جدل الإرهاب والاستبداد الحديث

جدل الإرهاب والاستبداد الحديث
الجلاد والضحية بين الديني والعلماني
بيروت الزمان
من خلال مختارات ترجمها وحررها وقدم لها، يعيد ممدوح الشيخ بناء العلاقة بين الاستبداد الحديث والإرهاب بوصفهما أسوأ ما شهده العصر الحديث، وبين العلمانية. والعلاقة التي تبدو من السائد في الإعلام العربي علاقة انقطاع هي في الحقيقة علاقة اتصال مباشر، أو على الأقل هذه رسالة الكتاب.
وباستثناء تقرير واحد منشور في الأصل بالعربية وأورده الكاتب كما هو فإن كل مختارات الكتاب هي كتابات بالإنجليزية تتناول العلاقة بين العلمانية أو بتعبير أدق التنوير الفرنسي وبين الإرهاب والاستبداد الحديث. ومعظمها مقالات كتبت ونشرت في الصحافة الغربية كقراءات في كتاب مهم جداً صدر في بريطانيا في العام 2005 هو كتاب الإرهاب حرب أهلية في الثورة الفرنسية للمؤرخ البريطاني المرموق دافيد أندرس.
والكتاب كله مقدمة لدراسة أوسع تصدر قريباً عن الوجه الآخر للثورة الفرنسية وقصة أول هولوكوست في العصر الحديث، حيث كانت هذه الثورة في الحقيقة بداية عصر الإبادة الجماعية للمخالفين بالشكل الذي عرفه التاريخ الحديث.
أول المختارات للباحث بيتر ماكفي من جامعة ميلبورن الاسترالية وتتناول دراسة للباحث الفرنسي رينالد سيشر عنوانها إبادة جماعية فرنسية . وحسب ماكفي كانت فرنسا الثورية بحلول 1793 في حالة حرب مع النمسا، بروسيا، وإسبانيا، وكانت بريطانيا تَعدُّ حصاراً بحرياً. وردت الجمعية الوطنية على هذه الحالة العسكريةِ اليائسةِ بالأَمْرِ بفرض ضريبة تجنيد 300,000 مجنّدِ في غربِ فرنسا هذه الضّريبة كَانَت الذّريعةَ للتّمرّدِ والحرب الأهليةِ المُسَلَّحةِ الهائلة التي عرفت باسم هذه المنطقة فاندي فندييه . وتسبب العصيان المسلح في خسائرِ بشرية فظيعةِ حتى هزم في 1794 تاركا ندوباً دائمة في المجتمع والسياسة الفرنسيين.
وما زال المؤرخون منقسمين، المدرسة التقليدية من مؤرخي الجمهورية ترى القمع عملاً مؤسفاً، لكن لا مفر منه لمواجهة عمل عسكري شكل طعنة في الظهر في لحظة كانت الثورة فيها تمر بأخطر أزمة، خلال السنوات العشرين الماضية أصبح القمع يصور بوصفه عملاً شريراً أكثر من ذي قبل.
وحسب تشونو فإن فترة اليعاقبة يُمكنُ اليوم فقط اعتبارها الفعل المؤسس لسلسلةِ طويلةِ ودمويةِ تَمتدُّ من 1792 إِلى الوقت الحالي من الإبادة الجماعية الفرنسية في الغربِ الكاثوليكيِ، إِلى الجولاج السّوفيتيِ. إِلى الدمارِ الذي سّببته الثّورةِ الثّقافيةِ الصّينيةِ، إِلى إبادة جماعيةِ الخمير الحمر في كمبوديا .
ومن النصوص المحرضة على الِإبادة التي يوردها سيشر نص منسوب إلى المجمع المقدس للجيشِ المرسل إِلى الغربِ يقول
يا جنود الحريةِ
إن لصوص فاندي فندييه يَجِبُ أَنْ يبادوا
جنود الأمةِ يطلبون ذلك
نفاد صبر الفرنسيين يفرض ذلك
شجاعتهم يَجِبُ أَنْ تُتم ذلك. . .
ومن المختارات أيضاً مقال عنوانه حرية .. إخاء. . . . .ووحشية للكاتب البريطاني يعيد فيه النظر في دلالات مصطلح الإرهاب قائلاً إنه في العقود القليلة الماضية، وخصوصاً منذ 11 سبتمبر، أصبحت كلمة إرهاب تستخدم بشكل مفرط. اليوم، غالباً عند استخدامه تقفز للذهن صور متعصبين متلحين يحضرون الرايسين في شمال لندن، ومن المفيد أن نذكر بأنه أصلاً يعني شيئاً مختلفاً جداً.
التقنية
رافائيل بيهر اختار أن يكتب تحت عنوان الثورة الفرنسية ملهماً للطغاة عن تقنيتين للقتل الجماعي، إحداهما إثارة الغوغاء لارتكاب مجزرةِ عشوائية، والثاني الأكثر تعقيداً يستخدم الأيديولوجيا لتجريد الناس إنسانيتهم والمحاكم لإضفاء مشروعية على إعدامهم. لكنها الثورة الفرنسية التي اخترعت التقنية التي تبنتها بعد ذلك كل الأنظمة الغاصبة للسلطة من سان بطرسبرج 1917 إلى سانتياغو السبعينات؛ إرهاب غوغاء للاستيلاء على السلطة، وإرهاب بيروقراطي لدعمه. وهكذا اخترعت فكرة أعداء الشعب .
و إرهاب فرنسا العظيم، لم ينفصل أبداً عن جذوره في حركة التنوير في القرن الثامن عشرِ. لقد جَعلَ الحرية وثناً، وكذلك السيادةِ الشعبيةِ. وهو ما عزز على نحو ظلامي التلاعب بحكم القانون .
روث سكيور في المقال المختار له في الكتاب يؤكد أننا جميعاً متأثرون الآن بالحرب على الإرهاب، وفي مثل هذه الأوقات المنذرة بالخطر، من المهم فهم ما يعنيه الإرهاب بالضبط، كيف يعمل سياسياً، وما الذي يمكن عمله أيا كان لمكافحته.
الكاتب البريطاني أندرو روبرتس يرصد المناخ الرهيب في باريس حيث قتل ما بين 1200 و1500 مِنْ سجناءِ الجمهورية الفرنسية الجديدةِ بقسوة بعد جلسات محاكمة قصيرة في محاكم متحيزة متعطشة للدماء، في ما أصبحَ يعرف باسم مذابح سبتمبر . وأولئك الذين كَانوا مرعوبين من الإرهاب بحيث لم يستطيعوا الرد على أسئلة المحكمة أو لا يستطيعون الوقوف على أقدامهم دون مساعدة تم تجريدهم من أشيائهم الثمينة ودفعهم خارج الباب ليذبحهم جلادوهم حتى الموت، حيث ضربهم جلادوهم ببساطة حتى الموت، قبل قذفهم في حفر الجير الحي.
صوفي ماسون تكتب تحت عنوان لنتذكر فاندي ، وهي كاتبة استرالية من أصول فرنسية تعود إلى منطقة فاندي. وحسب ماسون فإنه إذا كانت الثورة الفرنسية أول أيديولوجية حديثة فإن فندييه فاندي تكون مذابح بدائية رهيبة تعد من أعمال الإبادة الجماعية .
التقدم والتنوير
و ذات يوم كان هناك أرض غنية جميلة بعيدة، أرض أسرار وأغاني، أرض غابة ومحيط ونهر، وأهلها كانوا يعيشون كما اعتادوا في أرضهم ومعها، وفي ثقافتهم العميقة التي لا يسمونها ولكنهم يعرفون أنه جزء منهم. وعندما جاءت الطرق الجديدة في البداية لم يفعلوا شيئاً، ولكن سرعان ما فهموا ما تعنيه هجمة الطرق الجديدة والناس الجدد والأفكار الجديدة. انتهاك أراضيهم وعقائدهم، بل أرواحهم وما كان يمكن أن يقفوا وهم يرون ذلك، سيقاومون للأبد إن لزم الأمر. القادمون المتطفلون بدورهم كانوا يعتقدون أنهم أحضروا معهم التقدم والتنوير والفكاك من أسر الخرافات والحرية والإخاء والمساواة. وسوف يدخلون هؤلاء البدائيين العصور الحديثة، حتى لو كلفهم هذا بضع معارك. هؤلاء البدائيون أنصاف البشر سيصبحون عما قليل في تسابق مميت .
و في الحاضر احتفل المتطفلون بالذكرى المائتين للثورة دون إشارة لـ الموت ودون إشارة للإبادة الجماعية، إنهم الضحايا أنفسهم هم الذين تذكروا…..والآن هناك اسم لهذه الثقافة التي قاومت وهذا الاسم هو فاندي فندييه . . . إنها قصة التاريخ الفظيع لأهل غرب فرنسا فاندي فندييه وبريتاني، فأثناء الثورة الفرنسية حدثت قصة فيها البطولي والبشع تخلفت من رماد فاندي فندييه .
ومؤخراً، وحسب خلال السنوات القليلة الماضية، أقيمت نصب تذكارية للضحايا أقامتها الحكومة المحلية وليس الحكومة المركزية. وحديثاً جدا بدأت الجمهورية الفرنسية تتحدث عن احتمال أن يكون هذا الترويع أول جريمة إبادة جماعية في التاريخ.
المادة الوحيدة في الكتاب المنشورة أصلاً بالعربية تقرير عنوانه الجهاديون يستلهمون تراث العلمانيين الاستشهادي لمحمد عبد الحميد عبد الرحمن نقلاً عن إذاعة هولندا العالمية ويتناول حصول الباحث العراقي الهولندي مه ريوان قانع حصل مؤخراً على شهادة الدكتوراه من جامعة أمستردام في العلوم السياسية الأسبوع الماضي بأطروحة تناول فيها بالتحليل ظاهرة الاستشهاد في سياقيها العلماني والديني. وفي حديث لإذاعة هولندا العالمية يرى الباحث أن ظاهرة الاستشهاد وما استتبعها من هجمات انتحارية، ليست بالجديدة على أية حال ولا يمكن أن نطمئن أبدا إلى أنها ظاهرة تستمد عنفوانها من العقائد الدينية، وخاصة الإسلام فحسب.
أما آخر المختارات وأكبرها حجماً فعنوانها التأريخ الاقتصادي للقرن العشرين الإبادة الجماعية مسيرة متمهلة نحو المدينة الفاضلة؟ للأكاديمي الأمريكي جي. برادفورد دي لونج، وفيها يرصد أن التحسن الملحوظ في القدرات التقنية الإنتاجية للإنسان والقوى التقنية والتنظيمية ظهرت خلال القرن العشرين فعلياً كان خالياً من القيم. فالقرن الذي قد شهد النمو الاقتصادي الأسرع والمجتمعات الإنسانية الأغنى على الإطلاق شهد أيضاً أعظم جرائم الإبادة الجماعية على نحو مضاعف. الجرائم الأكبر في التّأريخ الإنساني. والمجرمون الأكثر بشاعة على مدى التاريخ، عاشوا خلال المائة سنة الماضية.

/8/2012 Issue 4289 – Date 28 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4289 التاريخ 28»8»2012
AZP09