فرجة مسرحية لندنية

330

فرجة مسرحية لندنية

عبدالرزاق الربيعي
خلال زيارتي لندن عند مشاركتي ضمن قافلة سبلة عمان الثقافية الثالثة سألت الصديق نديم العبدالله وهو أحد العارفين بمرافق لندن الثقافية: هل يقام هذه الأيام بلندن مهرجان مسرحي؟
فقال:لماذا؟
أجبته: لكي تتاح لي فرصة الإطلاع عن قرب علي المسرح في لندن
فقال: في لندن كل يوم مهرجان مسرحي وأردف “طبعا بالمعني المجازي لمفردة مهرجان”ظننته يبالغ ويمزح، فلم يسبق لي حضور عرض مسرحي في أوروبا، التي منها انطلق المسرح منذ بداياته في اليونان علي يدي أسخيلوس وسوفوكلس وأوريبيدس في القرن السادس قبل الميلاد ومن ثم المسرح الروماني وقد ارتبط ذلك بالاحتفالات الدينية ويؤكد مؤرخو المسرح أنه اختفي بعد ظهور الكنيسة المسيحية وسقوط الامبراطورية الرومانية واستمر ذلك خمسة قرون ليعود في القرون الوسطي تحت فضاء الكنيسة الكاثوليكية وفي المناسبات الدينية والفلكلورية ثم يعود مجددا في عصر النهضة وفي ايطاليا في القرن الخامس عشر الميلادي مستفيدا من نظريات ارسطو في فن الشعر واستقر شكل خشبة المسرح بما يسمي اليوم بالعلبة الايطالية،ويعود نشوء المسرح الانجليزي الي عصر الملكة اليزابيث الأولي في القرن السادس عشر الميلادي وبلغ هذا المسرح نضجه مع شكسبير الذي مزج التراجيديا بالكوميديا والمشهد الدرامي بالرقص والغناء فصنع فرجة مسرحية من خلال أعمال خالدة تعد من كلاسيكيات المسرح الحديث.

وبعد أيام اتصل صديقي ليخبرني إنه حجز مقعدين في أحد مسارح لندن لأكون علي مقربة من “الحالة المسرحية” اللندنية كما أسماها، وأكد أن العرض يبدأ في الساعة الثالثة عصرا!!
سألته:هذه المرة الأولي التي أسمع بها بوجود عروض مسرحية في هذا الوقت، فقد اعتدنا أن تقدم العروض المسرحية ليلا في أوقات السهرة!!
فقال: توجد هنا عروض مسرحية ليلية لكنني وجدت حجزا في هذا الوقت رغم اكتضاض المسرح في هذا الوقت لدرجة انني حاولت الحصول علي مقعد لصديقنا الشاعر عدنان الصائغ فلم أجد الا في العرض الذي يعقب العرض الذي سنشاهده
وفي الوقت الذي حددناه التقينا قال لي: إن العرض الذي سنشاهده جديد فلم يمض علي بدء عرضه سوي حوالي ثلاث سنوات
سألته:وهل أن عرضا يستمر ثلاث سنوات يعد من العروض الجديدة؟
أجابني:طبعا، ففي لندن عروض مستمرة منذ خمس وعشرين سنة وربما أكثر!!ولسوء الحظ لم أحصل علي حجز لأن مشاهدة أمثال هذه العروض تحتاج الي وقت ليس بالقصير!
توجهنا للمسرح الواقع علي نهر التايمز وعلي واجهة المسرح شاهدنا اعلانا كبيرا يشبه اعلانات الأفلام السينمائية، بل أن صور الممثلين المثبتة علي الواجهة الخارجية للمسرح وتجمع الجمهور علي شباك العرض رغم الحجز المسبق – كان سعر التذكرة 40 باوند – وكأنني أقف ببوابة دار عرض سينمائي لا مسرح! هذا الجمهور جعلني أقتنع باحصائية نشرها الكاتب صلاح أحمد في “ايلاف” أكدت أن عائدات المسرح بلندن “بلغ متوسطها 720 مليون دولار منذ العام 2007. وتضم لندن حوالي 40 مسرحاً تجارياً، إضافة الي عدد كبير من المسارح غير الربحية ودور العروض المسرحية المؤقتة. ويقدر أن نحو 20 مليون شخص يؤمون المسارح سنوياً، 15 مليوناً منهم من نصيب المسارح التجارية في الويست إند”

حين عرضنا ورقة الحجز علي عامل شباك التذاكر أعطانا تذكرتين فتوجهنا للقاعة، كانت مغلقة لذا جلسنا في كافتيريا صغيرة تقدم بها المشروبات ريثما يفتح باب القاعة، قبل العرض بحوالي عشر دقائق فتح باب القاعة فدخلنا، وجدنا عاملة تنظر في التذاكر وتحدد لنا أماكن الجلوس، كما يحصل عند ركوبنا طائرة أو دخولنا دار عرض سينمائي!
كانت القاعة قديمة تشعرك بهيبة وجلال المكان الذي يعود الي ماقبل حوالي مائة سنة بكراسيه ومقصوراته وأجهزة الانارة المصوبة نحو الخشبة المسدلة الستائر وديكورات القاعة التي لم يسمح لنا بتصويرها
كانت “فولدرات” العرض المسرحي تقدم للجمهور فكرة عن الممثلين والعرض وأسماء الممثلين الذي قدموا العرض منذ بدايته وأسماء البدلاء وعناوين الأغاني التي يتضمنها العرض وكان يحتوي علي 42 أغنية بواقع 21 أغنية لكل فصل من فصلي المسرحية التي كانت ذات طابع غنائي وتعود أحداثها الي فترة خمسينيات وستينيات القرن الماضي وهذا ما يفسر وجود معظم الجمهور من كبار السن
بعد مرور دقائق خفتت الأضواء وبدأ العرض فوجدت نفسي كأنني بقاعة عرض سينمائي من حيث الشد البصري والسمعي وتفاعل الجمهور الذي ظل لحوالي ثلاث ساعات منسجما مع العرض مستمتعا بتفاصيله وبأداء ممثليه حتي إنه استجاب لطلب بطل المسرحية في آخر عشر دقائق بمشاركة فريق المسرحية الرقص، وهكذا وقف الجمهور وبدأوا الرقص حتي انني خشيت أن تسقط بنا المنصة من كثرة اهتزازها وقدمها وسط ضحك زميلي!!
انتهي العرض وعادت الأضواء للقاعة كانت وجوه الجمهور سعيدة مبتسمة مستمتعة وفوجئت حين وجدت زحاما شديدا علي باب الخروج وكأن الجمهور خرج من مشاهدة مباراة لكرة القدم لا لعرض مسرحي، والكل يبتسم بوجه الآخر ويسأله: هل استمتعت بالعرض؟ ويتمنون للجمهور المحتشد الذي كان يقف عند البوابة الخارجية منتظرا اخلاء المكان ليدخل القاعة مشاهد ممتعة
ولاحظت تركيز الجميع علي مفردة ” المتعة “فالعرض فرجة ومتعة وجماليات سمعية وبصرية ومضمونا وهذه هي التي تصنع جمهورا.
من هذه التجربة عرفت أن المسرح اضافة الي ماذكرت تراكم حضاري وتقاليد وثقافة ورسالة وليس ندوات وتنظيرات وكما كبيرا من من الكراسي الفارغة!!

/2/2012 Issue 4116 – Date 7- Azzaman International Newspape

جريدة «الزمان» الدولية – العدد 4116 – التاريخ 7/2/2012

AZP09
RZRB
























مشاركة