هواية الضرب عند رجل مهنته دفع الغرامات – اضواء – حمدي العطار

رياض رمزي في كتابه الثاني

هواية الضرب عند رجل مهنته دفع الغرامات – اضواء – حمدي العطار

الصدفة احيانا تجعلنا نقرأ كتبا رائعة، بينما يخطط الكثيرون من أجل الحصول على كتاب مهم لكاتب مشهور جدا، في سوق المتنبي يمكنك أن تعثر على مثل هذه الصدف الجميلة، “سيرة رجل مهنته دفع الغرامات” لآحظ أن أسم المطبوع لا يغري بالاقتناء او حتى الشراء، وأيضا أسم المؤلف (رياض رمزي) وضع على غلاف الكتاب وكأن هناك خطأ في تصميم الغلاف ومن ثم تم الصاق الاسم بورق ابيض !لكن في الصفحة الاولى ترى الاسم مطبوعا للتأكد أن هذا الكتاب للمؤلف (رياض رمزي) وكنت قد أطلعت على كتاب مثير لهذا الكاتب المغترب بعنوان (الأقتصاد السياسي للمواكب الحسينية) وحينما رأيت هذا الكتاب يباع وهو مطروح على الأرض ليكون مثل غيره من الكتب (الرخيصة) شعرت فيما بعد بالأسف لأن بعض الكتب الجيدة لا تأخذ نصيبها في المتنبي او في بورصة الكتب والطباعة والنشر والتوزيع ، بينما كتب أخرى يتم الاهتمام بها وتبذل العناية الفائقة في أخراجها وترص بمجلدات على رفوف المكتبات وهي لا تستحق القراءة!

سيرة فكرية وثقافية لشخصية أسطورية

سردية مبهمة

السردية التي نريد ان نتكلم عنها هي مبهمة المصدر، فلا يوجد دار نشر تتبنى طباعتها وليس هناك أشارة الى سنة الاصدار! الكتاب الذي بحجم الكراس يتكون من 45 صفحة من الحجم المتوسط ، يحمل عنوان غريب ((سيرة رجل مهنته دفع الغرامات)) ، حاول رياض رمزي في البداية ان يضع التبرير المقنع لأختياره شخصية صاحب السيرة وأسمه (فاضل عباس هادي) مهنته “مثقف” اليس هي مهنة غريبة مطلوب منه أن يسدد الغرامات المستحقة عليه والتي تتصاعد لتكون الغرامة الاخيرة (حياته) – لكن صاحب القدر ذا البدلة البيضاء يتركه يكمل مشروعه الثقافي لعدة سنوات أخرى – بل ما بين نشوء البطل وأنتهاء سيرته هناك حياة مفعمة بالقراءات الثقافية التي كونت هذه الشخصية لتكون شخصية ديناميكية متطورة ، في كتب السيرة ولا بد ان يصدق القارئ ان ما يقرأه قد حدث فعلا او فيه النسبة الاكبر من الواقع والحقيقة ، ولا يكون الحديث عن حقائق قابلة للاستهلاك بل تتمخض عنها تجارب وحكم ومواعظ تكشف عن معنى الحياة ، فهل وفق رمزي في ايجاد قاعدة ثابته لهذه السيرة الغريبة! فأذا عثرت عليها في هذا الكتاب قد يصعب مطابقتها مع الواقع!يمهد رياض رمزي قبل الحديث عن بطله بالاعتذار الى صاحب السيرة ، من خلال خلق شخصيتين في رجل واحد والمبرر هو (ربما لم يلحظ هو نفسه – فاضل عباس- وجود شخصية أخرى فيه، بسبب تعذر رؤيتها من بعيد، ولأنها تقع فيه، فهي تسكن بعيدا عنه) وهو ينصح ويحذر ، النصح لصاحب السيرة والتحذير للقارئ في ان العمل فيه خيال!”معتمدا على مقولة ماركيز لكاتب سيرته “جيرالد مارتن (أكتب ما تراه وحسب! فكل ما تكتبه هو ما سأكون عليه)” رياض رمزي يعترف بأنه لا يحتاج الى برهان لتأكيد رؤيته الفلسفية حينما يكتب عن فاضل عباس ! بل لقد دفعه للكتابة عنه حينما قرأ كتابه المشوق “قدح من الدموع المجففة الى أوديت” ويقول قد طبع منه عدد محدود لا يتجاوز الخمسين نسخة لأنه لا يسعى الى الشهرة! ترى هل يتكلم رمزي في هذه الجزئية عن صاحب السيرة ام عن مؤلفه الذي أمامنا وقد ذكرنا كيفية عرضه للبيع وعدم وجوده بكثرة في المكتبات!!وهذه أوديت سنتعرف عليها في اكثر من مجال في السردية لكن لهويتها الدينية وأتجاهها السياسي تأثير على فكر رجل السيرة فهي اليهودية اليسارية التي تشبثت عيونها في سروال مخروم هو سروال فاضل عباس القادم من الناصرية الى بغداد للدراسة في الجامعة حينما قررت اوديت ان تقوم بحملة لشراء سروال محرضة عصبة من طلاب أكتشف فاضل أنهم ينتسبون الى اليسار أدرك انه ليكون معترفا به عليه أن يكون يساريا” ويمضي رمزي بصراحته ليكشف لنا غرضه الحقيقي من هذه السردية فهو ليس غاضبا على الزمان أو المكان (العراق) “الشبيه بحديد ساخن” أو لأنه يفهم الواقع أكثر من (بطله) بل لأنه بارع في “الضرب على الخاصرة التي تؤلم” وكأن ذلك جزء من الغرامات التي يجب ان يدفعها بطل السيرة “كعاص غرق في ثلاث كبائر كبرى ” سيرة رجل قبل ان نحاسبه علينا ان نعذره فهو قد تعرض الى عدم النطق والى وباء الثقافة والادمان على القراءة والى صعوبة التكيف مع التغييرات السياسية الرهيبة ومن ثم السفر الى (دمشق- بيروت- باريس- لندن) ومن ثم الى الزواج المختلط من جنسية غربية والى الفشل ومن ثم الى الموت وحيدا!

كنز من الاستعارات والاقتباسات الذكية

في هذه السردية سيجد القارئ ضالته بالتعرف على مجموعة كبيرة من الكتاب والروائيين والشعراء والمفكرين ، أقوالهم ، أفكارهم، أسلوبهم في معالجة المشاكل، قدرتهم على الانتصار، تضحياتهم من اجل أوطانهم ، وهي تدل على ثقافة موسوعية للكاتب ، لنرى هذه الدفعة الاولى من الاسماء الكبيرة التي يذكرها رمزي في بداية السردية ، حينما يتكلم عن ثقافة (فاضل عباس) من خلال قرأته لكتابه الذي ذكرناه ويخص دموع أوديت “وجدت شبها جليا بين هذا الكتاب ومؤلفات الناقد الشهير هارولد بلوم خاصة كتابه الموسوم – كيف تقرأ ولماذا- ففي كتاب بلوم جولة في عالم القصة القصيرة ، الروايات والروائيين (توجنيف ، تشيخوف، همنغواي، تابوكوف، بوست، كالفيتو) وفي عالم الشعراء ، المسرحيات وكتاب فاضل تجد الفلاسفة كيركغارد، سارتر ، الشعراء رامبو، اوكتافيو باث، مايكوفسكي ، والروائيين دستوفسكي، جيمس جويس ، الان روب غريبة ودراسات عن أخرين عرب وعراقيين ” ونحن نجد بأن رياض رمزي في هذه الجزئية وبعد الانتهاء من قراءة سرديته فهو اكثر من الاخرين وينافس (كول ولسن والروائي علي بدر) نقول اكثر من هؤلاء جميعا قد تجول في افكار ومؤلفات وذكر مواقف لكتاب تجاوز عددهم الستين نذكر منهم ((ريلكه، ماسينيون، ارزا باوند، لينينن ، جيفارا بلزاك، رودان، هولدرلين، غوته، باسكال، هارولد بلوم، كراتيلوس، فرويد، تسفايغ، رامبو ، نيتشه ، أندريه، فورستر، سارتر، ميكافيلي، تولستوي، فكتور هيجو ، أوسكار وايلد، جاك لندن، بورخس ، ديلان توماس ، نلسون ، عباس محمود العقاد، المتنبي، يوسف سلمان يوسف، عبد القادر العزاوي)) واخرون احيانا يذكرهم عند تحليل شخصية صاحب السيرة (فاضل) واحيانا يستعير منهم مقولات لتعبر عن مكامن الشخصية المحورية في السردية.

*غاب الحوار وكثر المنولوج الداخلي والتشبيهات والاستعارات

رياض رمزي في سرديته لم يلجأ الى الحوار بل كان الفلاش باك والحوار الداخلي بديلا ، كما كانت التشبيهات الاستعارت والاقتباسات الذكية لها وقع ايجابي على جمالية السردية “انقضى الشتاء وجاءه الربيع فقرر أن يحرق عباءته الصوف التي ظل ملتحفا بها” “هو مثل الجمار ثمرة محاطة بأشواك وسعف وكرب ” “ظواهر الحياة تتجلى عندما يرى لها نظيرا في الكتب” “لا أتجه الى شيء بل أنا هارب من شيء” من النادر لمن يتعمق في قراءة الكتب أن يقول أنا محصن ضد أوهامها” “مثل عانس تسير في الشارع وترى في كل رجل يسير زوجا صالحا لها” هوامش العيش ضيقة فأننا نقوم بتوسيعها عن طريق الخيال” “المثقفون وحدهم من يستطيعون أن يقترفوا الأخطاء لأن لديهم القدرة على التبرير والتأويل ، وهناك اكثر من مقولة أستشهد بها رياض رمزي لتوضيح نقاط القوة والضعف عند المثقف (فاضل عباس)

*رؤية فلسفية عن المرأة والزواج

يرى المؤلف بأن أوديت اليهودية اليسارية قد تركت ذلك الاثر المضيء في اعماق (فاضل عباس) لأنه قد أكتشف السماحة لدى نوع من البشر “هناك من ينظر الى موقعه الطبقي فيتضامن معه، وهناك من يحاول اشعاره بوجود مشكلة في فهمه، … ما حدث التالي:أوديت رحلت عنوة الى أسرائيل كي تموت هناك بالسرطان ، وبطريقة تشبه طرد أدم من الجنة”

اما عن زواج فاضل من الانجليزية التي التقاها في المكتبة التي يعمل بها في فرنسا فيقول” لا احد يتكلم بمرجعية عن الزواج بالاجنبيات ، ولا يوجد شجعان يروون ، بأنفتاح ، تجاربهم في الأقتران بأوربية، والتحدث عن تلك العلاقة سواء أكانت تحفل بالمرارة أم الشهد، وسرد كيف تنمو بذرة التعقيد بين عالمين شديدي الاختلاف، لم تفلح سنين من العلاقة بين الشرق والغرب من التحرر منها “

ويعطي رمزي نصائح للرجل صاحب السيرة والى كل الرجال حتى يستطيعوا ان يكسبوا قلب واهتمام المراة قائلا(( لا يمكن التغلب عليها بالثقة المفرطة بالنفس و بالأخلاص المفرط، أو التنازل لقبول تسويات ودية، بل بأختيار الكلمات وتغيير النبرات وفقا لكل حالة، بالمرونة والحكمة، الكذب ، المراوغة، القسوة وحتى أظهار الضعف))

الخاتمة

 حينما يحس بطله بنهاية رحلته في الحياة يجعله يقول ((كمثقف كانت اختياراتي صائبة، ولكنني لم اكن ادرك أن علي ان أشق طريقي في الحياة كجرذي بين مجموعة من القطط ، ليس خوفا من طوق محكم تفرضه القطط علينا نحن معشر المثقفين، بل لأننا في النهاية لسنا غير جرذان بين قطط، أن اخترقت أنيابهن فرائنا الرخيص سوف لن يلطم تاجر ما على رأسه اسفا على فراء ثمنه رخيص، عندما تكثر الصقور لن تستطيع البلابل تصنيع بطولات، ومن يموت غيلة لا يصطنع شهقة الموت”كان ذلك آخر ما نطق به قبل أن يقوده رجل الثياب البيضاء من يده بدون تعاطف ، تاركا اليد الأخرى سائبة.)) اليد السائبة تعني نوعا من الانعتاق او الحرية المحدودة التي منحها صاحب البدلة البيضاء لصاحب السيرة فاضل كي يعيش ليكمل رسالته الثقافية!