النجف.. المدينة كأم رؤوم

314

النجف.. المدينة كأم رؤوم

فليحة حسن
كنتُ وفي كلّ يوم حين يركن الراحلون الي لحظات ابديتهم الاولي، ويدبُّ النسيان الي أعماق ذويهم فينامون متأسفين، أتسللُ إليكِ اسحب نفسي رويداً رويداً،وامدُّ يدي صوّب كتفكِ بهدوء أُربتُ عليها، تستيقظين ونتسامر حكايا عن ما كان وما سيكون،
اخبركِ… وتخبريني!
اقول سيدتي…..
وابتسم اذ اري كلّهم فيكِ كلّ عالمي أنتِ أقول لكِ….،
ومشاكسة مثلكِ كنتُ، وكنتِ حنونة مثل جدتي،
لم اكن«آريةً» كبقية اولادكِ وسمرتي سجني ومغايرتي لهم تميزاً لا اختلافاً،
غير انّكِ كنتِ والدتي عن صدق وابنائي منكِ ينحدرون،
أيتها العاشقة الأبدية وهكذا سميتك قبلاً
غير انكِ اليوم أرعبتني فهربتُ،
الا تذكرين حين أيقضتكِ علي وقع حلم مثل كلّ يوم، تفاجأتُ وأنا أراكِ تعتمرينها قسراً فوق رأسكِ، سميتَها جاهاً وعلواً ورمزاً ،وهي لم ولن تك كذلك إذ تزّورُّ النوافذ عنها، وبها ُتمحي دروب الشمس،
وأزداد رعباً وأنا أري لحية لكِ تستطيل، واظافر تنشب وانياب تسن،
ركضتُ……..
وصرتُ أعدو فراراً وانا أراكِ تلتهمين كبد أمي يا فلذتها….،
وتمضعين روح أبي – أكان مخطئاً حين دفع عن وجهكِ الليل، وسوّرك بذراعيه لتنامي؟، وتقطعين حبل المشيمة عن طفلي ولم يتجاوز بعد الحلم الي الرؤية، فيسقط نحوالاخرة الغابرة الغادرة،
عدوتُ بعيداً عنكِ فانتِ مدينة تعرف من أين تُنهش الروح،
شوارعكِ اكتضتْ بأسلاكهم الشائكة الشائنة المشينة المهينة، جاؤوا بها لتعليق مِزقنا عليها كشواهد حرب لاتنتهي،
هل تصدقينني وأنا المولودة فيكِ حين أقول معترفة بانني تهتُ،
اجل تهتُ، فقد ضاعتْ شوارع طفولتي ضاع «المشراك والبراك والحويش والعمارة وعكد اليهودي والولاية وخان المخضر والجديدة وشارع المدينة وحي ابو خالد » ضيعوها مثلما ضاعتْ ملامحكِ،
أيتها المدينة المسترجلة لم يعد حرف الاشارة «هذه» يصلح لملامحكِ فلستِ أنثي لنقول «هذه النجف»،
لا،
وتستغربين فراري وأنتِ التي كنتِ تعطينه كلّ يوم خنجراً شرعياً ليطعن ايامي،
وتطلبين مني المهادنة،
قطّعتني الي نصفين نصف عندكِ وربع نصفي الآخر معي، لا تستودعيني علي ما لم تستطيعين حفظه مني،
غير إني مضطرة للابتهال إليكِ كلّ حين لأستودع ماتبقي مني لديكِ،
فسبحانكِ من ظالمة
ماذا لوعدتِ كما الأمس بلهجة نجفية تتكلمين، وركنتِ الي حائط النسيان قاموسهم الفارسي المقيت ؟
يا حبيبتي المهادنة…… لِمَ جعلوكِ تفقدين بهاءك رويداً رويداً وتتصالحين مع حرابهم المفجعة؟
ِلمَ تصمتين الآن وأنتِ ترينهم يقتلعون اشجاركِ ويستبدلونها بالجدّب،
يقلعون أفراحنا من مضانها ويزرعون صلوات زائفة تفتقد الي ربِّ حنون؟
انتِ مريعة الآن ياحبيبتي بثأليلك التي َنبُتتْ بوجودهم،
ِلمَ لم تشعري بأرواحنا وهم يلتفون عليها خانقين ؟
أيتها المدينة التي أحبها بمقدار كرهي وكرهها لي،
أجيبيني ان كنتِ عالمة عن بحركِ وقد جفّ،
عن صحراءكِ وقد لامستْ السماء،
عن يتم ايامنا،
عن صور يعلّقونها بمسامير الكره عنوة فوق صدور شوارعنا، ألا شاهتْ الصور وشاه معلِقها وشاه الشاخص إليها من ألابصار،
كيف لكِ ان تميّزين اليوم بين وجوه نساءك وقد تنقبنّ ؟، أفهمتِ إذن سبب عشق الرجل مثيله وتكدس العانسات في بيوت أهلهن ؟
لن اطالبكِ بعدِّ ايادي المتسولات في «كراجاتكِ» فهن أكثر من كثر
وليس لي ان أُحصي الاسبوع فيكِ فهو يبدأ بفاجعة وينتهي «بمقتل »،
حتي العيد زحفتْ عليه «الوفيات» وتقلّص،
اعلمي إنني هربتُ بصغيري من رجالكِ وهم يراودونه عن براءة طفولته،
من لحاهم وهي تفّح ورائي بـ«متعة» كذباً حلّلوها،
هربتْ من القتل علي الحبّ،
أيتها العجوز المختلة،
بأي حق تركلين أولادكِ بعيداً عن هدأة حنينكِ، وتدنين الي حضنكِ غرباء العجم؟
تمحين أراجيح طفولتنا وتهدينا سلاسل لطم، وقوافل نواح لاتنتهي ؟
هل تفقهين تسبيحنا الآن، ونحنُ بعيدون عن ثراكِ نغتسل بدموع هجرانكِ ؟
أبداً لن تتعرفين علي ملامحنا بعد الساعة فقد أسدلوا غيومهم الخانقة علي عيونكِ ولم تعودي قادرة علي التمييز بين أبنائكِ والتراب بين أعمارنا والخراب،
حباً لكِ ياصالحة للموت وحده،
وتباً لكِ من فاضلة!
مدينة عراقية
أماكن قديمة في مدينة النجف
جمع مرآب

/2/2012 Issue 4116 – Date 7- Azzaman International Newspape

جريدة «الزمان» الدولية – العدد 4116 – التاريخ 7/2/2012

AZP09

























مشاركة