علي السوداني في مكاتيب عراقية

علي السوداني في مكاتيب عراقية
لغة في الوجه واليد والنشيج
حسين سرمك حسن
محنة الكاتب العراقي
منذ ثلاثة عقود والكاتب العراقي يواجه مأزقا تصاعد بصورة خانقة بعد الإحتلال الأميركي القذر للعراق ليصبح محنة حقيقية. ففي كل مكان من المعمورة يحاول الكاتب أن يشغّل مخيلته إلى أقصى طاقاتها لينتج نصا يسبق به الواقع ويجعل الأخير يلهث خلفه. لكن في العراق انقلب الأمر، وصار الواقع يسبق مخيلة الكاتب حتى صار الكاتب يلهث وراء الواقع بكوارثه السوريالية وشدائده الفاجعة. تصوّروا أمّين مثكولتين تتعاركان على قبر واحد.. وأمّهات يخرجن من الطب العدلي مستبشرات وهن يحملن رؤوس أولادهن في فلينات مثلجة أفضل من أن لا يجدنهم نهائيا أو يدفنون في مقابر مجهولي الهوية.. ورجل يملّ من مراجعة الطب العدلي حول جثة إبنه المغدور فيأخذ جثة لشاب آخر ويحاول إقناع الأم بالإذعان.. و.. و.. وغيرها مما يجعل الولدان شيبا ويفزع المخيلة العزلاء.
أي قصيدة نثر أو قصة أو رواية من روايات ما بعد الحداثة تستطيع تصوير هذه الفاجعات بصورة تفوق فعلها الواقعي لمتلقٍ يتقلب قي اتون الجحيم ؟ كل النصوص باردة وباهتة.
مكاتيب عراقية الوجه
واليد واللسان
ولكن علي السوداني اختار مقتربا فريدا حاول به على الأقل أن يلاحق المحنة ويتعلّق بعربة كوارثها الماحقة.. فصار يرسل مكاتيبه الدامية التي لا تنطبق عليها حتى التسمية التي اختارها هو من سفر الضحك والوجع . أين هو الضحك في العراق؟ التسمية باهتة والمصيبة قارعة مدلهمة جعلت الجبال كالعهن المنفوش. قد تنطبق هذه التسمية على المكاتيب التي تتحدث عن حالته في عمون أو عمان .. عن ذكريات الأمس الجميل.. لكنها لا تعبر عن المكاتيب التي تشتعل بالهم العراقي الذي لو وضع على جبل لانخذل معتذرا متصدّعا. وليس اكثر بلاغة من مقالته سأبكي الليلة بقوة كأني ألف امرأة والتي حاول فيها تصوير ماساة أطفال الملجأ البغدادي.. ضحايا العصر الذين مزقوا كل الضمائر.. صحيح أنني انقعلت بمكتوب علي عنهم وهو يربطهم بنواس وليس نؤاس وهو خطأ شائع فلذة كبده.. فدموعي جفت ليلة شاهدتهم على شاشة التلفزيون عراة مربوطين إلى الأسرة وسط خرائهم.. بقيت أبكي حنى الرابعة فجرا عندما أهارني القهر وسقطت مغشيا علي.
وأسلوبية علي هذه تجعل مكاتيبه عراقية الوجه واليد واللسان حدّ النخاع الدموي الغميق.. نصوص تعرف عراقيتها بمجرد سماع مقومات أسلوبها وفي مقدمتها الشتائم البليغة الرائعة. خذ منها راح أروح أنهمد. أستودعكم أمانة تحت خيمة الله العزيز الكريم القوي العادل الرائي الطيب الذي يمهل ولا يُهمل. موت الكرف كل من كان السبب. سرطان أبو النعلجة يأكل عافية كل قاتل لئيم كلب إبن كلب ص 24 .
المشهد بائس ويائس ومصخّم وملطّم. شىء أقرب إلى كسران الرقبة والظهر. طيحان حظ شاسع. حزن شديد اللهجة لو نزل فوق جبل عظيم لرأيته خاشعا متصدعا متضعضعا منهكا من عظم المصيبة ص 23 .
مفوّه عراقي من سكنة المنطقة الخضراء نام على خوانيقه جندي أمريكي عملاق مسنود بكلب إبن سطعش كلب استثمر انبطاح الرجل المغدور فراح يعبث الدوني إبن الدونية بمساحة من جسد الوزير المبطوح لا تصلح للعرض على دكة حمّام التميمي للفحول ص 89 .
ا الشتائم من ناحية
علم النفس
بعد أن يولد الطفل البشري يكون في حالة إعتماد كاملة ومقززة. فليحصل على مبتغاه من إشباع حاجات وحضور أمومة يستخدم الزعيق الحيواني المذل. ثم يحصل الإنقلاب الهائل في حياته عندما يبدأ بامتلاك اللغة فيُحضر أمّه و يبعثها بـ كن فيكون ، ويمتلىء بمشاعر إله .. ولكن مع تقدمنا في العمر تتبلّد اللغة بسبب تكرار الإستعمال، ولن يستطيع شىء فرك الصدأ عن وجهها واستعادة قدرتها الإدهاشية إلا من خلال الشعر.. والشتائم والتجديف والكفران. الشتائم حاجة. في أحد المعامل الاوروبية الضخمة بدأ الإنتاج يقل، وهمّة العمال تتراجع.. فدرس المختصون الحالة ووضعوا ــ ويا للعجب ــ تمثالا نصفيا لرئيس العمال في مدخل المطعم. بدأ الإنتاج بالتزايد وهمّة العمال تتصاعد.. لاحظوا أن كل عامل يدخل المطعم يبصق على تمثال رئيس العمال ويدخل فرحا خفيفا.. شتائم علي هي شتائمنا اللائبة في أعماقنا منذ قرون.. هي البصقة المؤجلة المخذولة التي نخشى إطلاقها بفعل الإرادة الجبانة على كل الغدارين والخائنين وآكلي أثداء أمهاتهم. أطلقها وسوف تستعيد صحتك النفسية
سوف أحكي وأقص عليكم ثيمة هذا الإعلان إن توفرت تحت يميني لغة قائمة على التأويل والتفسير والإزاحة والمجاز أنعل أبو أمريكا ــ ص 34 .
ثمة محاولات تلفزيونية رحيمة لترميم ما انثلم وتآكل من روح الرعية. سيوف ونبال وسهام وتروس ولافتات تشتم الاستعمار وتسب وتلعن أبو أبو أمريكا واليوم المصخم الذي أتى بها لتحطم بلدنا وتدوسه فتصيره عصفا مأكولا ــ ص 87
حماك الرب العالي البديع المهيمن القادر الجميل يا وطني وطيّح حظ وصبغ الغزاة. ولتكن خاتمة الدم لكن حتى خارج شوطي المباراة والوقت الذي يسميه الحكم الرابع زمنا ضائعا ص 93 .
شتائم تاريخية
في مكتوبه الإفتتاحي وعنوانه للسمينات والسمان ولهيفاء وهبي يقول علي
سيكون بمستطاعك أن تسمع جارتك أم علي وهي تصيح بك موت الكرفك يا بعير يا أدبسز يا أبو كرش يا عار يا خره لأنك ضيعت مرتك وجهالك. وقد يتطور الأمر فتتفل أم علي بوجهك..وعندما لا ترد عليها بتفلة، فقد تتمادى وتنزع نعالها وتلطشه فوق رأسك، فيتجمع من حولكما اهل الحارة. ساعتها ستمنحك أم علاوي طلقة الرحمة فتعيط بك لو بيك خير، ما اشتغلت عميل عند الأمريكان ــ ص 10 و11 .
وهذه الإنتقالة التلقائية من حيز ما هو شخصي تنزيل الوزن إلى دائرة ما هو عام الخيانة الوطنية تسم أغلب نصوص علي ويمكن عدّها من سماته الأسلوبية.
وإذا كان الكثير من الباحثين في شؤون الشتائم والهجاء في التراث القديم قد عدّو بيت جرير في هجاء بني تغلب
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ُ
قالوا لأمهمُ بولي على النارِ
من قصيدته التي مطلعها
مازال فينا رباط الخيل معلمة
وفي كليبٍ رباط الذلّ والعار ِ
أقذع وافظع هجاء حملوه معهم إلى القبر.. فإن بعض المبدعين العراقيين قد انبروا لصياغة شتائم فريدة وفذّة وسمت الخونة على جباههم إلى يوم القيامة هذه شتيمة علي السوداني التاريخية
لو بيك خير ما اشتغلت عميل عند الأمريكان
وهذه شتيمة تاريخية أخرى من جواد الحطاب في ديوانه المقاوم إكليل زهور على جثة بيانو ذكرها السوداني في مكتوبه من رأى منكم الصورة فليحفظها
لتصبح أمّك مترجمة
وأبوك سجينا عند الأمريكان
من قصيدة يقول فيها جواد
شتيمة..
في دارنا
في دار رعاية الأطفال
يمكن أن تدمى لأجلها قبضاتنا الصغيرة
يمكن أن تضيئنا الحمّى طوال الليل
لكنني لاحظت أن الخونة كلما اشبعناهم شتائم وكلما أوغلوا في مستنقع الخيانة احمرت وجوههم وامتلأوا عافية
وقد استخدم علي عنوانا من رأى منكم.. إلخ بنباهة ليتوازى مع بيت شعر صمّمه الحطاب من نفس الديوان الذي تناوله علي وهو
من شهد منكم الدمع ــ فليقتله ــ
وكلا التعبيرين تضمين غير مباشر عن حديث نبوي معروف.
إعادة الإعتبار إلى الحزن العراقي النبيل
حتى المذيعات لهن دالة على الكتاب والمثقفين العراقيين. فحين تخرج مذيعة لهلوبة وتنطق مصطلحا أو تعرض وجهة نظر نجدها تنسرب في المقالات والأحاديث في اليوم التالي. مرة قال أحد الفنانين لدينا حزن شديد في الغناء العراقي، فردت عليه المذيعة لا عيني.. لا.. أوي.. هذا شجن مو حزن. ومن ذاك اليوم ولحد هذه الساعة والكل يردّد عدنه شجن مو حزن. علي السوداني يصفع كل من يتجرأ على الحزن العراقي النبيل والمقدس ويحاول تلطيفه أو تخفيفه أو رومنسته .. هو حزن للعظم.. حزن تبيض منه العيون.. ويذهل كل مرضعة عن مرضعها
المشهد بائس ويائس ومصخّم وملطّم. شىء أقرب إلى كسران الرقبة والظهر. طيحان حظ شاسع. حزن شديد اللهجة لو نزل فوق جبل عظيم لرأيته خاشعا متصدعا متضعضعا منهكا من عظم المصيبة ص 23 .
إن علي السوداني يضعك في حالة انفعالية غريبة لا ينطبق عليها الوصف التقليدي الذي استسهله البعض كثيرا في وصف نصوص علي وهو ضحك كالبكاء. أبدا. ما ينتج من حالة انفعالية هي خلطة عجيبة ينبغي إيجاد اسم خاص بها. هي الحزن العراقي بنيجاتيفه وقبل تظهيره بأحماض اللعب اللغوي.
نحت العناوين
ويقوم علي بتصميم عناوينه بذكاء يجعل العنوان فعليا جزءا من المتن النصي. هذه العناوين ينحتها أو يشتقها أو يصوغها على غرار عنوانات معروفة سابقة لما هو متداول بين الناس في حياتهم اليومية أو ما اختزنوه في طيات لاشعورهم الجمعي القرآني خصوصا أو من مخزون ذاكرته العميقة النابهة وقراءاته الثرة
يا علي إركب معنا قرآنية … لا تجعلوا بطونكم قبور الحيوانات للإمام علي عليه السلام .. إذهب وحدك وقاتل قرآنية .. أحد عشر كوكبا والناس قرآنية .. أبرد من مؤخرة السقا مثل شعبي .. الكذب الحلال في الهاتف النقال موروث ديني .. المرأى ينفتح والعبارة لا تضيق موروث صوفي البسطامي .. يا زمان الوصل في كل مكان شعر عربي قديم ــ موشح .. في ضني ممثل روائية .. غيرها الكثير. وحين يصمم علي عنوانا فهو يحدّد مسار النص المركزي الذي ستنسرب في روح متنه بهدوء غير محسوس من بدايته حتى نهايته.. وهنا يصبح العنوان ثريا للنص قعلا، خصوصا أن علي سيعمد إلى استخدام ونحت واشتقاق جمله التعبيرية الداخلية في المتن على المنوال نفسه.
جزء من مقالة طويلة
/9/2012 Issue 4297 – Date 6 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4297 التاريخ 6»9»2012
AZP09