يوميات شعب جريح الوصول إلى الفرح سيراً على الأقدام
في ضجيج يوم من أيام عراق الدموع تجري الحياة في مفترق الطرق , تسير بنا سفن الوقت في بحار الأيام لترسوا على شواطئ الألم والفرح والحزن والراحة والاشتياق وإلى مالا نهاية من مخزون النفس البشرية .
يمتلئ الجبين عرقا وتزهق الأرواح تعبا لتخرج بدنانير لا تسد أفواه جائعة , تلمس الكفوف أوراقاً نقدية , بنظرة عين وحركة لسان يردد الشكر للخالق , ويُقبل الرزق ويُرفع للجبين ثم يُدس في جيب لا يشم رائحة المال إلا قليلا , فبعد وقت ليس بالطويل ولا بالقصير , ستحرق أشعة شمس الطلبات تلك الأوراق لتتبخر بين أيدي بائع الخضار وأدوية الصيدلي وإيجار صاحب الدار و…… الخ.
بعد انتهائه من عمله مع الأسطة خالد مصلح السيارات مضى علي إلى داره , راح يقنع نفسه إن المشي هو نوع من أنواع الرياضة التي تجعل الرياضة بصحة أفضل , إذن لا داعي لركوب المواصلات , فالدار ليست بالبعيدة , والصحة لها حقٌ علينا , وضع يديه في جيبه ومضى مبتسما لكن ما كان يقنع نفسه به لم يكن واقعيا وصحيحا ….أين الصحة في المشي على دروب لا تعرف الرحمة ؟! حصى وحجارة وأكوام أزبال في كل حدب وصوب …. ،لكنه تجاهل كل شيء ومضى ,فما سيوفره من دنانير قليلة تجعله يستمتع بالمشي على شاطئ بحر الأمراض، ويمضي علي وعيناه تراقب الحياة يمينا ويسارا لرحلة كل يوم , يرسمها القدر المكتوب , إنها لوحة الوطن … أين هي ألوان الطيف السبعة ؟؟!لماذا لا يوجد سوى سواد عتم ؟!…زحمة سير, تشرد أطفال تكوم أزبال , بنايات مهدومة , شوارع مهملة , روائح خانقة ملامح البشر غلب عليها الجهل والشر الذي انتصر على خير في أيام العتمة والظلام , غاب العقاب فرحل الأدب , وطن بلا روح , صحراء تسكنها جمال بشرية , وحوش وثعابين ولا وجود لورود وأشجار تسقي الحياة بأوكسجين نقي….
وبعد عشرين دقيقة من السير وصل علي إلى الشارع الذي يسكن فيه , وعند اقترابه من الشارع سمع زغاريد وأصواتا فرحة وكلمات شكر لله تنطلق من دار جارهم أبي مصطفى , الناس مجتمعون والفرح رسم على وجوههم المتعبة أجمل الملامح , تحمس علي ليعلم ماذا هناك , اقترب من دار أبي مصطفى وسأل أحد الواقفين :-
خير إن شاء الله , شنو الصاير حجي أبو حسين ؟؟.
مصطفى ابن أبو مصطفى طلع اليوم من السجن , أم مصطفى لم تصدق نفسها بان عاد إلى الحياة ثانية .
ملئت الضحكة وجه علي وصار له جناحان طار بهما إلى داخل المنزل , نظر فوجد مصطفى يجلس وحوله الأهل والأحبة , نعم إنه مصطفى,مصطفى صديق العمر , إنه هنا , لقد عاد بعد أن غيبه القدر تحت رحمة المحتل , لقد عاد بعد إن قضى خمسة أعوام من عمره في سجون لا ترحم .
احتضنه بقوة , قلبه صار يرقص على أنغام الفرح , ولوحة الوطن تلونت بلون الأزهار … دخل اللون الوردي فكسر عتمة الليل وألوان السواد القاتم … غرق علي ببحر الفرح وسالت الدموع على وجه أتعبته الدنيا ،لكن السعادة لم تنسه لقد عاد مصطفى , لقد عاد السجين , ما أخذه المحتل قد عاد ,فشكرا لكم أيها الأوغاد رغم كل الألم ،فالذي عاد اليوم أغلى من الذي اعتقلتموه بالأمس , منذ ذلك الحين صار علي مؤمناً بأن السير مفيد للصحة , فلا يوجد ما هو أجمل من الوصول إلى الفرح سيرا على الأقدام .
براعم علي العكيدي – بغداد
























