قصة قصيرة
حين فقدت المرأة عينيها – نصوص – علي حسن
كان اسمه احمد اغا . وكان رجلا تركيا . لكنه تخلى عن تركيته حينما اتخذ له امرأة من المهدية . كانت امرأة بلون زهرة الليمون وفيها شيء من ملاحة فراقت في عينيه وقررأن تكون امرأته . ولم يمض إلا أسبوعان حتى كانت في بيته . لم تره . بل كان بالكاد يلوح لها ولذلك كانت حينما يختليان ببعضهما تمد يدها الى وجهه وتتلمسه وكانت تجد لذة ناعمة في بدنها حينما تفعل ذلك فتضحك فكان هو يسألها عن ذلك فتقول له ان وجهه قاس لكنه جميل فيبتسم أحمد أغا ولا يقول شيئا . ومرت عليهما ايام لاتعد وفي يوم ربيعي مات احمد اغا . وبكته هي كثيرا . وقامت المهدية بتغسيله وتكفينه وذهبت به الى مقبرة الغزالي وهناك دفنته ودفنت معه كل شيء يتعلق به عداها هي وبذلك لم يعد لأحمد أغا وجود ما لأنه لم يعطها ما كانت تأمله منه فقد كان معدما رغم ثرائه ولم يمنعها ذلك من أن تظل على عشقها له .
ولم تنسه المهدية أبدا وظل يحوم في رأسها كلما سمعت أحدا ينطق بكلمة اغا . كان دمثا . لم يؤذ احدا بل كان ودودا فأحبته وآثرته عليها رغم شراسة كانت فيها ولذلك لم تقطع امي قدميها عنها بل ظلت تعودها كلما قنصت لحظة من وقتها فتجلسان معا وتتحادثان ما طاب لهما ذلك وكثيرا ما خرجتا الى السوق معا فبدأت تشعر بدبيب الحياة يعود اليها شيئا فشيئا لكن أحمد أغا ظل مقيما في نفسها ولذلك رفضت أن تكون تحت رجل آخر غيره فعجبت انا لذلك وسألت أمي فقالت ما أنت وهذا . دعه ولا تفكر فيه . وأطلقت ضحكة عالية لم أفقه لها سببا لكن بعد سنين طويلة أدركت ما أرادت .
وفي ضحى يوم صيفي وكنت العب لعبة سمبيلة السمبيلة في الزقاق رأيت رجلا وبيده كلب يطرق باب بيت أحمد أغا فاتبهت لذلك وركضت الى امي وأخبرتها بما رأيت فرفعت الي عينيها وقالت أتقول الصدق يا فتى فقلت لها اذهبي إن شئت ذلك . فما كان منها إلا ان نهضت عن طعامها وذهبت اليها وهناك رأته . – ماذا يفعل هذا الكلب هنا ؟ قالت أمي – اريده معي . قالت هي . – وما حاجتك اليه ؟ سألتها أمي . – أريد أن أرى به . قالت هي ذلك فصمتت امي وقامت عنها لكنها قالت لها ان تبقى معها فبقيت . ومن خلال الكلام بينهما عرفت امي انها تريد ان تعمل فقالت لها ان ما تركه لها أحمد أغا يكفيها لسنين طويلة جدا . فقالت انها تعرف ذلك لكنها تريد أن تأكل من يديها هي . عند ذاك قامت امي من مكانها واحتضنتها فاطلقت هي ضحكة قصيرة من فمها وهزت رأسها فانتبه لها الكلب ورفع عينيه اليها وحدق فيها .
وقامت هي بتعليم الكلب ما تريده منه واعتمدت في هذا على ما كانت تنطق به أو تشير اليه فأدرك الكلب ذلك منها سريعا مما بعث الفرحة في نفسها وسرها ما كانت ترى منه وعندذاك بدأت تعجن عجينها بيديها وتقوم بخبزه رغم ما كانت تلاقي في ذلك من شدة لتبيعه لمن يريد فأقبل عليها من أقبل واستمر على إقباله بعد أن تبينت له نظافة العجين وطيب مذاقه .
وحين حل الصيف وغدا في اواسطه نزل الرطب الى السوق وكانت بها اليه شهوة عنيفة وقد رأيت ذلك منها ذات يوم وعندها ضحكت . فانتبهت هي لذلك ورفعت رأسها عنه وقالت لي – لاتعجب مما ترى . فلا قدرة لي عليه . فقلت لها – اني أرى هذا . عندها توقفت هي عنه وقالت – اذهب يا فتى . لقد فتحت جرحا في قلبي . اذهب . فذهبت عنها . خطر هذا في بالي ، حينما نادت علي وقالت لي – قل لأمك إن الرطب نزل . وإنني ذاهبة الى السوق . فذهبت عندها لأمي وأخبرتها بذلك فقالت – دعها تنتظر. وحينما أخبرتها بما قالت أمي التفتت هي الى الكلب وقالت له الا يجعل احدا يدنو من العجين لاسيما تلك القطط وانها لن تغيب طويلا إنما هي دقائق وتعود ولما سمعت صوت امي تركت البيت وذهبت .
ظل الكلب وحده . ينظرهنا . وينظرهنا . ثم ينظرالى ما حوله . وتوجست حواسه ونشطت وكان المكان في صمت عميق وسكون تام . القطط الثلاث السوداء . اليمامتان اللتان كانتا تلقطان ما تريانه على الارض . شجرة السدر الكبيرة . وحنفية الماء النحاسية . وتقدم نحو العجين وظل ينظر الى ما في ساحة البيت لكنه لم ير شيئا وعندها مد يديه ووضع رأسه بينهما وترك عينيه تنزلقان على الأشياء . ومرت لحظات قليلة لم يلاحظ فيها أيما شيء . لكن ذلك لم يدم طويلا إذ نبهه احساسه الى ان شيئا ما كان معه في البيت غير ما يرى . فارتبك قليلا وشعر بثقل في أنفاسه لكنه ظل ساكنا إلى أن ارتمى أمامه ظل طويل وعندها رفع رأسه وأداره فرآه . كان يقف خلفه رجل لم يره من قبل . لكنه راى في عينيه شرا . فاقترب منه وهرعليه فاستفزذلك الرجل فضربه بآلة كانت في يده فأحس الكلب بألم شديد فقد على إثرها أعصابه فهجم عليه فما كان من الرحل إلا أن رماه بالنارفشعر الكلب بدوار في رأسه لم يلبث بعده أن ارتمى على الارض . أدركت القطط ما حصل فماءت بصوت عال وهربت . بينما طارت اليمامتان الى شجرة السدر . واحتوى الصمت المكان .
دخلت امرأة أحمد أغا البيت فأحست أن المكان ليس على طبيعته التي تركته عليها فنادت على الكلب فلم يرد على ندائها ونادت مرة اخرى فلم تسمع صوتا منه عندذاك وضعت ما كان في يدها وتقدمت قليلا فارتطمت به . صرخت ونادت علي . ولما جئت رأيتها تمرر اصابعها على جسمه . – ما به ؟ سألت أنا – لا أدري . يبدو أنه نائم . ولم تكمل ماأرادت أن تقول حتى وقعت يدها على فتحة صغيرة في جسمه فعرفت ما حصل له فصرخت وقامت على حيلها ورفعت يديها الى الاعلى وبدأت تهمس بكلمات لم أفهم منها شيئا في حين كان دمعها يسيل على وجهها الجميل فزادها ذلك جمالا . وما أريد أن أقوله حقيقة إن بكاءها على الكلب لم يكن مثل بكائها على أحمد أغا .
وشاع في المهدية أن رجلا منها وجد مقتولا على شارع القناة وقد ثقبته رصاصة لم تشأ ان تتركه فظلت فيه . حدث ذلك بعد موت الكلب بيومين . فكان في المهدية قتيلان خلال اسبوع واحد لم يعرف أحد كيف تم الجمع بينهما . لكن ما لم تعرفه المهدية ان امرأة أحمد أغا لم تخبزعجينها ذلك اليوم بل رمت به في مكب القمامة . وحينما علمت أمي بذلك سألتها عنه فقالت إنها خافت منه – وكيف ذاك ؟ إنه عجين . قالت امي – ولأنه عجين فقد رأيت ان ألقي به . الدنيا لاتؤتمن يا أم علي قالت ذلك وضحكت . وكانت ضحكتها مرة مثل طعم الحنظل .
{ من المجموعة القصصية : الشتاء الأبيض . لما تطبع .























