وردة لحسين عبداللطيف
عوّاد ناصر
مثل قصيدته، تماماً، تقدم ناحيتي بلا صخب ولا بلاغة، ومن دون عواطف المحترفين، ليلقي علي التحية، عندما كنت في البصرة ضيفاً على مربد ما لم يقم.. مربد مؤجل فلم أشارك في مهرجان الكلام العالي.
كنت قرأت له، منذ سنوات بعيدة، ديوانه على الطرقات أرقب المارة فأربكتني جملته الشعرية، غير المتداولة، في سوقنا القذرة.. جملة مفعمة بالدهشة لأنها غريبة مثل شاعر معزول، أو عصفور عنيد يكره السرب.
حسين عبداللطيف، البصري العراقي الإنساني، وضع لكلمته بهاء الخفوت الذي، وحده، يغطّي على الرنين لأنّه يصدر من شاعر.
قبل هذا، وفي بغداد الشعر وكتّاب التقارير، طلع عبر ثرثرتنا المثقفة إسم سمعت به أول مرة حسين عبداللطيف.
شاعر هو أقرب ما يسمى بـ جيل الستينات إلى ما يسمى بـ جيل السبعينات بروح القصيدة الرزينة لا بحساب مخاتير الشعر وهم يمهرون بأختامهم على بطاقاتنا الشخصية، ويباركون مرورنا إلى… أو يطردوننا من…
وهو التوازن الفردي لصخب ذاك الجيل وعنجهيته، بعيداً عن البيان والمهرجان والصولجان.
وكم شاركني، من دون أن يدرك أيّ منّا هسيس الآخر، قولة النمساوي» الألماني، شاعر الصمت والوحدة، راينر ماريا ريلكه من ليس له بيت الآن، لن يكون له بيت إلى الأبد.. ومن هو وحيد الآن، هكذا، طويلاً سيبقى على ذمة مترجمها اللبناني فؤاد رفقة، والتي صدر بها ديوانه الآخر نار القطريب بغداد 1994 كما أتذكر، أرسله لي من دمشق أحد الأصدقاء.
أكتب هذا، اليوم، متخطياً عقدة الخارج والداخل التي ما زالت تتحكم بـ ذائقة الكثيرين هناك، للأسف، وقد بخلوا على أخوتهم الذين نجوا من معسكر الكيمياويين بفرارهم إلى أرض الله الواسعة.
أكتب هذا، اليوم، لكي لا أقف في طابور المعزين، لا سمح الله، من دون شعور بالذنب إزاء شاعر لم نمد له يد المساعدة، وهو في حال صحية حرجة هذه اليلن، وحاشا أن يستجدي شاعر لنفسه، مثل حسين، ولا شاعر لشاعر، وأستنكف من أن أتوسل رئيساً أو شبه رئيس أو وزيراً أو شبح وزير.. إنما ثمة حقان الحق العام، حق البشر في أن يتمتعوا بالعافية، وحق الشاعر لأنه يضفي على لغتنا طاقة أخرى طاقة الجمال.
هي كلمة وفاء للشاعر والشعر ولأن حسين اختار ذاك الركن القصيَّ، حيث العزلة من شيم الشعراء الحقيقيين، مهما تغزلوا بالنجوم البعيدة أو نزلت من عيني القصيدة دمعة وكيحة على طفل ما في بلد ما، في قارة، ما على سطح الكوكب البشري.
لنستمع إليه، إذن
حشد من الاطفال.. والملائكة» مع مزامير من اللبلاب.. كانوا يهبطون» في آخر الليل.. على جوانب التلالْ» ويعزفونْ» ويعزفونْ» والذئاب.. تقتربْ» فتقتربْ» من حشدهم.. سحابة تخطفهم.. وتنسحبْ من قصيدة تحديق .
ثم قوله
أدخلي» أدخلي» لتري ماالذي كنت يوما تريدين رؤيته المغني القديمْ» في صداقة ركبته» والكراسي» على حالها.. في المطر…» بصيص ضئيلْ» يدخل الآن من فرجة الباب مرتجفاً… بعد ما الذكرياتْ» رحلت ـ وهي تحمل صرتها ـ بعدما السنواتْ» أقفلت كل أدراجها.. واتخذنا الدخان.. ساترا» لنا» كي نغطي افتضاح الدموعْ» وعلى كيفنا ننتحبْ»
دونما رقباء قصيدة أحوال .
حسين عبداللطيف رأى ذاك القطار البئيس، قطارنا أبداً، قطارنا المتكرر، كما العربات، وهي تمرق من رازونة بيت الطين الضيقة
قطار الحمولة» قطار الليالي» قطار السنين الخوالي» الى أين تمضي بركابك الميّتينْ؟
قصيدة نار خضراء .
وردة على مخدة الشاعر عرفانا لأنه أمدنا بطاقة الجمال ومحبة العالم.. هل هذا كثير على شاعر مثل حسين؟
وردة لحسين عبداللطيف.
/4/2012 Issue 4179 – Date 21 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4179 التاريخ 21»4»2012
AZP09



















