الرؤية التنبؤية فى أدب الخيال العلمي عند جول فيرن
الحلم يتجول في الأسواق بقفازات حمراء
شوقى بدر
تعد الرؤية التنبؤية وصناعة الأحلام عند كاتب الخيال العلمى الفرنسى جول فيرن هى التيمة الأساسية التى أعتمد عليها فى معظم أعماله الإبداعية تقريبا، حيث تحقق على مستوى الواقع كل ما حلم به وجادت به هواجسه، وابتدعه خياله الخصب الثرى فى أعماله الروائية التى نبتت من متخيل علمى، وخرجت من خلال رؤية فانتازية أعتمد فيها على الحلم والخيال والنظرة التنبؤية المستقبلية الباحثة عن المدينة الإنسانية الفاضلة فى أنحاء متفرقة من الكون، حيث نجد ذلك متواجدا فى إبداعه الروائى الذى تناول فيه الفضاء الخارجى، و باطن الأرض، و أعماق البحار، و ثلوج المحيط المتجمد الشمالى والجنوبى، وفى كل مكان فى فضاءات الكون، حيث رأى جول فيرن أن الإنسان من الممكن البحث حوله وأيضا داخله عن عوالم خفية جديدة تثرى الحياة، ويستشرف فيها المستقبل، والمجهول، بل والمستحيل أيضا، والخروج بهذه الأبعاد كلها إلى آفاق رحبة تخدم توجهات البشرية وتدعم توقعاتها. ويعد جول فيرن من رواد أدب الخيال العلمى وأدب الفانتازيا فى الأدب العالمى المعاصر، ويمثل هو و الكاتب الإنجليزى هربرت جورج ويلز وألدوس هكسلى الركيزة الأساسية التى قامت عليها أسس هذا الإبداع بعد ذلك، فقد ظهرت بعدهم كثير من الأقلام والإبداعات فى هذا النوع من من الكتابة أضاءت من هذا المنطلق عوالم مزجت العلم بالخيال وأفرزت إبداعا أخذ مكانته الرفيعة بجانب الأعمال الإبداعية المتميزة فى ساحة الأدب العالمية. وقد كانت مدرسة جول فيرن الكلاسيكية فى القصة والرواية العلمية تعتمد فى ذلك على الاختراعات المجربة والمقترحة التى أضافت إلى فن القصة أبعادا من الحقائق العلمية وأبعادا أخرى من التخيل شملت الإنسان والكون والعالم بآسره، إضافة إلى البعد الجغرافى الذى اهتم به فيرن وأستأثر فيه ببعض الأعمال الروائية من خلال أدب الرحلات والإبداعات المرتبطة بالسفر إلى أى مكان فى الكون مضيئا بذلك قدرة الإنسان وإمكاناته البشرية على تحقيق المستحيل من الأمور الصعبة، ونظرته أيضا إلى الأمور نظرة موضوعية تستأثر بالطاقات الكامنة فيه وفى الطبيعة من حوله، وتوظيف هذه الطاقات فى تحقيق إرادة صلبة عنيدة تستطيع أن تحقق المعجزات مثل ما جاء فى روايته 80 يوم حول العالم ، وروايات السفر إلى القمر وإلى باطن الأرض كما عالج أيضا كثير من الموضوعات والإرهاصات الأولى التى اهتم بها العلماء والباحثين فى وقت لم تكن هذه الأشياء قد ظهرت بعد فى الساحة العلمية، كما تنبأ جول فيرن بالطاقة النووية قبل تفجيرها فى هيروشيما وناجازاكى بنحو نصف قرن، وجاب أنحاء القطب الشمالى والجنوبى بحثا عن المجهول والمستحيل فى هذه الأصقاع المخيفة فى سفن مليئة بالإمكانيات المبتكرة والمتخيلة، وتسلل إلى مركز الأرض بحثا من خلال البراكين والأماكن المتخيلة عن جوانب غير مأهولة بالحياة تخدم الإنسانية والإنسان فى عالمه المعيش داخل كبسولات فيها من التكنولوجيا المبتكرة والمتخيلة أيضا، وغاص فى أعماق البحار بحثا عن عوالم خفية حلم بها، وحاول تلمس ملامحها واكتشاف أماكنها، وطار فوق السحاب بمناطيد من صنع الخيال، واندفع تجاه القمر بقذيفة المدفع متأثرا بمخترعات عصره مما خلفته له الحروب الأهلية التى كانت دائرة آنذاك من منجزات وآلات للتدمير. ولعل خيال جول فيرن الخصب وأحلامه الذاتية، وولعه بتحقيق المستحيل منذ نعومة أظفاره كانت تدفعه دائما إلى محاولة تحقيق هذا المستحيل بأى وسيلة من الوسائل وبشتى الطرق المبتكرة والتقليدية.
وتحكى سيرته الذاتية واقعة محاولته وهو طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره التسلل إلى سفينة متجهه إلى جزيرة تسمى جزيرة ما تحت الريح بالهند ليحضر عقدا من المرجان لإحدى قريباته كان مغرما بها حيث أثار أسم هذه الجزيرة وموقعها فى خياله هواجس كثيرة واعتقد أنه من الممكن العثور بجانب عقد حبيبته على أسرار خفية وكائنات عجيبة مما كان يقرأه فى الكتب عن سحر الشرق وأسراره العجيبة. إلا أن والده لحق به فى آخر لحظة قبل مغادرة السفينة الميناء وأعاده إلى المنزل مرة أخرى، وإن دلت هذه الواقعة على شئ فإنما تدل على الخيال الخصب الذى كان يتمتع به هذا الطفل الذى أصبح بعد ذلك من أبرع الكتّاب فى مجال يعتمد على المتخيل والعلم والواقع فى آن واحد حتى أنه بدأ الكتابة الإبداعية أثناء المرحلة الجامعية فبدأ يتلمس طريق الشعر شأنه شأن جميع الكتّاب عند حداثة عهدهم بالتعبير والإبداع، وأستطاع بإصراره ومثابرته أن يخلق من الفشل نجاحا باهرا فى حياته الإبداعية، فقد كتب للمسرح وبدأت مراحله الإبداعية الأولى فى هذه الفترة تستأثر بخياله وواقعه الذاتى، ثم كتب بعض القصص والروايات لم يكتب لها النجاح، ثم بدأت مراحله الحقيقة فى الإبداع تظهر حين ولج مجال العلم والأدب فى آن واحد وطرق من الأحلام ما يصنعه هذا المزيج من الحقائق العلمية والخيال، فجاءت رواياته تحمل فى طياتها خصوصية التفصيل المستقبلى، والتنبأ العفوى بما سيلحق بمنجزات العصر من تطور وتقدم ، وقد سبق جول فيرن عصره بكتاباته فى أدب الخيال العلمى وأستطاع أن يضع الأسس التى بنت عليها أجيال جاءت من بعده فى كتابة هذا اللون من الأدب، فقد وضع فيرن الأساس ثم جاء من بعده ه. ج. ويلز وطور إبداع الخيال العلمى الحديث ثم ظهر جيل كبير من كتّاب أدب الخيال العلمى أمثال ألدوس هكسلى وإسحق إيزاموف وراى برادبرى حيث أسسوا لمراحل متطورة لمزيج من العلم والخيال فى ساحة الأدب وساحة العلم على السواء. وبدأ أدب الخيال العلمى يغزو العالم ويقبل عليه القراء فى كل مكان وكان الفضل الأول فى ذلك المضمار هى روايات جول فيرن التى ظهرت فى مرحلة كان العلم لا يزال يحبو والمخترعات لا تزال فى بدايتها الأولى.
ومن أشهر رواياته فى هذا المجال أبناء القبطان جرانت Les enfants du capitaine Grant عام 1867، و 20 ألف فرسخ تحت الماء 20 Mille Lieuex sous les Mers عام 1869، و حول العالم فى 80 يوم Autour du monde en 80 jours عام 1873، و الجزيرة الغامضة L,ile mysterieuse عام 1874، و ميشيل ستروجوف Michel Strogoff عام 1876، و مغامرات صينى Chine Adventure عام 1879، و الشعاع الأخضر Le rayon vert عام 1882، و كريبان العنيد عام 1883، و مواجهة الراية عام 1869، و سيد العالم عام 1804. كما نجد أيضا أن الخيال التنبؤى فى جانب آخر من إبداعه يمثل كما ذكرنا واقعا نلمسه ونقرأ عنه من خلال غزو الفضاء والنزول إلى أعماق البحار وأغوارها المتناهية العمق. كما تمثل أحلامه البسيطة بعدا خياليا فى الوقت الذى كان الإنسان يفكر فيه فى غزو القمر، والصعود إلى الفضاء الخارجى والنزول إلى أعماق المحيطات السحيقة من خلال أعماله من الأرض إلى القمر De la Terre a la lune خمسة أسابيع فى بالون Cinq semaines en ballon عشرون ألف فرسخ تحت الماء 20 Mille lieuex sous les mers حول القمر Lune autour de la lune الجزيرة الغامضة L,Ile mysterieuse الشعاع الأخضر Le Rayon vert. كما اهتم جول فيرن أيضا بأدب المغامرات والمخاطرات الكبرى والذى حقق من خلاله أيضا أحلاما كانت تراوده منذ الصغر عندما كان يقف ساعات طويلة فى نافذة بيته يراقب الزوارق والسفن وهى تبحر من الميناء، ويتمنى أن يسافر فى إحداها ليكتشف عالم ما وراء البحار، والحكايات الخرافية فى الجزر الساحرة، والممالك القديمة، والأساطير التى كان شغوفا بالسماع إليها. وقد تميز خيال جول فيرن بخصوبة كبيرة وثراء فى الفكر لذلك اتجه إلى قراءة كتب الرحلات والعلم والاكتشافات العلمية، وعندما ذهب إلى باريس صادق الكاتب الكسندر ديماس الأب، وتأثر كثيرا من كتاباته وكتابات معاصريه. وقد وجدت الأحلام التى كان يعتمد عليها فى أعماله الروائية والقصصية صدى كبيرا عند قرائه وعند المهتمين بهذا المجال فانتقلت هذه الأحلام إلى حيز التنفيذ عند كثير من المخترعين والمفكرين. فسافر الإنسان إلى الفضاء الخارجى ونزل الإنسان على سطح القمر كما كان يحلم، كما اكتشف العلماء أيضا بعض الكواكب والمجرات الأخرى، وأرسلوا المعامل العلمية لمعرفة أسرارها. و نزل الإنسان أيضا إلى أعماق المحيطات كما فى روايته عشرين ألف فرسخ تحت الماء وهو ما فاق كل أحلامه التى كان يتنبأ بها وتجول كثيرا فى مخيلته. كما كانت رواياته الأخرى التى تدخل بعض منها فى إطار المخاطرات والمغامرات أمثال ابناء الكابتن جرانت و مغامرات الكابتن آتراى و الهنود السود و بلاد الفراء وغيرها من الأعمال الإبداعية التى اتكأ فيها على الحلم بالمغامرات والتى كانت تمثل جانبا إبداعيا مشوقا ومثيرا سعى فيه إلى إثبات مقدرته الفائقة على نسج الخيال الإنسانى ووضعه فى إطار مشّوق من المغامرات والأحداث التى يسعى إليها الإنسان فى كل مراحل عمره المختلفة. وقد أستطاع جول فيرن أن ينهى أكثر من خمسة وسبعين كتابا فى الخيال العلمى وأدب الرحلات والأحلام والمغامرات وجدت صدى كبيرا لدى قراء هذا النوع من الكتابة كما ترجمت هذه الكتب إلى مختلف لغات العالم وفاقت فى توزيعها توقعات جول فيرن نفسه بل وناشره أيضا كما نقل العديد منها إلى شاشات السينما. وقد ابتدع فيرن أسلوب الفانتازيا فى التعبير والسرد الروائى من خلال اهتمامه بوصف المخترعات وذكر الأرقام الحسابية والتفاصيل الدقيقة المرتبطة بها وربط هذه التفاصيل وحقائقها العلمية الذى كان يستمد كثير منها من الإنجازات التى حققها حدس العلماء وتصورات المخترعين فى عصره بنسيج العمل الذى يبدعه، وبذلك أمتزج العلم بالخيال وظهرت أحلام تنبؤية وإرهاصات أولية تنذر بتقدم البشرية ووصولها إلى أعلى المراتب القياسية فى التكنولوجيا والتقدم.
وقد كانت فلسفة فيرن فى سعيه الدؤوب لإقامة عالم من الإبداع يرتكز على الحقائق العلمية الممزوجة بالخيال، فتميزت أعماله بالتشويق والإثارة وشطحات الخيال والأحلام التى أصبحت بعد ذلك حقيقة واقعة. كما كانت تحمل أيضا تأملات الإنسان وحلمه فى احتمال وجود حياة أخرى فى الأجرام السماوية المتباعدة، وفى أعماق المحيطات والبحار. وقد فتحت كتاباته وأحلامه الآفاق عند المخترعين والمفكرين فبدأوا فى التفكير فيها، وبدأت مرحلة من التجريب اعتمدت على أحلام جول فيرن وغيره من كتّاب الخيال العلمى أسفرت بعد ذلك عن غزو الفضاء، والنزول إلى أعماق المحيطات، والاهتمام بالاختراعات الحديثة، وبذلك أصبح جول فيرن رائدا من رواد أدب الخيال العلمى وأدب الرحلات والمغامرات وأصبح أسمه مرتبطا تماما بمثل هذه الأحلام التى تحققت وأصبحت حقيقة واقعة فى عصرنا الحديث حتى أن كثير من المخترعين قد ارجعوا لجول فيرن الفضل فى كثير مما ابتكروه وظهر على ايديهم، فقد قال عنه ماركونى إن فيرن قد صور للناس رؤى مضيئة مجسمة وبراقة.. حفزتهم على محاكاتها والسير على منوالها . وقال سيمون ليك مخترع الغواصة إن فكرة الغواصة بالقطع من نتاج وحى ما كتبه جول فيرن . كما يقر بعض المستكشفون أمثال وليم بيبى وأوجست بيكار بأن الكثير من أفكارهم إنما هى امتداد لآراء فيرن وتخيلاته فى عالم الإبداع. وحين طار الكابتن بيرد للمرة الأولى فوق القطب الجنوبى صرح لقد كانت كتابات فيرن ترشدنى أثناء رحلتى . وهكذا كان لجول فيرن فضل كبير فى أن يضع اللبنة الأولى لأدب يسير على منوال العلوم الطبيعية محققا بذلك مقولة تين الذى يقول فيها هكذا يعمل العالم، ويتدخل العلم بواسطة القوانين التى يكتشفها إلى الأسباب الواقعية، هكذا يجب أن ندرك العالم الإنسانى .
و قد كان لنشأة جول فيرن فى جزيرة صناعية بالقرب من ميناء نانت Nant وهى المدينة التى ولد فيها أثره فى تخيل عالم يعتمد على البحر والجزر و ركوب السفن والسفر بها حيث دارت بعض روايته حول فكرة الجزيرة التى يصنعها الإنسان ويبنى فيها حضارة ذاتية نابعة من بعض الإختراعات والإبتكارات التى هى وليدة الحاجة، مثل جبل الثلج فى روايته دولة الفراء The Fur Country ، و المغامرة بركوب البحر وارتياد آفاقه الواسعة يبدو ذلك من خلال الرواية التى تناولت القارب العجيب المنساب فى نهر الإمازون فى روايته La Jangada ، والسفينة الضخمة التى تشبه المدينة العائمة فى روايته المدينة العائمة The Floating City ، ورواية الجزيرة المتحركة The Propellar Island ، وغيرها من الأعمال التى تتناول الأسفار والمخاطرات والمغامرات التى تجوب البحار والجزر وما شابه ذلك من أعمال.
ولعل رواية عشرون ألف فرسخ تحت الماء هى الرواية التى تعبر بصدق عن أحلام جول فيرن فى السفر تحت الماء من خلال الغواصة، وهى فكرة شغلت بال العديد من الناس إبتداء من الأسكندر الأكبر حتى ليوناردو دافينيشى.. وقد استوحى فيرن فكرة روايته من خلال غواصة رأها معروضة فى متحف البحرية الفرنسية قبل نشر روايته بعامين، كانت هذه الغواصة هى التى الهمته هذه الرواية الرائدة بطريقة مباشرة واستمد فيرن منها المعلومات التى استخدمها فى وصف الغواصة نوتيلاس فى روايته بعد أن أضفى عليها خياله بعض التعديلات التى رأها مناسبة لسياق نصه الروائى. وتبدأ أحداث رواية فيرن ، برؤية مخلوق عجيب يجوب البحار والمحيطات يطفو على سطح الماء ثم سرعان ما يغوص. ولقد ظن الذين شاهدوه أنه نوع غريب من الحيتان أصبح يهدد الملاحة ويلقى الرعب فى قلوب الملاحين وركاب السفن، فأرسلت الحكومة الأمريكية سفينة للبحث عن هذا المخلوق الخطر والقضاء عليه. ولكن هذا المخلوق العجيب هو الذى تمكن من إغراق السفينة الأمريكية.
كان على ظهر السفينة الأمريكية أحد علماء البيولوجيا ومساعده وشخص آخر كندى خبير فى صيد الحيتان، وجدوا أنفسهم فى مياه المحيط يصارعون الأمواج، بعد أن أصابت الغواصة سفينتهم، وأتضح أن هذا الذى ظنوه صوتا أو مخلوقا عجيبا لم يكن سوى غواصة، تجوب البحار والمحيطات وتنشر الذعر والفزع للسفن المارة فى طريقها، تمكن الأفراد الثلاثة من اللجوء إلى الغواصة التى فتحت لهم بابها فوجدوا أنفسهم داخلها، ويصف فيرن الغواصة بدقة متناهية مستعينا بما شاهده من النموذج المعروض فى متحف البحرية الفرنسية آنذاك، ويظل العالم ومساعده والرجل الكندى أسرى داخل الغواصة التى تغوص فى الماء وتجوب البحار والمحيطات فى عالم عجيب غير مألوف لهم. ملئ بالحيوانات والنباتات البحرية التى يصفها فيرن بتفاصيل تظهر براعته فى سرده الروائى الذى له خصوصيته العلمية والتخيلية، وتقع الغواصة نفسها أسيرة جبل جليدى فى القطب الشمالى ويحاصرها الجليد ويوشك من فيها على الموت لنفاذ الأكسوجين، ولكن الغواصة فى آخر لحظة تتمكن من الخلاص وتواصل رحلتها التى تبدو بلا نهاية، ويضع الأسرى خطة للهرب من الغواصة، وبعد عدة محاولات يتمكنوا فعلا من الهرب والتحرر من الأسر. وقد اعتمد فيرن فى كتابته لهذه الرواية على الخيال والقراءة حيث لم تكن علوم البحار قد تقدمت فى ذلك الوقت إلى القدر الذى يستطيع معه كتابة مثل هذا العمل المثير المشّوق.
وعلى الرغم من أن تأثير العلم وحقائقه على مؤلفات فيرن أبرز ما يكون خاصة عندما فشل فى الكتابة إلى المسرح، إلا أن قراءته المستفيضة فى المجلات وأوراق البحوث العلمية ومشاهداته الخاصة، قد فتحت له آفاقا واسعة فى مجال وجد أنه يستطيع أن يبدع فيه أعمالا يمزج فيها حبه للحقائق مع المعالجة الخيالية، وقد اجتاز فيرن المرحلة التى كان فيها مؤلفا مسرحيا من الدرجة الرابعة ليصبح بعد ذلك كاتبا متميزا للرواية العلمية التنبؤية. واجتاز فيرن هذه المنطقة من الإبداع وكانت جديدة إلى حد كبير على الساحة الإبداعية آنئذ وخرجت أعماله فى أدب الخيال العلمى لتعلن بزوغ مرحلة إبداعية جديدة تمزج الحقائق العلمية بالخيال وشطحاته وهواجسه، وبدأت صناعة الأحلام عنده تؤتى ثمارها حين كتب روايته الأولى خمسة أيام فى بالون وحققت هذه الرواية نجاحا كبيرا ولكنه لم يتعد حدود وطنه فرنسا، وواصل فيرن كتابته الروائية عن رحلة مغامرات فى المنطقة القطبية، حيث كتب رواية فى جزأين، الأول بعنوان الإنجليز عند القطب الشمالى ، والجزء الثانى بعنوان صحراء الجليد ، وبدأت العقود تنهال على فيرن من خلال هذه الكتابات الجديدة على الساحة فظهرت رواية أبناء الكابتن جرانت ، ثم كتب رواية جديدة بعنوان رحلة إلى مركز الأرض استمد فكرتها من أحد علماء الجغرافيا الذين زاروا براكين تنيريف Teneriffe، وقد تأثر فيرن بنظرية غريبة لأحد العلماء فى ذلك الوقت مؤداها أن الأرض جوفاء ومفتوحة عند القطبين. كما ظهرت فى ذلك الوقت أيضا نظرية أخرى تقول أن أضواء الشمال المسماة أورورا aurora تنبعث من الفتحة التى عند القطب الشمالى. ولقد مزج فيرن هذه النظرية بفكرة أخرى تدعى أن براكين أوروبا كلها متصلة ببعضها بواسطة ممرات وفتحات فى باطن الأرض.
وقد استهوى السفر إلى القمر والكواكب الأخرى العديد من الكتّاب وعلى رأسهم جول فيرن الذى كتب روايته من الأرض إلى القمر والتى قيل انه استوحاها من قصة لإدجار آلن بو تدور حول رحلة إلى القمر فى بالون، وفى نفس العام نشر الكاتب آشيل أيرود Achelle Eyraud قصة بعنوان رحلة إلى كوكب الزهرة ، كما ظهرت رواية رحلة إلى القمر من تأليف اسكندر ديماس الأب، وظهرت رواية أخرى تدور حول السفر إلى كوكب المريخ كتبها هنرى دى بافيل Henri de Paville تحت عنوان ساكن كوكب المريخ ، كما ظهر عملان لكاتبين مجهولين أحدهما بالفرنسية هو رواية رحلة إلى القمر ، والأخرى بالإنجليزية هو تاريخ رحلة إلى القمر ظهرت هذه الأعمال جميعها فى عام واحد وكلها تدور حول السفر إلى القمر وإلى الكواكب السيارة الأخرى، إلا أن العمل الوحيد الذى عاش من هذه الأعمال والذى ظل يقرأ حتى الآن هو رواية جول فيرن من الأرض إلى القمر ، ولعل صناعة الحلم فى هذه الرواية كان مبنيا على فروض علمية وتخييلية استمدها فيرن من بعض أحداث الحرب الأهلية الأمريكية حيث تبدأ الرواية بأحاديث تدور بين أعضاء ناد فى الولايات المتحدة بعد الحرب الإهلية اطلق عليه نادى بالتيمور يضم مجموعة من متقاعدى ضباط الجيش معظمهم من مشوهى الحرب الذين ضاقوا بالسلام واشتاقوا للحرب والقتال، واقترح رئيسهم امبى أن يحاولوا عمل شئ جديد كأن يصوبوا مدفعا نحو القمر، وتحمسوا لفكرته فبدأوا بتنفيذها، وكان هذا الحلم البسيط هو المتكأ الذى اهتم به جول فيرن فى كتابته لروايته حول السفر إلى القمر وقد استعان فيرن بأحد أقاربه وهو من علماء الرياضيات لضبط الحسابات اللازمة لإطلاق المدفع حتى يصل إلى خارج منطقة جاذبية الأرض، وتطوع رجل يدعى ميشيل اردان للسفر داخل هذه القذيفة مع شخصين آخرين، وتنتهى الرواية بانطلاق رواد الفضاء الثلاثة إلى القمر ومراقبتهم بتليسكوب عملاق حتى اختفوا عن الأنظار ولم يعلم أحد ما إذا كانوا سيعودون إلى الأرض أم لن يعودوا.
وقد أخرجت المطابع كتابين عن جول فيرن رائد أدب الخيال العلمى الأول للباحث الفرنسى مارك سوريانو Mark Soriano تحت عنوان من كان جول فيرن الحقيقى ؟ Qui etait le vrai Jules Verne، قال فيه الكاتب أن جول فيرن كان يستلهم أعماله وأفكاره من قوى خفية تتقمصه من فترة لأخرى، أما الكتاب الثانى فكان بعنوان جول فيرن مبتكر الرواية العلمية Jules Verne Inventor of Science Fiction وهو من تأليف كاتب أيرلندى هو بيتر كوستيلو Peter Costello حيث اعتبر كويستلو أن جون فيرن هو مبتكر الأدب العلمى ورائده الذى مهد الطريق لعديد من الكتّاب الذين جابوا هذا المجال وهو الذى وضع أول لبناته فى مجال الكتابة الإبداعية العلمية حتى أصبحت الرواية العلمية الآن لونا من ألوان القصص، ارتفع الجيد منه إلى آفاق مستوى الأدب الرفيع واحتل مكانا لائقا به فى مجال التأليف الروائى والقصصى الحديث.
المراجع
جول فيرن والأدب العالمى ، د. يوسف عز الدين عيسى ، عالم الفكر ، الكويت ، أبريل»مايو»يونيو 1979 ص 200
جول فيرن ، نهاد شريف ، الجديد ، القاهرة ، ع 95 ، 15»12»1972 ص 43
حول العالم فى 80 يوم لجول فيرن ، عبد الرحمن سليم ، الجديد ، القاهرة ، ع 37 ، 15»7»1973
عالم جول فيرن ، الخيال العلمى.. أدب القرن العشرين ، محمود قاسم ، الدار العربية للكتاب ، ليبيا»تونس ، 1993 ص 33
جول فيرن ، أعلام الأدب العالمى ، على عبد الفتاح ، مركز الحضارة العربية ، القاهرة ، 1999 ص 164
/8/2012 Issue 4277 – Date 14 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4277 التاريخ 14»8»2012
AZP09
























