الشاعر علي عزيز العبيدي
وقفة تأملية في حوارية قالت وقلت – اضواء – ساجدة البغدادي
لايخرج تعريف الحوار عن كونه عملية تواصل بين المتكلم والمخاطب ومادام هو تواصل فلابد ان يقوم على مبدأين المبدأ الاول يخص المتكلم ويبني كلامه عليه الا وهو القصد والمبدأ الثاني هو مبدأ الفائدة الذي يسعى اليها المخاطب .ومانراه في الشعر في حواره القصصي يعدُّ لوناً من الوان الابداع وزيادة في عملية التواصل فالطرف الثالث يتلقى الشعر ويعيش الحوار وقد يتخيل نفسه احد الطرفين فيتأثر فيه ويعيش حالة الشاعر بشخوصه ، فالشاعر عبّر عن مشاعر انسانية قد تكون ذاتية الحدث ولكنه اخرجها من الذاتية الى التعبير عن افكار يريد ان يوصلها الى المتلقي وقداعتمد الكثير من الشعراء على الحوار وسيلة للتعبير عما يجول في خاطرهم من مشاعر وافكار ، وما جاء في شعر المعلقات ان هو الا دليل على اهمية الحوار السردي القصصي في الشعر اذ يقول امرؤ القيس محاوراً صاحبه
فقلتُ له لا تبكِ عَينُكَ إنّما نحاولُ مُلكاً أو نموتَ فنعذرا
فحواره مع صاحبه قد يكون صاحباً وهمياً او صاحبا ًحقيقياً وفي كلا الحالتين فانه يعتمد على الحوار في ايصال فكرة انه صاحب حق يقاتل دونه فاما الملك او الموت .وكتب العرب زاخرة بهذا الحوار القصصي .لكننا هنا نقف عند الشاعر الدكتور علي عزيز العبيدي شاعر عُرف بجزالة اللفظة واستقامة الوزن وقدرة في خلق المعاني لصور شعرية جميلة وفي الاغراض الشعرية كلها ,وسنتأمل مقطوعات من شعره تحت عنوان ( قالت وقلت ) هي حوارية بين امرأة ورجل يعتمد عليها الشاعر في التعبير عن موضوعات مختلفة قد تكون ذاتية كما في قوله اذ تعتب عليه حبيبته قائلة : هي الليالي رمتني بعد ما اشتجَرَتْ
وغيَّبتْك فلا صوتٌ ولا أثرُ
وقلَّبتني على رمضاءَ لاهبةٍ
صيداً ومن تحتهِ يسْتَنْفَرُ الشررُ
ولافحُ القيظ من حولي أسِنَّتُهُ
كمرجلٍ غيضهُ يغلي ويسْتَعِرُ
فالصورة الشعرية هنا لوحة فنية تنطق بالحياة فكل مافيها يغلي ويستعر وهذا هو حال المحبين في كل زمان ومكان لتكمل الصورة بعتب على المحب وهو عتب حبيب فيه الكثير من الالم فالمحب يريد الاهتمام ممن يحبه فكيف اذا كان كما يصفه الشاعر على لسان الحبيبة
وأنتَ ماضٍ كظل النخلِ مرتحلاً
شيئاَ فشيئاً فلا علمٌ ولاخبرُ مارفَّ جفنٌ على عينيكَ مفتقداً
بُعْدي وفيكَ بقايا الشوق تحتضرُ
فانه عازم على الترحال والاختفاء كظل النخلة شيئاً فشيئاً وهذا التشبيه جديد على السرد الحواري في القصيدة الشعرية ، فانسحاب الحبيب مؤلم ويردف هذا العتب بانه مفارق بعد ان احتضر الشوق في قلبه وهذا الكلام دليل على اخماد جذوة الحب ، فما عاد الشوق يجبره على السؤال في تفقد الحبيبة…كل هذا على لسان الحبيبة ومااروعه من عتب ولوعة في صياغة شعرية فيها من المجاز والتشبيه الرائع .وبعد قولها يأتي الشاعر ليرد على عتبها بنظم جميل وبمشاعر حب وعتب يصل الى اللوم في انها سبب هذا البعد وانها هي من ابتعدت معتمدا في البوح على التشبيه اذ يقول :
ماذا بوسعي إذا ماكنتِ راغبةً
وصلاً وقد بُحَّ صوتي واشتفى الوترُ
حتى مزاهر حبي شفَّها صدأٌ
لفرط ماراح فيها الشوقُ يعتَكِر
طلبتُ وصْلكِ في ضيقٍ وفي سعةٍ
وكل دارٍ بها لي موطئٌ خَضِرُ
فلم أجدْكِ وما في الأفقِ من أملٍ
وناقتي ملَّها الترحالُ والسفرُ
وكأنه ينادي عليها وبح صوته وطلب الشفاء للوتر لكثرة الصياح والمناداة طالبا وصل من عتبت عليه راسما صورة شعرية لهذا العتب ممهدا للوفاء بالحب لها
أبقى أُحبُّكِ مافي الحبِّ من بطرٍ
ياهالة يشتهي لئلاءها القمرُ
لو كان حبكِ ارهابا قبِلتُ بهِ
وكيف يقبل ارهابٌ به ضررُ
متغزلا بجمالها مبيناً تمسكه بها حتى لو كان حبها ارهابا وهذه المفردة وظفها توظيفا جميلا ومتمكنا على الرغم من قسوتها وعدم استعمالها في الغزل .
ونجد الشاعر العبيدي في قصيدة اخرى يعالج موضوعاً يبدو انه ذاتي لكنه عاماً ففي حوار وهمي يحدث بين الشاعر وامرأة تعيب عليه تجاوزه الستين وان من يصل لهذا العمر هل له في الحب من نصيب
ها قدْ كبرْتَ وما أصبحْتَ تعنيني لاشيئ فيك بما أهوى يمنَّيني
وقد تخطَّتْ بكَ الستون رونقها
وأنت تدْرجُ حبواً نحو سبعينِ
وحولكَ الليلُ قد أرخى سدائله
يذيقكَ اليأسَ من حينٍ إلى حينِ
والأفقُ فوقكَ ممتدٌّ بزرقتِهِ
يلوِّنُ الأرض في أبهى التلاوينِ
يعطي الحياة جمالاً لاحدود له
للقادمين إليها بعدَ عشرينِ
وأنتَ أكملْتَ شوط العمْرِ يارجلاً
فهل (لخولة) حبٌ فيكَ ذا الحينِ؟؟
فكلامها مؤلم وموجع لهذا الرجل لكننا نرى جمال السرد والقول في ابهى صورة صورة الليل والافق والحياة لمرحلة الشباب وصورة اليأس والاحباط لمن تجاوز الستين وكأن الحب يتوقف في شوط من العمر ..لكن الشاعر ينتفض معلنا
القلبُ قلبٌ ولو شابتْ أذائنُهُ
لافرقَ في مائةٍ أوْ في الثلاثينِ
إنْ شفَّهُ الوجدُ لاعمرٌ سيوقفهُ
لو دُقَّ في نعشِهِ مليون إسفينِ
فكل نبضة شوقٍ فيه زلزلةٌ
كأنها في الجوى ريحُ الخماسينِ
الفعلُ للقلبِ لا للعمرياامرأة
فلاتظني بأنَّ الشيْبَ يقويني
ولاتخيفكِ أعوامٌ قطعْنَ مدىً
واجتاز عمري بها تسعاً وخمسينِ
أقولها ولتكوني جدُّ صاغية
إني سأعشقُ حتى في الثمانينِ
فهل نجد أجمل او ابلغ من هذا القول القلب هو القلب ان احب وعشق لن توقفه سنوات العمر عن النبض للعشق والشوق والحنين واستعماله النهي والامر في ايصال الفكرة لهي الثقة والمقدرة على هذا القول بل يتحدى هذه المرأة قائلا : ( إني سأعشقُ حتى في الثمانينِ) مااجمله من تحدي
وقد نجد الحبيبة في مقطوعة اخرى تشكو له ظنونها باسلوب جمالي شفاف اذ تقول :
لاتلمني إن كنت ضيَّعتُ عهدي
فلأني أعيشُ رهنَ ظنوني
لاتلمني فإنَّ قلبيَ أضحى
مسرحاً تُستثار فيه شجوني
لاتلمني سمعتُ منكَ كثيراً
من كلام غطى عليَّ عيوني
إنَّ حبي إليكَ ألقى ظلالاً
من شكوكٍ كأنها تعتريني
والشك حالة يعيشها المحبون ، فالشاعر هنا اراد ان يسلط الضوء على هذه المشاعر باستعماله اسلوب الالتماس والتعليل ف( لاتلمني ) تعليلها (فلأني) وهو اسلوب بلاغي يزيد من التأثير وشد انتباه المتلقي لسبب وتعليل هذا الالتماس لينتهي الى قول جميل اختصره بقوله على لسان الحبيبة
إنما الشك مثل سمٍّ زعافٍ
لو تجرعته فقدت سنيني
فعلاً الشك والظن سم رعاف يسري في القلب والروح فيشلها ويحيل حياتنا الى حزن والم …ولكن لنرَ كيف يرد الشاعر الحبيب على هذا
أيُّ شكٍ هُوَ اثمٌ كبيرٌ
دفع الله شرَّهُ باليقينِ
وكذا الظن فهو داءٌ وبيلٌ
كم حياة تهدمتْ بالظنونِ
وقلوب تفرقتْ وتناءتْ
وبها الحب نابضٌ بالحنينِ
هو ذا الشك يا حبيبة قلبي
مثل سيفٍ مسلَّطٍ كل حينِ
فذريهِ وغلِّبي العقلَ دوماً
واحفظي حبكِ الندي واحفظيني
يبدأ كلامه مقتبساً من ( ان بعض الظن اثم ) ليردفه بدعاء ان يدفعه الله باليقين ليبين لها انه داء يميت الحب في القلوب ويشتتها ، ومااجمل كلمات الشاعر وهو يناديها (ياحبيبة قلبي ) هو يطمئنها بقوله هذا معاتبا اياها وناصحا لها اذ يختم كلامه ان تحفظ حبها وهو حفظ لحبيبها
نلاحظ الشاعر اعتمد ياء المتكلم في قول الحبيبة وهو تأكيد لما في قلبها ونفسها من شك تجاه حبيبها لكنه اعتمد القافية المكسورة عندما اراد ان يرد عليها ؛ لان ماذكره هو مشاعر خرجت عن الذاتية لتكون موضوعية عامة الا في البيت الاخير فانه طلب منها ان تحفظه وهنا بقاء على عهد الحب معها .
ومن الموضوعات التي تناولها الشاعر في (قالت وقلت ) بيان حالة الشاعر من خلال تساؤلات الحبيبة عن حالته وعلاقته بما حوله وهو شعور انساني اراد الشاعر ان يعمقه في الحياة
سألتكَ ياحبيبي فلمْ تُجِبْني
أحقاً تستبدُّ بكَ الليالي ؟
أحقاً كل ذهنكَ با نشغالٍ
وكلُّك متخمٌ بالإنشغالِ ؟
تشدُّكَ كلُ شاردةٍ إذا ما
تشابكتِ الشواردُ في الخيالِ فتأخُذُكَ الظنونُ إلى حدودٍ
تجاوز عدُّدها ما في المحالِ
فمالك شاغلٌ في الناس ذهناً
وذهنكَ من صفيِّ الفكرِ خالِ
هذه التساؤلات عن حالة المخاطب تمهيد لجواب فلسفي انساني يريد الشاعر ان يجعله في اعماق كل
الانسان اذ يقول :
هي الدنيا كبحرٍ ليس فيها
سوى الأمواج تنحتُ في العوالي
فتهدمُ كلَّ ماقد شِيدَ يوماً
وتغرق من تشبَّثَ بالخوالي
إذا لم تأتها صُلباً قوياً
ولاتخشى بها دركَ النزالِ
ستأخذُ منك نحو العُمْق حتى
تروح وذي خواتيمِ المآلِ
فهذا سرُّ شغلي وانشغالي
وليس بوسعنا أن لانبالي فالدنيا عنده بحر لاراحة فيها ولاامان حتى وان رأينا هدوء الامواج فهي تنحت وتهدم على مر الايام وهذه الصورة الشعرية يتخيلها المتلقي لوحة رُسمت بريشة فنان تنطق باللون والمشاعر ، كيف لاتكون لوحة والشاعر متمكن من ادواته ينتقي اللفظة كما ينتقي الصائغ اجمل ماعنده من الدرر لينظمها في خيط من الحرير فتظهر باجمل صورة وخيط شاعرنا حرير من الوزن والقافية وقوة التركيب اذ لانجد ترهل لافي الفكرة ولافي التراكيب فكل مفردة تعانق اختها وتساندها وزنا ومعنى …
وقد يتخذ الشاعر هذه الحوارية ليبين مشاعره تجاه وطنه وامنياته التي اتعبت قلبه العاشق للوطن يقول على لسان الحبيبة :
يقولون العراق غدا جميلاً
وفي درب البناء مضى طويلا
وأمطرتِ السماء عليه ورداً
وكل فسيلهِ أضحى نخيلا
ونور الكهرباء بكل كوخٍ
وصار عن الهلال هو البديلا
فلا أميَّةٌ أو فقر عيشٍ
ولن تلقى به شيخاً عليلا
وأبواب المدارس مشرعات
وماء الشرب يجري سلسبيلا فلا طوكيو ولاباريس ترقى
ولن تلقى لبغداد المثيلا
انظر كيف يرسم العراق حلماً جميلاً يتمناه الشاعر متناولاً كل مفاصل الحياة فيه في ابيات قليلة البناء والاعمار …امطار الخير …العيش الكريم …التعليم …بل وامنيته ان تصبح بغداد حبيبته اجمل من طوكيو وباريس ولكن مع كل مايتمناه ، لاحظ كيف بدأ قوله ب ( يقولون ) والقول ليس يقينا قد يعتريه الشك لاسيما (هم يقولون ) ربما هو ادعاء ولكن كيف كان رد الشاعر وقد اثار كلام الحبيبة مافي نفسه من الم وشجون
اذا قالوا العراق غدا جميلا
فهل من قبلُ لم نرهُ جميلا
وماذا زيدَ فيه لكي يباهو
به من صار للرقيا دليلا
نعم كان العراق بلاد خيرٍ
ونبع حضارة جيلا وجيلا
ولكنَّ العمالة لم تزدْهُ
سوى شرٍ به أضحى وبيلا
فقالوا إنه أضحى جديداً
وكان جديده الدمَ والعويلا
اذا أضحى العراق كما ادَّعوهُ
سأصبح من غدٍ ذنباً عميلا
(فهل وماذا ) استفهام انكاري يوجهه الشاعر ردا على كلامها اذ جعل هذا الاستفهام جسراً لما آل اليه حال العراق فبعد ان كان بلد الخير والحضارة والرقي ..اصبح بلداً جديده الدم والعويل ويزيد الشاعر التحدي فان العمالة لاتزيد في العراق خيراً ، فان اصبح كما رسمه الشاعر على لسان القائلة ، في يقولون سيصبح الشاعر (من غدٍ ذنباً عميلا) وهو القول المستحيل لما نعرفه عن الشاعر من مواقف وطنية مشرفة ، فالمتأمل شعر د.علي العبيدي في كل اغراضه نجد حب العراق مستوطناً في قلبه وروحه بل وليس له حبيبة الا بغداد عشقه الاول فهو يتنفسها جمالا وبهاء ويتألم لما يحصل فيها فجلّ شعره الان عن بغداد حتى ان خاطب المرأة فبغداد حسناء شغف قلبه بحبها …سأكتفي بهذه المقطوعات وهي انموذج لما يكتبه الشاعر وا لناقد الدكتور علي عزيز العبيدي تحت عنوان (قالت وقلت ) ولاادعي اني اعطيتها حقها من التحليل ولكني وقفت عند بعض مواطن الجمال وهي كثيرة لاحصر لها في قصائده ..وستكون لي وقفات اخرى ان شاء الله .























