أرض الحَرام – نصوص – رسول يحيى

أرض الحَرام – نصوص – رسول يحيى

أسراب الطّيور الهاربة تلوذ بعيداً إلى المجهولِ تاركةٌ الوطن، والأشجارُالمثمرة الحانيّةُ الأغصان قَد أَصَابَها هوج الشظايا . الدّخانُ ألقى بظلالِه على السّماءِ المتلبّدُة بالغيومِ ، والحرائق فِي كلّ مكان هُنا وهُناك، الأصوات المرْعبةُ تخترق السكون المُطبق ..وحفيف أجنحةُ الموت تخيم فوق رؤوسنا ، نقفُ بإقدامنا المرتجفة، ونحنُ بيْن يأْسٍ شدِيدٍ و حُزْنٍ عَمِيقٍ والأرض قَد لبست ثوبها الأحمر بَدَل ثوبها الأخضر، فضربات مَعاولنا تدمِّي قلْبِها النابض.امسكُ حَفْنَةٌ من التّراب فيتجبس بيدي الأثمة.

يطْبَقُ اللَّيْلُ فنجّد فِي الظّلامِ الملاذٌ الأمن رغم أننا لم نألفه ، واحساس بأن أرواحنا المرفرفة قد عَادت إلى أوطانها، و عَودة انبعاثات الحرارة إلى أجسدنا المتهالكة ، تهدهدنا الأحاديث المتوسلة . ولا نسمع سوى تردّد موسيقى الموْت المنتشرة بَصوتهَا العَالي.

في إِحْدَى الليالي المقمرة والأضواء الفِضِّيَّةُ المنبعثة من القمر المكتمل والنجوم السَّاطِعَة تمتزج مع الأرض تُنذِرُ بيومٍ خطيرٍ. كُنَّا نَخْشَى تلك الليالي المضيئةَ . وما أن اقْتَرَبَ الفجر حتى انهالت القَذائِف تتساقط كالمطرِ تنبش مواقعَنا. وَهِي تترصد همسَ أصواتنا وحرارة الأجساد البائسة والموحلةَ بَالطِّينِ فِي الشُّقَوق القذرة ، تَسَاقُطُ زملائيّ وتطّايرت الرُّؤوس والأطراف الممَزِّقَة. أّنينَ الجرحى وصمْت الموتى يَخترقُ سحبُ السماءَ الحزينةَ. الدّخان والنيران المنبعثه اخفى بَريق النّجوم ولم نعد نراها. الألمُ رأسيّ الأصم يصدعنيّ وجسديّ المتجمدُ كاللوح الخشب لا ينبعثَ منهُ سُوَى صَرير أسنانيّ الخائفة، وأنفاسيّ تلهثُ وأبخرتَها تتصاعدُ مسرعةً موليةً هاربةٌ. أصابنيّ الرّعبَ والفزعُ أحاول البكاءَ بدموعٍ متيبسةٍ وصوتُ أخرسٌ لا يخرجُ من الشّفاهِ الجريحةَ .اِرتمى أحد المصابين بقربي وهو يجودُ بنفسهِ ، كانت الدماءَ تسيل من أنفهِ وفمهِ .. يصيحُ:” لا أريد أن أموت” . حاولتُ أن أهدئِ من روعهِ:” ستموتُ أمي أن علمت بوفاتيّ.. لم يمضِ عَلى زواجيّ أكثرُ من شهر” . يستسلم جسدهُ للهدوء وأصابهُ الشحوب ولسانه بداء يتثاقل، أحسستُ ببرودةِ أطرافهِ ، لفظ أنفاسه الأخيرة وهو يحتضنيّ كالطفلِ الجائع إلى ثدي أمهُ. سبلت يديه وأغمضت عينيه وأخذت ازحف فِي الشقوق ابحث عن حفرة اغوص بها نحو عمق الأرض أَتَمَنَّى أن تبتلعني. تخفت أصوات من كان حوليّ ولم تخفت أصوات تلك المدافع اللعينة. دَبيب بارِدٌ تملَّكَ إطرافيّ واخذ يسري في جسديّ اصابع يديّ إصابها الخدر البسيط ونمش يزداد شيئاً فشيئاً حتى اِجتاحَ جسديّ كلّهُ ، أَغمضتُ عينيَّ واستسلمت للنعاس فقادنيّ الحلم إلى المروّج الخضراء والأشجار العَالِيَةُ وهي تبسّط إِغصانها وطائر الحب يلتقط الحبوب المتساقطة على الأرض .