زمان جديد الثورات تحرق ذاكرتنا

زمان جديد الثورات تحرق ذاكرتنا
فارس سعد الدين السردار

كأنّه وقَد مسحَ عَن عيني غبار الظّلام بزُمرَ تدهمُ بيوتَ المالِ» وأخرى تركبَ أكتافَ المُتحفِ وتقطفُ رؤوسَ ملوكِ سومرَ وآشورَ وأكدَ. وكانت على الّلقى والسيّوفِ والتّيجانِ تدوسُ » والبغداديونَ كانوا في شُغُل ما بينَ نهّابينَ ومنهوبينَ، خافرينَ ومخفورينَ» قطّافينَ ومُنفرينَ » مُطَّوقينَ أو مطِّوقينَ. فامّا ركّعٌ سجّدٌ، وأما سيوفٌ على الرّقابِ تلهثُ. . أحرق المجمع العلمي في القاهرة يوم 17»12»2011 وكان يتألف من أربع شعب هي شعبة الرياضيات، وشعبة الفيزياء والتاريخ الطبيعي، وشعبة الاقتصاد السياسي ، وشعبة الأداب والفنون. واحتوت هذه الشعب على أكثر من 250 الف كتاب ومخطوطة. اسس المجمع العلمي في القاهرة من قبل الفرنسي نابليون بونابرت عام 1798 وقام الخديوي محمد سعيد باستقدام خبراء أجانب لتطويره عام 1856 .
العالم اليوم هو عالم ثقافة ليبرالية حرة. والتقدم الهائل الذي يحصل في العالم المتحضر من شتى شؤون الحياة هو تقدم يتحقق بفضل رعاية الثقافة وقوة حضورها في الانسان والمؤسسة والفضاء الاجتماعي العام. ولم يعد لمن يقول على غير الثقافة من امل في العيش بحرية وكرامة وسعادة من أي مكان في العالم. فالثقافة الحرة هي السبيل الوحيد لحياة راقية خالية من العنصرية والتعصب والمركزية والشمولية .
ومن بين ما حدث وما مقدر له الحدوث. أسئلة لا تتوقف، تستحضر التاريخ تارة وتتشبث بالمشاهد التي ترصدها كاميرات المراسلين وتقاريرهم. لما يحدث في شوارع العواصم العربية.. ما بين بغداد والقاهرة ودمشق وطرابلس وتونس واليمن بحواضرها لماذا تستهدف وسط هذه الاحتدامات الشعبية وأصواتها الهادرة. ذاكرتنا ومؤسساتنا الثقافية، جامعاتنا، مكتباتنا، متاحفنا؟. لماذا في أيِّ حِراك يرّشح التغيير والنضال لافتة له. نجد أنفسنا مربكين أمام مشاهد حرق ونهب لكل ما هو حضاري ومستودع للقيم وباعث ومحرض لها؟. لماذا نجد أنفسنا وجها لوجه امام تتر جدد وذاكرة تتفتق جروحها، لمشهد دجلة وحبر الكتب الملقاة فيها يغير صبغة لونها؟
أهي محاكم تفتيش أخرى يعاد انبثاقها بين جنباتنا؟. لنعود من جديد ندور في تيه لا نصحو منه مئات أخرى من السنين. أبأيدينا ندمر منجزاتنا على قلتها،أو ما تبقى لنا من ارث أجدنا اجتراره بقوة؟
هل يعقل أن نتقبل الامر عند حدوده الساذجة، التي تحاول أن تهمش المعنى وتدفع به الى عتبة لا ترتقي الى ما فيه من قصدية واضحة؟ وهل هي قصديّة المؤامرة، اني لأعجب كيف يحرق مشعلو الحرائق.. دور كتبهم وذاكرتهم وعبق حبرهم؟
واذا كان التغيير ضرورة وهذا ما لا يختلف عليه في الرأي. فلماذا لم يخطط له؟، والمقصود هنا أن يتم بمعزل عن الانفعال أو التشنج والاصطدام.. لماذا لم تستطع المؤسسات التشريعية أو النخب من مثقفين، برلمانيين ورجال دين بقيادة هذا الحراك من خلال ما هو متاح لهم من مسارب وقنوات اتصال باحتواء الخلل وتأشيره دون تركه للوصول الى حد الانفجار؟. أم أن الحاكم لآخر لحظة يفعل ما هو سيء، ذهابا للمقولة الشهيرة لن أترك ورائي سوى الرماد. ولماذا لم يدرك الحاكم لحد الآن، أنَّ ضرورة وجوده يحددها شدة تمسك المواطن به؟. أم أنه لم يرتقِ الى هذا المعنى بعد؟. أم أنه لشدة ما هو علىه من قدرة على البطش لم يعد يحسب حسابا لقوة خصومه ولماذا يتوهم الحاكم دائما بأنه الحاكم بأمر الله؟.. ان لم يكن هو الله تنزه الله عما يتوهمون . انَّ سيل الأسئلة التي لا تتوقف تحاول أن تعمق المعنى من خلال ضغطها بشكل ما. وان تنفذ الى قلب الأحجية، هنا لا يمكن عقد مقارنات. فالثورات التي تفجرت في العالم وعب تاريخه كلها كانت دمويّة وخضبت شوارع مدنها دماء الشهداء. حتى بات للحرية الحمراء باب بكل يد مضَّرجة يدق..
فالحقوق اذن تنتزع انتزاعاً، وهذا المعنى فيه قسر وتدافع وتزاحم. بمعنى أنه لم نسمع أنأحداً يتخلى عن امتيازاته طواعية، سوى رجل من السودان علق في ذاكرتي يدعى سوار الذهب ويبدو أنه فعلاً سوارٌ من ذهب.
ما يستدعي الاستغراب انَّ الثورات تقوم ضد مستعمر مغتصب للحق، ولفرص الحياة والتقدم. ان ثورات هذه الأيام لا تقل دموية عما قدمه أولئك الوطنيون الذين قارعوا الاستعمار. فهل نحن بحاجة الى اعادة كتابة تاريخ حكامنا بعيداً عن هالات التمجيد والمديح والتأليه الذي ينثال على رؤوسهم عبر وسائل الاعلام التي يملكونها والتي تقدمهم على أنهم محررون لتراب أوطانهم، وبانون مجد أمتهم وأبطال تحرير القومي والوطني، والصامدون بوجه العولمة..
والحافظون لقيم الأمة وشرفها وتاريخا. والحريصون على بناء المواطن وتحصينه والراعون لتحقيق أحلامه وعلى مدى عقود..
ثمة خلل لا ينسجم مع المنطق اذا كانوا بهذه المواصفات، فمن يثور علىهم. سوى الثرثارين والببغاوات والذين باعوا أنفسهم للأجنبي وتعاونوا معه.. يبدو أن المعنى أنقلب وثمة حاجة لاعادة تعريف المفاهيم والمصطلحات والا فالأحداث تدفع بنا باتجاه موحل. لذلك أتفق مع الدكتور محمد صابر عبيد وهو يحلل المشهد بعلمية دون أن تضّج اسطره بالأسئلة. الخطاب الذي تحمله جماهير هذه التغيرات خطاب غائم وغير واضح لقادة غامضين وعلى الرغم من سحر هذا الفعل ألتغييري بنيوياً يتأتى من فكرة القضاء على الدكتاتوريات المعنية ودحر الاستبداد والقضاء على التفرد ألاستئثاري العائلي المتخلف بالسلطات كلّها. وهي فكرة متقدمة في جوهرها العميق. وحتى تكون مجدية وحضارية لابد لها من أن تقدم مشروعا حضارياً يرتقي الى هذا المستوى يتضمن خطاباً واضحا وقوياً وعميقاً عالى الحجاج والاقناع وهو ما لم يتبدّ حتى في أي معطى من معطيات هذا التغيير وعلى أي مستوى كان .
/8/2012 Issue 4274 – Date 11 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4274 التاريخ 11»8»2012
AZP20