حمى الفبركة السلطوية

حمى الفبركة السلطوية

يعد مصطلح الإسلام السياسي من المصطلحات الحديثة التي طرأت على منهاج السياسة بعد انهيار الدولة العثمانية وقيام الاتحاد السوفيتي او (اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية) وما اثارته الشيوعية من أفكار جديدة بشأن الملكية الاشتراكية، لكن تطبيق الإسلام السياسي فهو ممتد من عصر صدر الإسلام حتى الان بعيدا عن التفاوت الجوهري بين دولة واخرى بالنسبة للمزاج السلطوي وفاعلية الإستهتار التقديسي والتعصب القبلي المقيت ، الإسلام بالنسبة للمسلمين ليس دينا فحسب وإنما هو نظام اجتماعي ، اقتصادي ، ديني يقوم على أساسيات ارتكازية مستنبطة من الشريعة الإلهية فهم يرون إن الإسلام هو الحل الأمثل لقيادة الشعوب والاستعلاء بهم نحو دولة عدل لايتخللها ضوء الفساد ولاتمر عليها غمامة الظلم اعتمادا على (ثيوقراطية) محددة بعدالة السماء ونبذ السياسات الموضوعة حسب نظريات وفلسفات البشر كونهم عباداً عاجزين امام قدرات الرب العظيم.

فعلى امتداد السياسات الإسلامية التي تناوبت على حكم الرعية ابتداء من حكم الاموين والعباسيين لم يكن الاسلام السياسي الا وسيلة حمقاء لهدر الدماء واقصاء الرعية بشكل لم تشهده البشرية من قبل فكانوا خلفاء المسلمين ووزراءهم ومن لف لفهم طواغيت يتمتعون بحصانة إسلامية خالصة تميزهم عن غيرهم من العباد وكتب التاريخ خير شاهد على انتشار حمى الفبركة في الشريعة الإسلامية من أجل الاستحواذ على مناصب حتى لو كلفهم الامر قتل أبنائهم واقاربهم باسم الشريعة وتهمة الخروج على ولي أمر المسلمين كما قال هارون العباسي لأحد أبنائه (يابني ، الملك عقيم أن نازعتني عليه قتلتك) ولهذا ساد الاقتتال بين العوائل الحاكمة من جهة وبين الحكومة والرعية من جهة أخرى واستحدثت وسائل قمعية لم تكن بالحسبان مثل قطع الاطراف والحرق والصلب والزيت للمغلي وتنور الشواء وتنور المسامير والتمثيل والسبي وغيرها من وسائل تعذيبية بشعة يراد منها اخافة الرعية وجعلها اكثر خنوع واذعان للسلطة الحاكمة كالخراف السائرة وراء الراعي الذي ربما هو سائر بها نحو المذبح !! كون السلطة تتمتع بأحقية قاهرة من حيث القتل والترهيب واباحة المحرمات وتحريم المباحات كونهم خلفاء الله في الأرض وهم اولوا الأمر كمايتصورون !! لم يكن الإسلام السياسي حكماً ناجحاً يرفع من شأن المواطنة والارتقاء والازدهار والتقدم وانما كان مصدرا أساسيا للرجوع الى عوالم الظلام القبلية الجاهلية بل اسوأ وأخطر من الجاهلية نفسها كون الجاهلية سلطوية على مجموعة افراد تحت مسمى القبيلة بينما الاسلام السياسي امبراطورية عظيمة الظلم شديدة الوقع على من لم يرضخ لها ويؤيد لها بالحق الشرعي ، والجدير بالذكر ان الاسلام السياسي هو العامل الاساس لتشوية الدين الإسلامي عبر مراحل الحياة كونه جعل الاسلام شماعة ومسوغاً لتلك الانتهكات الحاصلة في بلدان العرب والمسلمين وخير مثال على ذلك إيران والسعودية وكذلك الحركات الاسلامية التي تستر عوراتها وعيوبها بعباءة الإسلام كحركة التحرير والجهاد الاسلامي وطالبان وداعش وغيرها من الحراكات الإسلاموية التي ترى التسلط على رقاب المسلمين شرعا أراده الله وامرهم به بغض النظر على تحقيق العدالة القمعية ، أما في العراق وفي فترة الستينيات وحتى التسعينيات برزت حركات إسلامية مناهضة للحكم البعثي كحزب الدعوة الاسلامية والمجلس الاعلى للثورة الإسلامية كان البعض يتصورها حركات قائمة بأمر الرب وعلى يدها تتحقق مشيئة الخلاص من العبودية واعلاء العدالة الربانية لكن بعد اندثار الحكم البعثي واصبحت السلطة بمتناول يد الأحزاب الموعودة شاع الفساد اضعافا على ماكان عليه مع تردي الأوضاع الأمنية وضعف الاقتصاد والإدارة وشيوع الفقر وانحدار التعليم وسقوط الأخلاق وهذا ما لم نكن نتصوره ابدا من الاحزاب الإسلامية التي طالما نادت بالحقوق والمساواة والعدل والتي كنا نعتقد انها بمثابة الخلاص !! فطرق التعذيب وأساليب القتل الآن ابان حكم الاسلاميين لاتختلف كثيراً عن اساليب القتل التي شاعت عبر مراحل الفبركة الدينية لكنها الان تنسب للمجهول ولايمكن البوح بهوية القاتل خوفاً من المصالحة الوطنية المكذوبة على اساس اراقه دماء الابرياء !! التفخيخ والسيارات الملغومة والاغتيالات بالاسلحة الكاتمة والتصفية والاعتقالات العشوائية وغيرها من اساليب ازدواجية دينية شيطانية تعتبر من اهم النتاجات واحدثها بل هي اقسى ما انتجه الإسلام السياسي الحالي في بلدان الرحمة الإلهية كما هم يدعون ، فلابد من فبركة الدين الإسلامي الحنيف الى دين سلطوي عنيف عن طريق التمويه والتخويف وذل الرقاب باسم الشريعة السماوية والقران (حمال ذو وجوه) كحد تعبير الامام علي ، وتحريف مايمكن تحريفه حتى يتمكنوا من امتلاك زمام الامور والاستيلاء على مناصب الدولة ليمتصوا دماء الفقراء ماديا ومعنويا حتى تكتنز كروشهم من أموال وعقارات اسوة بسيدهم قارون الذي لم يلبث عشية حتى خسفت به الارض وصار حكاية للمستبدين الطامعين كون الدنيا لاتدوم وليس الانسان فيها بمخلد مهما كانت هويته الدينية ..

أحمد أبو ماجن – بغداد