الكاريكاتير والمجتمع – فنون – عفيف محمد

الكاريكاتير والمجتمع – فنون – عفيف محمد

يحفل مسرح الحياة اليومي بمشاهد قد تكون ساخرة بسبب مايقع من احداث متناقضة للقانون اوالاعراف ونجد ذلك واضحا في المجال السياسي اوالاجتماعي وحتى الديني مما يبرز هنا دور السلطة الرابعة في النقد البناء الهادف لتقويم الخطا وتصحيح المسار ويتم الطرح بشكل صريح وجدي . لكن النقد الممتزج بالفكاهة هذا ما يتبناه الكاريكاتير ذلك الغصن الجميل الناشئ من شجرة الصحافة والملتصق بها الذي يطل صباح كل يوم من خلال مساحته المحددة في الصحيفة اوالمجلة على قراءة ومتابعيه ليثير اهتمامهم من خلال مايسكبه من خطوط والوان نابعة من متابعته للوضع القائم ومايشغل عامة الناس فتجد رسوماته تمتد بحبال افكارها لتصل رجال السياسة واصحاب القرار بسبب تمرده على الواقع وتمرير مايريد تناوله معتمداً على قدرته بالالتفاف على الرقابة وتجاوزها خصوصا في البلدان التي تفتقد للحريات فنلاحظه ينال من السخط والغضب كما ينال من المجد والاحترام كونه صرخة المتابع من خلال مايسلطه من ضوء على زوايا حياتنا المعتمة باسلوبه الساخر المتمثل بالفكاهة الذكية الراقية التي تنطوي على مغزى عميق اونقد بليغ اونظرة نافذة في الحياة الانسانية ومفارقاتها مماينعش العقل بابتسامة وهويفكر فهواشبه بالطبيب الماهر القادر على تشخيص الظروف التي نشات بسببها امراض المجتمع … تاريخيا تمتد جذور هذا الفن الى 5000 سنة ق . م ونجد اثاره في حضارة الفراعنة حيث استخدموا اسلوب رسم الصور للتعبير عن ارائهم وكلمة كاريكاتير Caorocatare ايطالية وهي مشتقة من الجذر اللاتيني Cairacate  تعني المبالغة أويُحمل الشيء أكثر من طاقته فهوفن التحريف المقصود بخطوط بسيطة لملامح الجسم معتمدا على المفاتيح الشخصية له لينتقد سلبيات الحياة . إن أول عهد للصحافة الساخرة كان مع الفرنسي شارل فليبيون والذي يعتبر مؤسس الصحافة الساخرة حيث أصدر أول صحيفة تهتم بالسخرية وتستخدم الكاريكاتير عنصرا أساسيا في تحريرها واسماها Le caricature  وبعدها انتقل هذا الاسلوب الى لندن تمثلت بمجلة  punch   ومنها لاوربا وروسيــــا التي كانت فيها مجلة كركوديل وتعني التمساح وهي مجله روسية ساخره تختص بالمفارقات السياسية والاجتماعية  ومن ثم الى العالم . فشيوع هذا النوع من الفن يكمن بسهولة ادراكه وحسن وقعه على النفوس مما يسهل تذكره للاخرين من خلال لوحاته التي تقف الكلمات امامها عاجزة عن التعبير فمثلا رسم صقر يحاول صعود شجرة باستخدام سلم بينما نجد اعلاها يجلس فيل اوفرس النهر فمن الواضح هوتعبير تهكمي يدل على وجود خلل متمثل بوصول شخص غير كفوء لمنصب قيادي بمؤسسة اومنظمة من خلال المحسوبية الواسطة  بينما المضحك والملفت للنظر هوما اعطاه لشخص الكفوء من عوائق تمنعه الوصول لهذا المنصب المتمثلة بالصقر حيث يتجسد هنا المثل القائل وشر البلية مايضحك . اوزوج وزوجته لايستطيع ابنهم النوم على سريرهم الذي يمثله الفنان المحترف براتبهم الشهري فهوانتقاد لاذع يشير الى عدم كفاية الراتب الشهري لهذه العائلة وصعوبة تغطية نفقات ولدهم . وقد دخل هذا الفن أيضاً مجالات عديده منها الاعلانات لدوره المتميز في ترويج الافكار ومساهمته الكبيرة في الاقناع من خلال افكاره الابداعية في الرسم اوالتصميم فهويصل لشريحة واسعة من المجتمع فنجده في المجال التجاري يكمن دوره في تقليص المسافة بين المنتج والمستهلك كما يؤثر على قرارات الافراد الشرائية من خلال جذب الانتباه والاهتمام المحتمل نحوالسلعة ولربما زياده في رغبة اقتنائها فهويداعب الرغبات الكامنة في نفوس الناس وتاكيد ذلك بواسطة سيناريوالكاريكاتير التجاري المعروض للعامة وبالتالي يحقق زيادة النشاط التجاري والارباح . كما نشاهد دوره الداعم لعمل المنظمات اوالمؤسسات كالاعلان الترويجي للاقلاع عن التدخين وبيان التاثيرات السلبية في حالة الاستمرار اودوره في تسليط الضوء ناقداَ للرشوة والفساد في اجهزة الدولة … الخ .

الرسم الكاريكاتيري انواع فمنها مايكون بدون نص وهويدل على قوة الرسم في الاستغناء عن النص الملحق كونه معتمد على التصميم البصري وتاثيره على عين المشاهد في ايصال الرسالة فهذا الرسم تدركه جميع اللغات وحتى الاميين اما القسم الذي يتبع بتعليق ساخر يكون موجز وملخصاً للحدث ومكملاً للرسم فيستنبط القارى منها فكرة تهدف للاصلاح نحوالافضل . كما لا ننسى دخول الصور الفوتوغرافية ايضا عالم الكاريكاتير بفضل برامج الفوتومونتاج وما تضيفه من تاثيرات متبوعة بتعليقات على الصور لتجعل منها رسالة كاريكاتيرية اخرى لها دور في طرح ومناقشة مواضيع الساعة وهذا مانجده واضحا في مواقع التواصل الاجتماعي التي تمثل حاليا بالصحيفة الشخصية يكون صاحبها كرئيس التحرير فهويقرا كل منشور يثير اهتمامه كما يشارك نشاطه مع اصحابه مما يدفعهم ويشجعهم على ابتكار وسائل التعبير الجديدة واستغلال التطور التقني الجديد لوسائل التواصل الذي يزيد فرص انتشاره .

 مما تقدم نجد سر نجاح هذا الفن هوعفويته وصدقة في الانتقاد ناهيك عن اختصاره لكثير من الحوارات والشروحات المطوله في مقالاتنا الصحفية فهو رسم بسيط لفكرة كبيرة وفي مشهد واحد وبلغة الرسم التي يفهمها الجميع.