في مدن ونساء البادي.. للعرب وللعراق حضور – اضواء – خالد عمر بن ققه

رواية ارتياد آفاق وأدب رحلات

في مدن ونساء البادي.. للعرب وللعراق حضور – اضواء – خالد عمر بن ققه

يقدّم الروائي والإعلامي الإماراتي سعيد البادي في روايته الجديدة ” مدن ونساء”مزيجاً بين أصناف شتى من الإبداع، تنتهي جميعها إلى التصريح والتلميح بتجربة إنسانية ثرية في ارتياد الآفاق، وأدب الرحلات بشكل عام، وهي أقرب إلى المذكرات، لكنها لا تعبّر عن ذكريات تخص الكاتب وحده.. إنها تتجاوزه إلى عوالم الآخرين وإلى فضاءات الفكر والجغرافيا والتاريخ، بل وإلى الصراع مع الآخر على أرضه، ومعه داخل النفس أيضا، مع أنها في مجملها سعي للبحث عن حبيبة اختفت بلا مبرر، وعادت في نهاية الرواية لتظهر من جديد، ولتكون نهايتها الاخنفاء مرة أخرى بوعي وبإكراه، مرتبط بأمن الحبيب.

ومثلما هي رواية تناولت مدن شتى، فقد اقتضت مطالعاتي لها عددا من الأزمنة والأماكن، وهي أول رواية أطالعها ـ خلال 45 سنة من عمري وأنا غارق في القراءةـ في اليابسة وفي البحر وفي الجو( في عدد من المدن)، وفي السيارة والحافلة والقطار والطائرة واليخت، وفي أوقات متقاربة ومتباعدة من النهار والليل، ورعم اعترافي بجمالها الأدبي، وأيضا التطورالملحوظ للكاتب مقارنة بروايته” المدينة الملعونة”، فإنني سأركز هنا على البعد السياسي في الرواية، مع الاعتراف أنه متداخل مع الأبعاد الأخرى، خاصة التاريخ والثقافة والحضارة.

من البداية يستحضر سعيد البادي مدينته أبوظبي، لكنه لا يفصلها عن موقعها، بل إنه يظهرها من خلال وصفها كما في الفقرة التالية:”.. السيدة العجوز كانت تقرأ كتابا، وعندما لاحظت أنني أنظر إليها، سألتني إن كنت صقليا أم مغاربيا، فقلت لها: لا هذا ولا ذاك، إنني من مكان بعيد، إنني جئت من بين البحر والصحراء، ثمة مدينة شابة جميلة كالعروس تسمى أبوظبي، منها جئت وإليها أنتمي..!”(ص 38)

لكن الكاتب يتوقع عدم معرفة السيدة العجوز لمدينته، فيحاول ان يقدم لها شرحا يتضمن علاقتها الوجودية بالحيز الجغرافي، وهو ما يظهر في النص التالي: ” لم أكن أتوقع أن تكون تلك السيدة تعرف أي شيء عن مدينتي، ولذلك لم أتفاجأ أنها لا تعرف أين موقعها، فوصفت لها بأقرب شيء تعرفه، فكانت تعرف قارة آسيا، فأخبرتها أنها تقع في الجزء الغربي من قارة آسيا.. قلت: إنها تقع ضمن منطقة الشرق الأوسط، لكنها بعيدة عن مشاكل تلك المنطقة وحروبها، إنها مدينة تعيش المستقبل كأنه الحاضر، مدينة نهضت من الصحراء العربية لتبهر العالم بكل إنجازاتها العظيمة..” ( ص39)

الجنّة دبي

هنا يطرح السؤال التالي: لما يعلن البطل عن انتمائه لأبوظبي، ولا يأتي على ذكر الإمارات؟.. لا نجد داخل الرواية ما يفسر ذلك، ربما قد يعود السبب إلى كونها العاصة السياسية لدولة الإمارات، مثلما هي دبي العاصمة الاقتصادية، ولذلك جاء على ذكر الأخيرة، ومعتبرها جنة بالنسبة للوافدين، مع أنها محظة عبور، كما ذكر في الفقرة التالية:

“.. وهكذا وجدتني أعمل مترجما للشاب الهندي الذي لم يكن يجيد إلا القليل من الإنكليزية بالكاد تعينه في سفره، ولم يكن يتحدث بالطبع لا الإيطالية ولا الفرنسية، وعرفت أنه كان في دبي، وقد دفع مبالغ طائلة من أجل هذه الرحلة، وأنه اضطر إلى بيع كل ما يملك للخروج من بلاده في رحلة طويلة توصله في نهاية المطاف إلى أوربا، فالهجرة إلى أوربا حلم كل البشر، صحيح أن من يصل إلى دبي على سبيل المثال من أهل بلاده يعتبر محظوظا، وأنها محطة من أجل مزيد من الفرص في الثراء والعيش الكريم، بل أنه يعتبر قد وصل إلى الجنة، غير إن الفرص في أوربا أكبر وأوفر..”. ( ص 41)

وفي تسلسل الأحداث نجد الحضور العربي من خلال علاقة البطل بباقي الشخوص، وتتعدد الجنسيات العربية حسب أهمية العلاقات التي أقامها في السابق، وأول ما يصادفنا هو دعوة له على العشاء من طرف صحافية مصرية ـ طبيية بالأساس ـ حاصلة على الجنسية السويسرية، في منزل ريفي خارج جنيف، وبعد بعض الوقت انضم إليهما شاب عربي الأصل فرنسي الجنسية وصف نفسه بأنه ناشط في حقوق الانسان، ويتقلّد منصبا في منظمة حقوق الانسان الإقليمية، وبرفقته سكرتيرته الحسناء، وكان بين المدعوين أيضا صحفي خليجي تبدو عليه سمات التقوى والورع وقد أطال لحيته، ومعه فتاة برازيلية شقراء، عرفت فيما بعد أنها زوجته، وخمنت أنه رجل متحرر رغم أنه متدين، ولذلك كنا متحفظين في الحديث احتراما له وللحيته الكثّة، غير أنه كشف لنا على سفرة الطعام وهو يحتسي النبيذ الأحمر أن لا علاقة للحية بالدين، وأنها مجرد ديكور ليس إلا، وقصَّ علينا قصة حبه لزوجته البرازيلية. ( ص 68 ـ 69)

الملاحظ هنا أن البادي لا يتجاوز تلك الصورة النمطية التي تقدمها معظم الكتابات العربية والأجنبية عن الخليجيين في الخارج، وإن بدت هنا من زاوية مختلفة تجسدت في شخصية ذات بعد ثقافي وعلائقي، مع أن الكاتب لا ينظر إلى مسار الأشخاص وحركتهم من زاوية وطنية، وإنما يأتي على توصيفهم بهدف ذكر التنوع وليس التمييز، ذلك لأن الهموم العربية تبدو لديه واحدة، بل إنه في رحلته تلك يبدو أكثر تأثرا بكل ماهو عربي بدءًا من أصوات الغناء إلى الحرب ونتائجها.

صوت فيروز.. وويلسون

فبالنسبة للغناء يقول البادي على لسان الراواي:”.. صوت فيروز ينبعث من مذياع سيارة صديقي أبو كريم اللبناني المغترب، ليبعث الحياة من جديد في جسدي، ليعيدني إلى الواقع، وينتشلني من غرقي في بحر الذكريات، فكرت في أمر هذا الصديق الذي استقر به الحال منذ ثلاثين عاما في هذه البقاع، تزوج وأنجب ونسي جبال لبنان وصخرتها واستعاض عن كل ذلك بهذه الجبال الخضراء، وهذه الطبيعة الخلابة، هل هو هارب أيضا من أقداره أو من أشباح الماضي أو ربما من حب قـديم..!(ص 98)

غير أن ذلك التفاعل مع الصديق وتجربته الحياتية، لم يله الروائي عن الحالة العربية العامة، كما في قوله”.. بعد أقل من نصف ساعة عبرنا المركز الحدودي المهجور لنجد أنفسنا في الأراضي السلوفاكية التي هجر مركزها الحدودي أيضا، فتذكرت مأساة اجتياز مراكز الحدود بين المدن العربية..!( 98 )

غير أن الهم الأكبر بالنسبة للبادي كان احتلال العراق، وهنا يروي تجربته مع صديقه الأمريكي ويلسون دايفس ـ ضابط استخبارات إلتقاه لأول مرة على متن طائرة عسكرية من نوع سي 40 أقلتهما معا الى العراق، تشاركا خيمة واحدة عندما كانا يعودان للمبيت في معسكر القوات البريطانية في البصرة، وقد استقر به الحال للعمل المكتبي في واشنطن تاركا العمل الميداني، وزوجته ساندي من أصل صيني، وهي صديقة عزيزة للبطل، وقد كان سببا في لقائهما وزواجهما، ومعهما استعاد الذكريات الجميلة.

أخبرالبطل صديقه ويلسون بما حدث له مع البريطانيين ـ اتهامه بالإرهاب ـ فغمغم ببضعة شتائم ساخرة على الإنكليز، وهو يقول له: أنني آسف على ما جرى لك، لكن عليّك تسليم نفسك إليهم في كل الأحوال، فلابد أن تظهر الحقيقة، يزعجني أن يحدث هذا لك، وأتفهم ما تمر به من ظروف صعبة، لكن ويلسون لم يتجاوب معه كعادة السياسيين الأمريكيين مع حلفائهم وأصدقائهم، وجاء هذا واضحا في قوله:” تعرف جيّدا يا عزيزي أن بريطانيا حليف رئيسي للولايات المتحدة، وخصوصا في ما يتعلق بالحرب على الإرهاب، فلا يمكنني بأيّ حال أن أخفي معلومات تتعلق بهذه المسألة بالرغم من كل شيء..”.

ويفقد الأمل في الجصول على مساعدة ويلسون، حين يقول له هذا الأخير:” عذرا لا تسيء فهمي، ولكن لا يمكنك مواصلة الهروب، في الواقع ان وجودك هنا في واشنطن خطأ فادح، كان عليك ألا تأتي أصلا إلى أميركا في هذه الظروف وفي هذا الوقت بالذات..!”. ( لمزيد من التفاصيل يمكن العودة لقراءة الفصل المرفق مع المقال)

تعريب” غوريا”

في رواية مدن ونساء نتعرف على المعالم الجغرافية والآثار التاريخية، وعن الأسماء والدور الحضاري للمسلمين والعرب، من ذلك أن سبب تسمية كوريا بهذا الاسم، حيث يعتقد أنه جاء على يد بعض التجار العرب حيث كانت البلاد تدعى “غوريا” أو “جوريا” ولتسهيل النطق تحولت إلى كوريا واستمر الحال كذلك منذ عام1890، والتي تعني باللغة الكورية “الجبال المرتفعة” و”البحار المتلألئة”، مع ذلك فلا ترى في المدينة أي مظاهر لوجود عربي أو حتى لمرور للحضارة العربية في هذه البقاع من العالم.

و” أن الاسلام وصل تلك البلاد عبر مسلمي شمال الصين في أوائل القرن العشرين وأنتشر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بواسطة القوات التركية التابعة لقوات الأمم المتحدة خلال الحرب الكورية، وهناك اليوم ما يقارب نحو واحد بالمائة من عدد السكان من المسلمين في بلد يعيش فيه نحو 60 مليون نسمة تقريبا يعتنق غالبيتهم “اللاديانة” أو مجموعة من الديانات غير السماوية بالإضافة الى النصرانية”. ( ص 275 ـ 276 )

الحنين إلى النبي

يواصل البادي سرد أحداث التاريخ من خلال الحاضر، مجريا مقارنة في مجالات الدهوة والتعمير والإدارة بين أجدادنا وبيننا ليست في صالحنا، وهو ما يظهر في النص التالي:

” تترك شنغهاي لتسير في هذه الانحاء متسكعا إلى أن تجد نفسك في مدينة “قوانغتشو”، ليأخذك سائق الدراجة الهوائية التي امتطيتها رديفا- لأنها أرخص وسيلة نقل هناك – الى مسجد “هوايشينغ” ولتعرف فيما بعد ان الكلمة تعني “الحنين الى النبي”، سائق الدراجة الهوائية تصرف معتمدا على التخمين، فهو لم يفهم إلى أين تريد الاتجاه، وربما نظر إلى هيئتك فراهن أنك حتما ترغب في الذهاب إلى المسجد الوحيد في المدينة”.

يتأثر البطل بالأجواء الروحية والتاريخية وبالواقع الحالي وهو مطاردا من طرف الاستخبارات البيرطانية على خلفية اتهامه بالإرهاب، وهو ما يبدو جليا في قوله:” تدخل المسجد، تصلي، تحاسب نفسك لأنك في خضم عملية الهروب تنسى أن تدخل المساجد ربما لأنك صرت تخاف من أن توصم بأنك مسلم، إرهابي، تشعر بأن الجبن يتعزز في نفسك، تطرد تلك الأفكار من رأسك، تعود إلى الواقع، تشعر بالخشوع عندما تسمع همهمات المصلين وتلاوة القرآن بتلك الأصوات الشجية، تشعر ببرودة ذلك الركن الذي تقبع فيه وحيدا”

وَقّاص حكيم العرب

التاثر بأجواء الخشوع في المسجد تدفع البطل إلى أمرين، الأول: الحركة/ والثاني، تأمل بناء المسجد واستجضار التاريخ، فيخرج و” يتأمل طريقة بناء المسجد، ثمة لوحة معلقة على المدخل منقوش عليها بالعربية “هذا هو أول مسجد في الصين بناه سيدنا وقاص”، يجلس إلى الإمام المسن، يستمع إليه، يغمغم بصوت خافت بكلمات لم تفهمها، إنه يتحدث بالصينية، يقترب منه، يخبره أنه عربي غريب في المدينة، يحكي لك قصصا وحكايات عن هذا المكان، يخبره بأن وقاص هذا الذي بنى المسجد يقال أنه حكيم عربي جاء للدعوة للإسلام مبكرا في زمن ما من عهد أسرة “تانغ” (618-907م)( ص 254)

لا يكتفي البادي بسرد أحداث التاريخ على لسان الإمام الصيني، وإنما يضيف إليه تحليله الخاص الذي لا يخلو من مقارنة، مع تركيز خاص على اعتزار الصينيين بجذورهم العربية، فنجده يقول:” ويخبرك عن كل الرحالة والتجار العرب الذين وطئت أقدامهم هذه الأرض، تشعر بالألفة لأولئك المصلين “الهوي” لانهم ينحدرون من أولئك العرب الذين جاؤوا إلى هذه البقاع قبل مئات السنين، تستعيد كل تلك الأساطير حول وصول العرب إلى هذه البقاع حتى قبل الاسلام.. قصص لقدماء التجار العرب يرويها هؤلاء “الهوي” لأنهم يعتبرونهم أسلافهم وأجدادهم الذين جاءوا مع الفتح الاسلامي ليشكلوا اليوم نحو 9 ملايين نسمة، يشعرون بالفخر ويتمسكون بما بقي لهم من تقاليده،م التي تشكل عرقهم، فهناك غيرهم من تسع عرقيات مختلفة يدينون بالإسلام، إنهم من الأويغور والقزخ والقرغيز والتتار والأوزبك والطاجيك ودونغشيانغ وسالار وباوآن ليشكلوا مجتمعين نحو 18 مليون مسلم، في بلد عدد سكانه يقترب من المليار ونصف المليار من البشر..( ص 256 ـ 257)

أنثى الجنة البائسة

ويستمر سعيد البادي في رحلته الشيقة، مصحوبا بهمومه العربية، وكلما اكتشف مكانا يحمل بصمات العرب، عاد إلى المفارنة من جديد، لنتابع قوله:” بعد سفر طويل بالقطار عبر الغابات الاستوائية والسهول وصلت الى كوالالمبور، أمضيت فيها بضعة أيام، استكشف أحياءها وازقتها، وجدتني مشدودا لتلك الأحياء القديمة التي تحمل طابعا إسلاميا، والتي يقطنها في الغالب سكان البلاد الاصليون من الملايو، سكنت في تلك الاحياء واندمجت بين السكان المحليين على رغم الحواجز اللغوية، التي أحاول تجاوزها ببضعة كلمات تعينني على تدبير أموري اليومية، وهو ما يجعل واحدا مثلي يشعر بالألفة خصوصا مع الحروف العربية المستخدمة كثيرا في اللافتات الارشادية وفي كل مكان، بالرغم من أنك قد لا تعرف معانيها، غير أن ذلك يعطيك صورة عن حجم التأثير العربي على البلاد، وعلى السكان فترى أسماء لعائلات عربية خرجت من جزيرة العرب ليستقر بها الحال في هذه الأنحاء.

نتيجة لذلك يقول البادي:” تشعر بنوع من الفخر وأنت تجوب تلك المناطق، فخر لا يخلو من غصة لأن المد العربي والاسلامي توقف كثيرا عما كان عليه منذ ألف عام، وإذا كنَّا بناة حضارة في يوم من الأيام فقد انشغلنا بعدها بشكلأ أناني، لقد انشغل كل منا بنفسه، أنه ذلك التقوقع على الذات الذي لن يبن حضارة أبدا في كل الأحوال..” (ص 313 ـ 314)

وينتهي سعيد البادي في رويته” مدن ونساء إلى اختصار كل رحلته، متحدثا عن البطل، ومصدرا حكما قيميًّا:” أن حمى الرحيل لا تزال تراودك كلما هممت بالاستقرار، ربما لأنك ترحل بعيدا مُحمَّلا بميراث فاتحين جابوا العالم كله لبناء حضارة، بينما ترحل أنت بحثا عن وهم، عن مزيد من الحماقات، عن أنثى قد تصنع لك جنتك البائسة..! (ص 324).

الهروب من الجحيم*

في تلك الليلة جافاني النوم كالعادة، حديثي مع ويلسون دايفس جعلني أستعيد كل شيء، اللعنة عليك يا ويلسون، أعادني إلى تلك الأيام العصيبة التي شهدتها في أرض المعركة، الحرب بشعة، صورها تبقى تطاردك إلى الأبد، شعرت أن بين ضلوعي حريق، شعرت بالآلام تعتصر فؤادي، ومر كل شيء في رأسي كلقطات مجزئة من شريط سينمائي، الوصول إلى أرض المعركة في العراق، ارتال الدبابات والآليات العسكرية، الغبار الذي يلف المكان، الجنود المدججين بالسلاح وهم يفتشوننا في كل نقطة تفتيش وما علينا إلا التسليم ورفع أذرعنا إلى السماء، أطفال ام قصر وهم يتحدثون معي بالإنكليزية، ثم وهم يستجدون الماء والحلوى من الجنود الأمريكان، طائرة الهليكوبتر التي اعترضت سيارتنا بالصواريخ حتى توقفنا ونزلنا منبطحين أرضا، فيترجل منها الجنود ويفتشون أغراضنا ويفتشون ملابسنا للتأكد من إننا لا نحمل أسلحة ولسنا عملاء أو ارهابيين..!

قرى الجنوب والبلدات البدائية البائسة، أم قصر والزبير، والنساء اللاتي يحملن أواني المياه على رؤوسهن، كأنه مشهد يعود إلى ستينيات القرن الماضي، البصرة، مقبرة الإنكليز، وفندق الشيراتون المهدم المهجور، والتماثيل الواقفة على مشارف شط العرب، بؤس القرنة وأطفال الناصرية، حسناء السماوة، والدليل الذي هجرني في العمارة، والعجوز التي تشبثت بي في الرميثة، الكوت والشيخ سع،د وتهم الخيانة والعمالة لإيران، مسجد الشيعة في الديوانية، والحوزة المقدسة في النجف..!

صوت الرصاص في الليل ونحن نبيت في فندق السندباد في بغداد، ومرة في بناية شبه مهجورة في حي المنصور، الأدخنة السوداء كل ليلة والنار التي تشتعل من بعيد، لا أحد يهتم ما سببها ولا أحد يعرف: هل هي حرائق لمخازن أسلحة أم لمباني مقصوفة؟.

جثث القتلى المتفحمة والاشلاء المبعثرة التي لا يكترث بها أحد، صراخ الجرحى في مستشفى بائس في الناصرية، الجرحى في مستشفى في بغداد وآخرين في الرمادي، وبؤس في مستشفى ناء في الرطبة، صرخات الأمهات الثكالى، ودموع اب ليس بيده حيلة يحمل طفله المضرج بالدماء، وآلام رجل يحتضر ملقى على قارعة الطريق، رائحة الدم الممزوج برائحة السلاح، رائحة البارود المحترق، دخان البنادق، والموت الذي يكتنف المكان..!

الفقر يحاصر المكان، والبؤس يقتل الأطفال والعجائز في بابل والمحلة والحديثة وهيت والقائم وقرى لم أعد أذكرها، مبيتي في مزرعة في الصفية تحت قصف مدافع الهاون، وصليل جنازير الدبابات وهي تحوّط المكان، الدبابة المعطوبة في مكان ما من الطريق الواصل بين بغداد والرمادي والتي أمتطيتها لأخذ صورة تذكارية، الطائرات الحربية العراقية المحطمة في كل مكان، بقايا القذائف التي تشكل خطرا نتجاهله او لا نكترث له..!

الهروب إلى الصحراء، والمبيت في العراء، حيث نتوسد الأرض ونلتحف السماء، الصحراء ليلها بارد، تلفها الوحشة والظلمة، القمر الشاحب الحزين والنجوم التائهة عن مساراتها..!

سقوط بغداد وتحطم التمثال، ساحة الفردوس، التعرض للاحتجاز على أيدي قوات التحالف في الفلوجة، تقاوم فتفيق مضرجا بالدماء، النجاة من قذيفة في سوق مكتظ، اغتيال زميل وصديق صحفي بقصف على مكتبه في وسط بغداد، وموت زميل صحفي غربي آخر متأثرا بجراحه بعد أن تعرضت سيارته للتفجير ولم يعلن أحد المسؤولية، فندق فلسطين الذي احتله الجنود الأمريكان، وعملك هناك لوقت متأخر حتى بعد حظر التجول، عودتك إلى فندق السندباد..

هروبك من اللصوص بعد مطاردة ليلية شرسة في أحياء بغداد، ثم وقوعك في فخ لتصبح رهينة أنت وزميلك الأمريكي في يد الإرهابيين..تلك اللحظات الرهيبة التي مرت عليك، ذهولك، شجاعتك، ذعرك، جنونك، وهروبك بعد أن رأيت قطع رأس مايكل سلون مراسل صحيفة نيويورك تايمز أمام عينيك دون أن يكترث له أحد أو يذكره أحد..!

رغم ذلك تقرر البقاء في الجحيم، لأن المهمة لا تزال قائمة، أي جنون ذلك وأيّ شجاعة مصطنعة تلك، وأيّ مجد صحفي زائف ضائع، كلها مجرد أوهام ستدفع حياتك ثمنا لها..!

تقع في شرك قطاع الطرق، وتهرب من كمين على الطريق الصحراوي خلف البصرة، وتضحك وأنت تهرب من المبشرين قرب العمارة..!

 مشاعر الخوف والألم وكوابيس النوم، ودموع الحسرة عندما تعتصر روحك فضائع ومآسي الحرب، تجهش بالبكاء لأنك تشعر بقلة الحيلة، ولأنك تشعر أن الانسانية تحتضر، تمزق أوراقك وتكسر أقلامك لأنك لم تعد ترغب في كتابة الخبر، ولا في وصف ما حدث، ولا في الموضوعية أو المهنية الصحفية، لأن الحقيقة في خطر، وأنت لا تستطيع التزوير، تعتزل العالم، تعتزل الصحافة، تسافر بلا هدف، تبحث عن سلام داخلي، يشفي جروح روحك، لأن التجربة كانت قاسية، والمشهد كان أكثر مما تحتمل..

المعتقل الصحراوي الذي وجدت نفسك نزيلا فيه، زملاء المعتقل البائسين، الهروب مختبئا في شاحنة عسكرية وعثورك فيها على بندقية أم 16 مفككه ومخبئة، تعيد تركيبها وتضعها في وضعية الاستعداد متحفزا لاستخدامها للدفاع عن النفس، جرأتك في اختطاف الشاحنة العسكرية من سائقها، وهروبك بها في عمق الصحراء، إلى أن تتوقف الشاحنة بعد أن يفرغ منها الوقود، فتكمل سيراً على الأقدام، في منطقة خاوية نائية، إلى أن يعثر عليك المهربين فتعيش في حمايتهم، وترافقهم في عمليات التهريب، تصبح واحدا منهم، وعندما تشعر بالسأم تودعهم وتعود إلى أقرب قرية..

مبيتك في معسكر القوات البريطانية، لجوؤك لنادي الضباط في الليالي الباردة، الجنود المترعين، كؤوس الخمر، أجساد الجنود العارية كل صباح، تلك المروحية العسكرية التي قفزت إليها للتنقل في ضواحي البصرة..

رائحة الغاز والبارود، دخان البنادق والقنابل، الجثث التي تملأ أرض المعركة، الدماء والأشلاء، واللعنات التي تصبها على الجميع وعلى جنونك الذي جاء بك إلى أرض المعركة..!

الوقوف على شفة شط العرب لرثاء النخيل، والوقوع في الحب في السماوه، وسمك المسكوف في كازينو الخضراء على ضفاف نهر دجلة، والشاي العراقي من منزل أم حميد، ورفقة أبو حميد إلى ولائم أبناء العشائر وشيوخ القبائل في الرمادي..

الطريق الى بغداد، والدمار الشائع في كل مكان، الهروب من الجحيم، طريق بغداد عمان السريع، كأنه طريق إلى الجنة، قطاع الطرق مرة أخرى، مواصلة الطريق سيراً على الأقدام لمسافات طويلة بعد تعطل السيارة، صهريج الماء الذي حملنا لأقرب محطة..

السفر فجراً، قبل بزوغ الشمس، ومسابقة الرعاة قبل اطلاقهم نعاجهم في المراعي المفتوحة قرب الطرق السريعة، يطول سفرك، تقطع الآف الكيلومترات برا، العبث في الطرقات، اعداد الشاي في السيارة على الطريق السريع كما اتفق، ثم تناوله في بقايا علب المياه المعدنية، كل شيء ارتجالي، من أجل التأقلم مع الظروف..

تقف طويلا على نقاط الحدود، الجمارك والتفتيش في كل نقطة، المفرق والرويشد وطريبيل، تشعر بالسخرية، تضحك، يعثر رجال الجمارك على خرطوشة ربما وصلت خطأ إلى حقيبتك، يصادرونها، ويصادرون الحقيبة، وبقية أغراضك، تهزأ منهم وتضحك كثيرا، لأن ذلك ما تجيده مراكز الحدود العربية..!( ص 173 ـ 178)

ــــــــــــــــــــــــ

(*) الفصل السادس عشر من رواية ” مدن ونساء” للروائي سعيد البادي ـ الصادرة في شهر نوفمبر / تشرين الثاني 2015 ـ عن دار كتّاب ـ الإمارات.