حنا بطرس الموسيقي قد واصل عمله في تخصصه من قبل. حددت اهداف المعهد الجديد في ذلك الوقت بـ(العمل على إيجاد نهضة فنية وادبية راقية تبنى على أسس متينة وقواعد ثابتة ودراسات نظرية وعملية عالية لاظهار انتاج فني ناجح وتأسيس فرقة رسمية للموسيقى والتمثيل ونشر الثقافة العامة عن طريق المسرح والسينما، وان شعار المعهد التضحية الصادقة والجهد المتصل والغاية السامية التي تقود الى تحقيق الأهداف النبيلة والغاية المنشودة). واتخذت بناية تقع في شارع ابي نؤاس مقرا للمعهد.. وكان امد الدراسة في مختلف فروعه ثلاث سنوات، وهي اليوم خمس وكانت هذه الدراسة مسائية، لغاية أواسط الخمسينات حيث أصبحت صباحية وكرست الدراسة المسائية للهواة. وتشير وثائق فرع التمثيل بالمعهد الى ان عمداء او مدراء المعهد خلال الفترة الواقعة بين عـــــامي 1962 – 1940 هم الشريف حيدر محيي الدين وحقي الشبلي وذنون أيوب واسعد عبد الرزاق وجاسم العبودي ود. عزيز شلال عزيز اما رؤساء الفرع فهم حقي الشبلي وجعفر السعدي.. ومن مدرسي الفرع خلال الفترة التي نؤرخ لها. فاننا نذكر منهم عبد الله العزاوي وصفاء مصطفى وإبراهيم جلال وجعفر السعدي وجاسم العبودي وناجي الراوي وحامد الاطرقجي ويوسف العاني وجعفر علي ومحمد امين ومسز سوفتي وترودي متلمان وماركيت العبودي ود. علي الزبيدي وعبد الجبار ولي وعمر العيد روسي وكمال نادر وبهنام ميخائيل وسعدون العبيدي.. ومع هؤلاء الأساتذة الافاضل لابد من ذكر محمد شكري المفتي معاون عميد المعهد لشؤون الطلبة. وقد اعتاد فرع التمثيل بالمعهد تقديم انتاج او انتاجين كل عام من اخراج الأستاذ حقي الشبلي. وجربا على ذلك فقد عرضت مشاهد من مسرحيات لكتاب معروفين في المسرح العالمي مثل شكسبير ومولير، كما تم اقتباس نصوص أخرى، ومن مجمل ذلك نذكر (معرض الجثث) و(الطاحونة الدامية) وهذه الثانية اعدت لتصور الكفاح الوطني ضد المعتدين، وقدم المعهد (فتح بيت القدس) لفرح أنطوان وذلك تجاوبا مع القضية الفلسطيــــــــنية في حرب 1948 ومعها قدم فرع التمثيل مسرحية شعبية بفصل واحد هي (عقول في الميزان) اعدها الأستاذ حقي الشبلي الذي اعد من قبل مسرحية أخرى اسمها (محاسن الصدف) ومن نتاجات المعهد عام 1944 يشير الى (الوطن) للكاتب الفرنسي فيكتوريان ساردو. وفي الخمسينات قدم فرع التمثيل بمعهد الفنون الجميلة في مطلع الستينات نتاجات مازالت في موضع الاستذكار، منها (يوليوس قيصر) للشاعر الإنكليزي وليم شكسبير و(شهرزاد للكاتب العربي المعروف توفيق الحكيم، وهما من اخراج الفنان الشبلي، وبعدهما عرضت مسرحية (الحقيقة ماتت) تأليف عمانؤيل روبلس وإخراج جاسم العبودي.. وكانت هناك مسرحيات أخرى، ومن الملفت للانتباه امام الباحث في تاريخ معهد الفنون الجميلة ببغداد، تلك المشاركة الجادة والمؤثرة في النتاجات المسرحية التي يقدمها المعهد كل عام، من قبل أساتذة فروع الرسم والنحت والموسيقى، ومن يرجع الى وثائق تلك العروض يجد ان الاستاذين الفنانين كانا يصممان (المناظر) بالاشتراك مع الطلاب (فاروق عبد العزيز وخالد الجادر وسلمان داود وإسماعيل إبراهيم الشيخلي ومارشال اسمر ونوري عبد الجبار ونعيم جميل نعيم وفاضل عباس).
وكان من ثمار قيام المعهد وتخرج اول دفعاته تأسيس (الفرقة الشعبية للتمثيل) التي جاءت تعبيرا عن ادراك تلك النخبة بأهمية ان تكون للمسرح منعطفات جديدة. ومن أولئك كان عبد الكريم هادي الحميد وعبد الجبار ولي وإبراهيم جلال وجعفر السعدي واكرم جبران واحسان سامي وتقي البلداوي.
وكان من القربين الى هؤلاء الأستاذ صفاء مصطفى الكاتب المسرحي المعروف الذي تولى التدريس في المعهد منذ دورته الأولى. ان الفترة الواقعـــــــــــة بين عــــامي 1940 – 1962 قد شهدت الكثير من الجديد في لفن المسرحي، من ذلك ان أسماء جديدة من عباقرة المسرح العالمي قد طرقت أبواب الحركة المسرحية في العراق، مثل ستانسلافسكي وبريشت وماكو، كما (ان الإخراج قد اتجه الى المدرسة الحديثة في تصميم الديكور، حيث اعتمد على البساطة والاقتصاد والجمال في المناظر على حد تعبير الناقد للمسرحيات في مجلة الوادي).. هذا ما ذكره الفنان سامي عبد الحميد في مقالة له نشرت في جريدة الجمهورية البغـــــــــــدادية عام 1973.
وبعد فان كتاب الفنان سامي السراج، يأتي توثيقا لنشاطات سنوات ثلاث من تاريخ الحياة المسرحية في العراق، كانت مفعمة بالعمل الجاد والحماس والطموح، ففي أجواء سنوات الستينات تمت صياغة جيل جديد من الفنانين المسرحيين الذين انتشروا في رحاب العراق لقيادة النهضة الفنية التي قامت في قطرنا عبر العقدين التاليين..
وآمل ان يكون هذا الكتاب حافزا لتلامذة وفنانين اخرين مثل سامي السراج أوفياء لانفسهم وفنهم، فيكتبوا للأجيال اللاحقة صفحات من تجاربهم وتاريخنا الفني، وهو امر مطلوب وله ضرورته.























