نجوم وروائح وجسور وغبار – نصوص – علوان السلمان

هوامش على أنغام وتريات النواب الليلية

نجوم وروائح وجسور وغبار – نصوص – علوان السلمان

لقد شهدت الشعرية العراقية تحولات متفاوتة  تناولت بنية البيت الشعري التقليدي وانتهت بالنص المفتوح بعد مرورها بنص التفعيلة وقصيدة شعر فالنص النثري والومضي (القصير جدا) المكثف دلاليا والموجز بالفاظه اللغوية..كون  اللغة ملكة تدخل في كل جانب من جوانب حياة الانسان وفكره ..كما يشير الى ذلك جومسكي في كتابه (اللغة والعقل)..اما عند دي سوسير فهي ( نظام من الاشارات التي تعبر عن الافكار….)..

واللغة الشعرية لغة متفردة تعتمد الفاظا اكثر حيوية من التحديدات التي يضمها المعجم كما يقول الدكتور عز الدين اسماعيل في كتابه (الاسس الجمالية في النقد العربي)..وهذا يعني انها لغة لها خصوصيتها المتمثلة في التكثيف المعنوي الناشئ عن الانزياح الفني في الدلالة ..مع حضور الخيال والعاطفة والايقاع الموسيقي..

  والشاعر مظفر النواب الظاهرة المرتبطة بدرجة نمو الوعي السياسي والاجتماعي والفني في المجتمع..المثقف العضوي ـ على حد تعبير المفكر الايطالي غرامشي ـ كونه القريب من معاناة الطبقات الاجتماعية المسحوقة..فكان صوت الضمير الانساني في وترياته الليلية القصيدة المحملة بالرمز الذي هو كيان متكامل في بناء القصيدة ..فشكلت لغة ثابتة تبعث نفسها بين الحين والحين..اضافة الى انها فواصل من التداعيات يشكل منها الشاعر صوره التي هي في اغلب وترياته لوحات تشكيلية من التشبيهات والاستعارات ..والاستعانة بالتراث لخلق الدلالات الموحية ..ورموز الشخصيات التي يأتي في مقدمتها (علي بن ابي طالب)الذي يقف على راس رموزه اذ يستجير به الشاعر..

غامت عيناي من التعذيب

تشقق لحمي تحت السوط

فحط علي راسي في حجريه

وقال: تحمل..

فالشاعر يوظف اللغة المشحونة بالدلالات الذاتية مع اتكاء على التراث والرمز بطابع يستند  الى التصوير الفني والنزعة النفسية في حيز ادراكها ..اذ هناك الحسين الاهوازي القرمطي الذي قاد حركة القرامطة في القرن الرابع الهجري ورفع شعار اشتراكية الارض والسلاح ..

وانا قرمطي اولئك قالوا:

مشاعة الارض ومشاعة السلاح

ولكن لم يقولوا:

مشاعة الانسان..

اضافة الى ابي ذر الغفاري ولوممبا وجيفارا…

 لذا فهي تشكل نسيجا نصيا من الشائع في الواقع والبعيد الآفاق..فالشعر النوابي من حيث الصياغة يمتاز بقوة التعبير ومتانة اللفظة الموحية الدالة مع قدرة توصيفية لا تتجاوز الحركة واللون بكل تفاصيلها..فضلا عن انه يقترب من المتن العامي واليومي الذي يشكل ظاهرة اسلوبية في لغة النواب الشعرية .. وهو يعتمدها لانها اكثر ايحاء واقترابا من المجموع الكلي(الشعبي) .. اضافة الى انها تثير تداعيات في ذهن المتلقي.. ومن ثم تحقيق شعبية القصيدة .. التي هي لوحة زخرفية بعلاقاتها المتناغمة التي تمنحه طاقة للتواصل بين العالم الوجودي والعقل والروح والحواس..

انقذ مطلقك الكامن في الانسان

فان مدى المتبقين من العصر الحجري تطاردني

انقذني من وطني ..

اذ ذاك التف على جسدي الواهن روح المطلق

متشحا بالقسوة والنرجس والزمن

  فالشاعر يوقظ الذاكرة التاريخية باستعماله المفردة المعجمية ليمنح لغته الشعرية سيمياء التراث كمادة تمثل ابعادا روحية وفكرية تعكس وجوده وتطلعاته..فضلا عن انها تسهم في اثراء قاموسه الشعري وتعزز ايحاء اللفظة عن طريق طاقتها التعبيرية..وليؤكد حضور الماضي في تراكيبه الشعرية ..وهذا مادعاه ت. س. اليوت (الحس التاريخي) ..

من هذه الارض ابتدأت دعوة ، ابتدأ بها اسماعيل

ثم تلقفها القرامطة ، وانا قرمطي اولئك قالوا:

مشاعة الارض ومشاعة السلاح ، ولكن لم يقولوا:

مشاعة الانسان ، وانا ايضا مع مشاعة الارض

ومشاعة السلاح ولكن لست مع مشاعة الانسان..

فالتوحد يتحقق في النص على مستويات فنية متعددة منها المباشر ..اذ صورة الانسان واضحة بملامحها البشرية جلية بصفاتها الانسانية ..اضافة الى اقترانه باحساس الشاعر الحاد بعلاقات الواقع وحضوره العميق فيها..

خذني وامسح فانوسك في الليل

نشع بكل الاسرار

لاتلم الكافر في هذا الزمن الكافر..

فالجوع ابو الكفار..

مولاي انا في صف الجوع الكافر

مادام الصف الآخر يسجد من ثقل الاوزار

فالنص مشحون بالافكار الفلسفية النابضة بالصدق والواقعية .. مع بروز منهج السرد مع تضمين النص قضايا فكرية وفلسفية من خلال التداعيات بين الفواصل والمقاطع والتي تأتي على شكل تجليات اشبه ما تكون بالحوار مع الذات .. مع رسم الصور الرمزية المشبعة بالخيال.. اذ تذوب صورة الانسان اللفظية او ما يدل عليه ويتصل هذا اتصالا فنيا ونفسيا بالطبيعة ..

ياطير البرق تأخرت فأني اوشك ان اعلن

باب العمر ورائي

اوشك ان اخلع من وسخ الايام حذائي

يا للوحشة ..اسمع

فوراء محيطات الرعب المسكونة بالغيلان

هناك قلعة صمت

فالنص مثقل بالرموز المتوالدة الصور المركبة نتيجة التداعيات الذاتية..اذ شحوب ويأس وحسرة وأسى ..اضافة الى ان الشاعر يعمد الى خلق التناسق الحاد لابراز حجم المعاناة والالم الذي يحيط بروحه وكيانه في زمن الرعب..

   وهناك المستوى الكلي الذي يجمع ما بين المباشر والرمزي ..اذ تداخل خطوط وملامح وابعاد الموضوعات الطبيعية والانسان والمرأة والوطن .. وهذا يعني وجود (الحالة الشعرية ) المنطلقة في دواخل المبدع والتي تمتلك القدرة على صهر هذه العناصر وتشكيلها تشكيلا فنيا وتحقيق قصيدة الرؤية ..التي هي ( ليست شكلا من اشكال التعبير وحسب وانما هي كذلك شكل من اشكال الوجود ..) كما يقول ادونيس.. ومن ثم تشكيل انضج واعمق صورة فنية تعتمد في علاقاتها على الاسس الفنية ..

في تلك الساعة من شهوات الليل

وعصافير الشوك الذهبية

تستجلي امجاد ملوك العرب القدماء

وشجيرات البر تفيح بدفء مراهقة بدوية

يكتظ حليب اللوز ..ويقطر من نهديها في الليل..

وانا تحت النهدين اناء

فالنواب في شعره يمتلك القدرة في نحت الكلمات وانتقاء اقربها..مع قوة الخيال والايحاء وامكانية على رسم الصور المتحركة الغائصة وسط الوان الكلمات والشواهد والاحداث التاريخية التي نقشت على سطوره الشعرية التي تكشف عن قدرة شاعرية تستحدث تراكيبها بما يناسب المقام .. وسبكها فنيا بحيث يعطي المعاني جمالا وحكمة ..ويملأها معنى وعمقا ..كقوله : (الحزن لدى الغرباء مذلة)..وقوله:

ياحامل مشكاة الغيب بظلمة عينيك

ترنم بلغة القرآن ..فروحي عربية

فالشاعر يوحي بالمفردات والمعاني القرآنية ..وهو يذكرنا بقوله تعالى ( مثل نوره كمشكاة )..اضافة الى ذلك استعماله صيغة البدل عوضا عن الاضافة فقال: ( ترنم باللغة القرآن) بدل قوله (ترنم بلغة القرآن)..  فلغة العصر وثقافته تسللت واحتلت موقعها في بنائه الشعري ووظفت نفسها واتخذت مواضعها الملائمة لبناء لغوي امتاز بمرونته فكانت قصيدته قريبة من التناول الواقعي..اليومي..

    لقد اعتمدت القصيدة الايقاع ذو النبرة المتناغمة بشكل دائري منغلق باعتماده الثبات واستعمال التفعيلة الواحدة في البيت الشعري او الجملة الشعرية مع تغير الروي بعد كل مقطع .. فهو يبني قصيدته على ايقاع بحر المتدارك القائم على موسيقى (فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن) ذو النبرة المتناسقة مع تغلغل الاحداث والوقائع بين سطورها مع استذكار للمدن والاماكن واعتماد التاريخية والتوثيقية مع سردية للافكار والتداعيات..

في العاشر من نيسان بكيت على ابواب(الاهواز)

فخذاي تشقق لحمها من امواس مياه الليل

    فالقصيدة حدثا اسلوبيا وجماليا ومعرفيا متميزا بصبغته الرؤيوية وفعله الموسيقي الذي تجاوز النمطية الفراهيدية واحلال نظرية السطر الشعري..كونه يستغرق من الزمن الشعري المقدار الذي يناسبه ويمنحه ابعاده المقصودة ..وهذا هو الايقاع الخارجي في المعمار الصوتي..اضافة الى تجاوز الرتابة الزمنية على حد تعبير عبدالعزيز المقالح ..اذ ان وزن البيت هو زمن الابيات في القصيدة ..وهذا ما حاولت القصيدة تسجيله بين سطورها..فكانت تتشكل وفقا لما تتطلبه طبيعة الشعر من اثر الخيال والتكثيف المعنوي الناشيء من الاقتصاد في السرد والانزياح في الدلالات ..فضلا عن حضور العاطفة ..وبذلك تكتسب اللغة في حالة التعبير الشعري مالاتكتسبها في حالات النثر الاخرى.. كما يقول الدكتور علي عباس علوان..

غادرت الفردوس المحتل

كنهر يهرب من وسخ البالوعات حزينا

احمل من وسخ الدنيا

ان النهر يظل لمجراه امينا ..

ان النهر يظل .. يظل .. يظل امينا

ان النهر يظل ..

فأين امرأة توقد كل قناديلي؟

لقد اعتمد الشاعر من الناحية الفنية على التناوب الديناميكي الذي يتحرك بين الحسي ـ البصري الذي يمومئ الى البنى المكانية من خلال (المشهد الشعري والصورة ..) والسمعي الذي يعتمد الايقاع الذي يغمر النسيج الشعري والذي يشير الى الزمانية.. ومن هذا التناوب تتفجر طاقات التخييل الشعري وتتخلق مساحات الانزياح بمستوياته البلاغية( تشبيه واستعارة وكناية..) والاسلوبية والرؤيوية والدلالية في بناء وتشكيل البنية الشعرية .. فالتكرار..الفاعلية البنائية المرتبطة بكتلة النص والذي يستخدمه الشاعر لازالة الشك وتوكيد المعنى المراد الاهتمام به ..فهو يدل على تسلط فكرة او حالة معينة على الشاعر كما يلاحظ (بودلير) ..اضافة الى انه يخلق ايقاعا شعريا داخليا تتسارع وتيرته من خلاله .. اما القافية فهي التي تزيد الايقاع الداخلي كثافة بتظافرها مع عناصر الايقاع الاخرى .. اضافة الى انها تتخذ من اللون (الوسيلة التي تعبر عن القيم الشكلية والمعاني النفسية والجمالية المحضة عن طريق التوافق وتحقيق التناغم ..) كما يقول محمود شكري الجبوري.. اذ ان اللون يسهم بشكل فاعل مع الصوت والحركة والايقاع في تكامل المشهد الشعري..كون العلامة اللونية تحمل خصائص اللون الذي التصق بها دلاليا في مركب الدال والمدلول.. وقد تناغمت الشعرية النوابية مع التخطيط التشكيلي اللوني الذي اجاد فيه الشاعر ووظفه في قصيدته التي اخترقت الاجواء ( كونه رساما)..فكان فاعلا في نصه وكان احد مفاصل شعريته..اذ انه يتخذ عنده حضورا ، وغنى دلاليا.. وقد سبقه في ذلك فكتور هيجو ولوركا وطاغور.. فكان في مصافهم ابداعا انسانيا بحكم عمق التأثير الذي تركه في نفوس متلقيه..فاللون يشحن مشهده بالحركة التي تقترب من التجريدية التشكيلية ..اذ تتوزع الالوان في فضاء متخيل يعبر عما تستبطنه الذات الشاعرة ..المعبرة عن كينونة الانسان.. فاللون الاحمر يستمد حرارته من حرارة النار .. كونه من الالوان الحارة..  وهو عند الشاعر علامة تشير الى منحى ايديولوجي ..كما في قوله :

وطارت في عتمات القلب فراشات حمراء

واشجار حزينة قد شحنت بالحزن وبالنار..

اما اللون الازرق والاخضر فهما من الالوان الباردة التي تستمد برودتها من الماء والسماء ..مصادر البرودة ..كما في قول الشاعر:

وان مسافات خضراء احترقت في الوعي

فأوقدت ثقابا ازرق في تلك النيران الخضراء

لعلي في النار ارى .. ولعل اللحظة تعرفني

من ذلك يأتي بين النث وبين عواء الذئب

وبين هروبي في النخل

يرافقني نصف الدرب

وبعد النصف ..يقول: يرافقني

فاللون الازرق اشارة الحكمة والخلود وهو دلالة الانفعالات الساكنة ..المستقرة كما يرى النقاد التشكيليون ..وهو عند الشاعر يلون خلفية المشاهد بفضاء سماوي يستبطن حنين الروح الى المعرفة والكشف.. اما الاخضر فهو دلالة التجدد الحيوي والسلام ..كونه اللون المميز بتوافقه مع اغلب الالوان وعدم تنافره معها.. كما يقول محي الدين طابو في الرسم واللون..

   اما النخلة فهي تلعب دورا اساسيا في انتقال الشاعر بين الماضي والحاضر.. فهي همزة الوصل التي تربط الذاكرة والواقع ..او هي (ذاك الزمن الواقف رمحا في ذاكرة الاحياء..) لذا نجد صورتها ملونة عند الشاعر خصبة وافرة العطاء.. فهي مفتاح الذاكرة والحلم ..  وهي الارتباط النفسي بالارض والوطن ..لذا تكررت في النص مايقارب من اربع وعشرين مرة (جنات النخل ـ زهو النخل ـ رؤيا النخل ـ باب النخل ـ بكى النخل ـ جاء النخل ـ ركض النخل ـ وراء النخلة ـ صعد النخل ـ عذوق النخل ….)

ان دعوة الشاعر الى النخلة الرمز بوصفها علامة لها مرجعياتها الدلالية والتاريخية والانتمائية ..

صعد النخل بقلبي

صعدت احدى النخلات بعيدا أعلى من كل النخلات

تسند قلبي فوق السعف كعذق

من يصل القلب الآن

فالنخلة = التاريخ = الانتماء

النخلة = الوطن

اما الليل الذي يتكرر في قصيدته ما يقارب من ثلاث واربعين مرة ( شهوات الليل ـ نجوم الليل ـ رائحة الليل ـ ساعات الليل ـ جاء الليل ـ  رب الليل ـ جسور الليل ـ غبار الليل ـ ….)يصبح عند الشاعر عالم قائم بذاته ..(وهو يشغل الزمن المشبع بالحرية والفعل الملبي لطموحات الذات الشاعرة..)  فشكل ظاهرة شعرية لها مدلولاتها التي تشكل بعض الثوابت الراسخة في ذاكرة الشاعر وتكشف عن مدى ايحائياتها الشاعرية .. بحكم امتلائها بالمعاني والدلالات ..حتى انه ينسب اليه الكثير من موجودات ومظاهر الحياة .. والشاعر يضيف اليه الصفات كي يعطيه حركة وحضور فاعل فينهي سكونيته.. وهذا الاستعمال للفظة (الليل) يكشف عن هوية الشاعر المطاردة ..كونه المعارض للسلطة ..وما تكبت ذاته ..كونه كان يتخذ منه سترا للاختفاء والابتعاد عن اضواء السلطة الباحثة عن ظله ..فصار مصاحبا للشاعر.. لذا تعلق الشاعر به  وصوره وفاء لوفائه.. بصورة لا ارادية ..حتى انه صار ذاتا حية تملأ فراغا فاعلا في الوجود.. يبيع ويشتري حتى انه يشتري مدينة ايام الشاعر ..( وباعوا الليل مدينة ايامي) ..فالليل عند الشاعر هو زمن التنفيذ والفعل الملبي لطموحات الذات ..كما يقول باقر ياسين..

وهذا كان خلاصة طبيعية لحياة سياسية مليئة بالمطاردة ..

وبذا كان انفتاح آفاق الرؤية النوابية على عالم الرؤيا في مجمل مفاصل القصيدة شاهدا ابداعيا..

اذ انه (عندما تكون رؤية الشاعر شاملة تجيء بالرمز الكلي الذي يضيئ القصيدة كلها..) كما يقول الشاعر خليل حاوي..

وهذا ما دعا الشاعر لان يقيم بناء قصيدته الفني على عناصر الواقع الطبيعي  (النخلة والليل والنجم والماء والقصب..).

 وعلى عناصر الواقع النفسي محاولا الممازجة بينهما ممازجة فنية ونفسية وفكرية تفــــــضي الى كشف افق الرؤيا ..