زهايمر المشاعر – نصوص – دريد محمد احمد
في ليلة طالت ساعاتها تسللت تلك الخطوط المبعثرة لترسم على وجهه لوحة بفرشاة دكتاتورية سلطة الزمن، تكاد ببعثرتها الطولية والعرضية لا تترك امتدادا إلا وتتقاطع فيه بعشوائية ، فمنحت تلك الخطوط هوية العجوز الهرم بجدارة لذلك الرجل، فكل خط ربما يشير إذا فكت رموز شفرته إلى يوم قدم فيه ذلك العجوز الهرم بفكره أو بيده خيراً للتاريخ، لأهله ولمجتمعه.
لم تك تلك التجاعيد المتسلل الوحيد في تلك الليلة الظلماء بل صحبها رفيق آخر ربما أكثر وقاحة وأشد ضراوة في منحه تلك الهوية، ألا وهو مرض فقدان الذاكرة (الزهايمر) الذي عرش على تلك الذاكرة الخائنة واحتل مساحاتها…ورويداً رويداً، فقد عالمه الذي كان يثق به في كل خطواته، تحيط به هالة معتمة تكاد تفصله عن ذلك العالم إلا حبل واحد ، ذلك الذي امتد بكل وشائج رؤيته العاطفية تجاه ابنه، فذلك الحبل لم يقطع…. فأسمه، ملامحه، حركاته، طفولته ، مراهقته وشبابه كلها رسخت وصهرت فكانت جزءاً من تركيبة العقل تأبى المغادرة ، تلك اللحظات الضاجة تعلن طقوس أفول ذلك النجم، وما من فائدة ترتجى، فما حدث أمر ثابت يرفض سبل التغيير، وها هو الآن يعامل ويركن مثله كمثل قطعة أثاث مهترئة مركونة في إحدى زوايا غرف المنزل.
أقترب الابن من أبيه ليهمس في إذنه ….على الرغم من إنفرادهما في تلك الغرفة لكن شعوراً خفياً بأن الجدران ربما تنصت إليه يملي عليه ذلك الهمس المؤلم.
-أيها العجوز ، أما آن لك الراحة من ضجيج مناداة أسمي الذي بات يؤرقك وبالأحرى يؤرقني من تكرار ترديده علي باستمرار.
صمت الأب لبرهة من الزمن ليتكلم بهدوء مشحون بتلك العواطف الجياشة
– ولدي ، ولدي أستمر أناديك بتلك الكلمة وإن افترسني الزمان ووقرت أذنك عن سمعي…
أنهى الابن ذلك الاجتماع المغلق بسرعة وهمّ بنقل تلك القطعة التي تمثل له جسداً مجرداً من الذاكرة إلى المستشفى ببرودة تلك الكتل الثلجية في قارة أنتاركتيكا في شهر شباط.
هناك في زاوية إحدى الردهات سرير طبي فغر فاه ليتلقف ذلك العجوز ويحضنه ليثبت له إن عاطفة هذا الجماد ورأفته لتوفير حضن دافئ أفضل بكثير من قناع الإنسانية المجردة .
وقف الطبيب حائراً عند الفحص وهو ينظر إلى الابن الذي ارتسمت على وجهه ملامح نسيان أو تناسي عائدية ذلك الإنسان الهرم ، استمرت تلك الصعوبة المصطنعة في معرفة والده على الرغم من تشبث الأب في مناداة ابنه باسمه والاسم الذي كان يدلل به أيام كان طفلا.. تجمدت الحيرة في قلب الطبيب لقسوة الزمان وهو ينظر نظرة متساوية نحو الأب وأبنه ليشخص أخيرا من يستحق بحق أن يكون مصاباً بمرض الزهايمر.























