نزول القرآن الكريم أهم أحداث شهر رمضان وافق التاسع عشر من آب عام 610 ميلادية
أبو الحسين النحوي الصاحب بن عباد لا يدخل عليه أحد في رمضان بعد العصر فيخرج من داره إلاّ بعد الإفطار عنده
كانت أمة شريعة محمد النبي صلى الله عليه وسلم على موعد سابق مع القدر المكتوب خاصة في شهر رمضان المبارك. فقد وقعت أحداث وحدثت مناسبات سجلها التاريخ عبر أوراقه، لتدلل على منزلة وفضل شهر الله شهر القرآن والمغفرة، ونورد أربعاً من تلك الأحداث الرمضانية
أحداثٌ رمضانيّة
بدأت في شهر رمضان أولى ومضات الوحي المرسل وابتدأ فيه نزول كتاب الله العزيز على النبي عليه الصلاة والسلام في غار حرّاء بجبل ثور في مكة المكرمة، وذلك مصداقاً لقوله تعالى في سورة البقرة»185 شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيْهِ القُرْآن هُدَىً للنّاسِ وَبَيِنّاتٍ مِنَ الهُدَى والفُرْقَانِ .
وكان بدء نزول الوحي جبريل ــ عليه السلام ــ على النبيّ الكريم ــ صلّى الله عليه وسلّم في ليلة القدر من يوم الاثنين السابع والعشرين من شهر رمضان عام 12 قبل الهجرة الشريفة، الأربعين بعد عام الفيل، الموافق ليوم 19 من شهر آب ــ أغسطس ــ 610 م، وتصديقاً لقول الحق تعالى في سورة القدر»1 ــ 5 إنّا أَنْزَلْنَاه في لَيْلَةِ القَدْرِ، وَمَا أدْرَاكَ مَا لَيلَةُ القَدْرِ، لَيْلَةُ القَدْرِ خيرٌ مِنَ ألفِ شَهرٍ، تَنَزَّل المَلائِكَةِ والرُّوحِ فيها بإذنِ ربّهِم مِنْ كّلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَى مَطْلَعِ الفَجْرِ .
ووقعت غزوة بدر الكبرى في يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة المباركة، الموافق الثالث عشر من شهر آذار ــ مارس ــ عام 624م، خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في أصحابه وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً فيهم فرسان، وكان معهم سبعون من الإبل يتعاقبون عليها. فكانت هذه الغزوة أول انتصار بارز للمسلمين على مشركي قريش. فقال تعالى في سورة الأنفال» 9
إذْ تَسْتَغِيْثُوْنَ رَبّكُم فاسْتَجَابَ لَكُم أَنِّي مُمِدُّكُم بألفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِيْنَ .
كذلك أتمّ الله تعالى على نبيّه المصطفى الكريم ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ فتح مكة فدخلها مع المسلمين في العشرين من شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة، الموافق لعام 630م، وقد تجهزَّ رسول الله عليه الصلاة والسلام لهذا الفتح المبين، وأمر النّاس بالتجهُّز للمسير إلى مكة، وقال اللّهم خُذْ العُيون والأخبار عن قريش حتى نَبْغَتها في بلادها . وخرج الرسول الكريم مع أصحابه في العاشر من شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة، فصام وصام معه الناس، وعند وصول جيش المسلمين إلى مكة، قسّمه رسول الله ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ إلى أربعة أقسام لدخولها، ودخلها وقد تعمم بشقة بُرْدٍ حَبِرة، وكان ليضع رأسه تواضعاً لله عزّ وجل حين رأى ما أكرمه تعالى به من الفتح المبين، وخاطب أهل مكة قائلاً يا معشر قريش، ويا أهل مكة، ما ترون أنّي فاعلٌ بكم؟ فأجاب سهيل بن عمرو نقول خيراً، ونظن خيراً، أخ كريم، وابن أخٍ كريم، وقد قدرت ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أقولُ كما قال أخي يوسف لا تثريبَ عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطُلقاء .
وهيأ الله تعالى للمسلمين في شهر رمضان أن أتم على أيديهم فتح بلاد الأندلس، بقيادة القائد طارق بن زياد، الذي عبر مضيق جبل طارق الذي عُرف باسمه، ثم نزل في جنوبي الأندلس في عام 92هجرية، الموافق للعام 711م، واختار ابن زياد استعداداته للمعركة الحاسمة مع القوط ــ الإسبان ــ في شبه الجزيرة الإيبرية وأختار موقعاً مناسباً في وادي لكة، يستند في أجنحته على موانع طبيعية لحماية جيشه، ونظّم قوّاته، وأرسل عدّة فرق قسم إلى قرطبة، وإلى غرناطة، وإلى مالقة، وسار معظم الجيش الإسلامي مع طارق بن زياد إلى طليطلة، ورافق القائد موسى بن نصير جيش آخر توجه لفتح قرمونة، واشبيلية، وماردة، وسرقوسطة، وأوربونة ففتحوها كلها، لينتشر الإسلام الحنيف ولتصبح شبه الجزيرة الإيبرية من ضمن ولايات الدولة العربية الإسلامية، وأصبحت الأندلس إدارياً بعد فتحها ولاية لأفريقيا.
وظهرت دعوة العباسيين في شهر رمضان المبارك في خراسان بزعامة أبي مسلم الخراساني سنة 129هـ ــ 747م. وقام أبو العباس السفاح بالاستيلاء على الخلافة ليُصبح أول خلفاء بني العباس، لينهي بذلك الدولة الأموية في دمشق في سنة 132هـ 750م، واتخاذ العباسيين لبغداد دار السلام عاصمة للخلافة العربية الإسلامية، وشهدت الدولة العباسية سبعاً وثلاثين خليفة، أولهم أبو العباس السفاح، وآخرهم عبدالله المستعصم بالله، واستمر حكم الخلافة العباسية من عام 132 ــ 656هجرية، الموافق للعام 749 1258 ميلادية.
الجود والإنفاق
رمضان شهر الجوع والعطش وشهر الأجر والمثوبة والزكاة والصدقات، وفيه يمتحن الإنسان بإرادته، لأنه ثورة تدور كل عام على الإنسان لتهز كيانه وتروضها نحو الصبر والحرمان من الملذات والشبع وليحسّ الصائم بألم جوع الفقير كيف يلذع ويصبر عليه صابراً مُحتسباً، لينال الصائم بتقديم صدقة الفطر على مستحقيها الأجر والثواب من عند الله تعالى. وشهر الصيام شهر برٍّ وانفاق وإحسان للمحتاجين وفيه يتوسل المسلمون المثوبة وطلب الغفران، فيمدون يدّ العون والمساعدة لطالبها، فيقيم الصائمون مآدب الإفطار الحافلة بالأطعمة الخاصة، ويقدمون الأشربة، ويظهرون التجمل والإنفاق الكبير في أيامه المعدودات، ويكثرون من الصدقات لذوي الحاجة والعوز.
أجود الناس؟
وُصِفَ الرسول ــ عليه الصلاة والسلام ــ بأنه أجود الناس، ولكنه في شهر رمضان كان أجود بالخير من الريح المرسلة لا يسأل عن شيء يقدر عليه إلا أعطاه.
وصدقة الفطر، من الواجبات التي يحرص الصائمون على تقديمها للفقراء والمحتاجين، ففيها طهارة للصائم وأجر كبير عند الله تعالى. فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال فرض رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ زكاة الفطر، صاعاً من تمر وصاعاً من شعير، على العبد والحُر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة. وقد سئل النبي الكريم عليه الصلاة والسلام أي الصدقة أفضل؟ قال صدقة في رمضان.
صدقة رمضان
صيام شهر رمضان المبارك رياضة شاقة ومُكْلِفَة على الصائمين، بل هو أشقُّ التكاليف والواجبات على الذين تنعموا في حياتهم، ولهذا فإن ثواب وأجر الصائم نجده عظيماً عند الخالق عزّ وجل، فصيام رمضان مضاعف الحسنات من غير حصرٍ، وكل عمل مقدّرُ الأجر، إلاّ الصيام فجزاؤه عند الله سبحانه وتعالى، ولا يستطيع أحد أن يدرك مداه. يقول النبي ــ عليه الصلاة والسلام ــ كل عمل ابن أدم له إلاّ الصوم فإنه لي وأنا أجزي به . فعلى الصائمين أن يتصدقوا على المحتاجين بما تجود بهِ أيديهم ليفرحوا معهم في صبيحة عيد الفطر المبارك لأنّه كما يقول رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ من تطوع في رمضان بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه .
موسم للتفطير والخيرات
اتخذ الخلفاء والولاة على مر العصور في الحضارة العربية الإسلامية من شهر الصوم المبارك، موسماً لمساعدة المحاويج، وإطعام الفقراء والمساكين وصلة الإخوان والأصدقاء، ومن ثم اجزال الهبات لذوي القربى والأرحام. واحتفل الفاطميون في مصر بشهر رمضان المبارك، وكان يرسل في أول يوم من أيام شهر رمضان من دار الخلافة في القاهرة لجميع الأمراء وسواهم من أصحاب المناصب، ولكل واحد طبق ولكل واحد من أولاده ونسائه طبق فيه حلوى وبوسطه صُرّة من ذهب فيعم ذلك سائر أهل الدولة، ويقال لذلك غرّة رمضان.
كان الصاحب بن عباد يحتفل بهذا الشهر الميمون فرويّ عنه بأنّه حضر مجلس الوزير الأديب ابن العميد عشية من عشايا رمضان، وقد حضره الفقهاء والمتكلمون للمناظرة، فلما انصرف القوم وقد حلّ الإفطار أنكرت ذلك بيني وبين نفسي واستقبحت إغفال الأمير تفطير الحاضرين مع وفور رياسته، واتساع حاله، واعتقدت ألاّ أخل بما أخلّ به، إذا قمت يوما مقامه.
وقال أبو الحسين محمد بن الحسين النحوي، فكان الصاحب لا يدخل عليه في شهر رمضان بعد العصر كائنا من كان فيخرج من داره إلاّ بعد الإفطار عنده وكانت داره لا تخلو في كل ليلة من ليالي شهر رمضان من ألف نفس مفطرة فيها. وكانت صِلاتُ الصاحب بن عباد وصدقاته في هذا الشهر الجليل تبلغ مبلغ ما يطلق منها في جميع شهور السنة كاملة.
ويذكر أنّ أحمد بن طولون زار مسجده في القاهرة في أثناء بنائه وكان ذلك في أيام شهر الصيام فرأى الصُنّاع يعملون إلى وقت الغروب، فقال متى يشتري هؤلاء إفطاراً لعيالهم؟ فأمر ابن طولون أن يتركوا العمل وقت العصر، ولما انتهى شهر رمضان، قيل له قد انقضى شهر رمضان فيعودون إلى عاداتهم. فقال قد بلغني دعاءهم، وقد تبركت به وليس هذا مما يوفر العمل.
رمضان في ذاكرة المسلمين
المجالس والرحالة في رمضان
تطورت الأعياد في الحضارة العربية والإسلامية خلال القرون الهجرية الماضية، لأنّ من سُنّة الحياة والمظاهر الاجتماعية في حياة الناس التجديد والتغيير حسب التطور الذي يشمل مناحي الحياة المختلفة. وعلى هذا الأساس فقد خضع شهر رمضان والعيدان ــ الفطر والأضحى ــ إلى تبدل مظاهر الاحتفاء والاحتفال بهما في ديار الإسلام، وسنتحدث في هذا المبحث بلمحة يسيرة عن مظاهر شهر رمضان الفضيل في الحضارة الإسلامية، ثم نُعرِّج إلى عَلَمَيْنِ من أعْلاَم الجغرافيين العرب هما الجغرافيان الرحالان ابن جبير وابن بطوطة، لنلقي الضوء من خلال رحلتيهما المعروفتين، على ما أفردا من انطباعاتهما حول رمضان والعيد في ثنايا الرحلتين الجغرافيتين للمدن والبلدان الإسلامية التي زاراها، ودونوا تلك الانطباعات في الرحلتين.
المجالس العربية
بقيّ الإنسان العربي عبر توالي الأيام محافظاً على الإرث الحضاري والعادات والتقاليد الأصيلة النابعة من ألق حضارتنا العربية. وتعد المجالس من تلك العادات الاجتماعية التي بقيت ولم تندثر على الرغم من النقلة الجديدة التي عصفت بالمجتمعات مع الثورة العلمية والعولمة التي أرادت أن تقتلع هوية الناس والإنسان العربي بالذات وتجرده من موروثاته المتأصلة والمستمدة من ذاكرة الآباء والأجداد. تعبر المجالس بصفتها العامة عن حبّ الضيف وتقريب الغريب عن الديار، وكانت المجالس العربية تعقد في العراء وتضم نخبة من الرجال يتداولون في مسامراتهم شؤون التجارة والحياة، وكانت تنضم الأسواق الأدبية التي غايتها التبادل التجاري أولا، ومن ثم تناشد الأشعار كما حصل في سوق عكاظ في الجزيرة وسوق المربد بالبصرة في العراق. ولكن المجالس تلك أخذت بعدا مغايرا في ظل الإسلام، عندما بدأ المسلمون يتعلمون كتاب الله العزيز.
المجالس النبويّة
كان النبي الخاتم محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ دائم الصلة بالمسلمين، ووظيفته تبليغ الناس الرسالة، لهذا يكون بيته مجلسا صغيرا لهم، ومسجده هو مجلسه الكبير، وبين المجلسين كان عليه الصلاة والسلام يرافقهم ويلتقي بهم في السواق والمناسبات الاجتماعية، علاوة على صحبته لهم في أثناء الغزوات وفي الأسفار كما حصل في حجة الوداع.
ولقد أشار ابن اسحق إلى أنّ المسجد النبوي قد بُنِيّ من حجارة منضودة، بعضها على بعض، وجعلت عمده من جذوع النخيل، وسقف بالجريد، وجعلت قبلته من اللّبِن أما بيوته ــ عليه الصلاة والسلام ــ فكانت تسعة، بعضها جريد وطين وسقفها جريد، وبعضها من حجارة مرضومة، بعضها فوق بعض، ومسقفة بالجريد أيضاً، وقال الحسن بن أبي الحسن كنت أدخل بيوت النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ وأنا غلام.. فأنال السقف بيدي، وكانت حجرته ــ عليه الصلاة والسلام ــ أكسية من شعر مربوطة من خشب عرعر وكان بابه ــ صلى الله عليه وسلم ــ يقرع بالأظافر أي لاحلق له، ولما توفي أزواجه، خلطت البيوت والحجر بالمسجد، وذلك في زمن عبد الملك بن مروان. واتسمت مجالس الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ بالبساطة والتواضع فقد روى البغوي عنه ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس . وهذا التواضع النبويّ يجعل الأعرابي الذي يدخل مسجده حين يسأل أيُّكم محمد؟ فلم يكن النبي الكريم ليتميز من أصحابه بمقعد أو ملبس معين أو زيٍّ بل كان عليه الصلاة والسلام ــ واحداً منهم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلتقي في البداية أصحابه في مجلس خاص بمكة يعرف بدار الأرقم يعلمهم الكتاب والحكمة، ولمّا ازداد عدد المؤمنين به وبدعوته صار يلتقي بهم في ساحة المسجد وفي كل مكان ومناسبة،ويتميز مجلسه بالجد وقت الجد، فكان المجلس النبويّ عند نزول القرآن المعجز خاشعاً جاداً، فروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ــ أنّه كان إذا أُنْزِلَ عليه الوحيّ كرب لذلك وتربَّد في وجهه، فلما أتليَ عنه أي سُرِّيّ عنه وكشف رفع رأسه . وكان رسول الله لا يسرد الحديث في مجلسه كسردنا، فهو أبعد الناس عن التطويل والإطناب الممل. تقول السيدة عائشة أم المؤمنين ــ رضي الله عنها ــ كان يحدث حديثا لوعدّه العَّاد لأحصاه . ومن ملامح المجلس الشريف أنه ــ صلى الله عليه وسلم ــ كان يسقي ضيفه أولاً ثم يشرب بعده، وكان يتخول أصحابه بالموعظة، لأن القلوب قد يصيبها الكلل والملل والسآمة من كثرة المواعظ فتفقد المواعظ قيمتها.
/7/2012 Issue 4264 – Date 30 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4264 التاريخ 30»7»2012
AZP07
























