هويتنا موقف – فارس السردار

فارس السردار

في هذا الاسبوع حضرتُ ثلاث لقاءات نوعية اقامتها مجالس عوائل ومراكز دراسات ومعاهد، وهي ظاهرة انتشرت إبان خروج داعش الدراماتيكي من الموصل. والتي اخذت على عاتقها مناقشة الحراك الثقافي والسياسي والاعمار والانتخابات والتعليم والصحة والبلدية والاقتصاد والسياحة والادب والصناعة والاثار والفساد ومجمل المناشط التي تضطلع بها المدينة فيما تشهده من حراك ملفت للنظر. وقد تصدر هذه الجلسات والندوات برلمانيين ومدراء دوائر حكومية ومثقفين ومؤرخين وأدباء ومحامين وصناعيين وفنانين واساتذة جامعيين. اعادوا تقيم الواقع وتقدموا بمقترحات ورؤى في مجملها تسعى لعودة الحياة الى المدينة مع الدفع بها الى أفق مشرق. ولم تتغيب المرأة عن المشاركة في كل منها، لكن اللافت للنظر أن الشباب تلكؤوا كثيرا في أن يكون لهم حضور بارز.
كان اللقاء الاول في مركز الرشد المجتمعي للاستشارات والبحوث. الذي حاضر فيه الأستاذ الدكتور جزيل الجومرد بعنوان( إعادة إعمار أبنية الموصل التاريخية – رؤية وملاحظات)

تناول فيها، الجدل الحاصل ما بين التراث والمعاصرة وكيف ينظر كل فريق الى الآخر. وما يعتري العملية من الناحية التنفيذية التي ترعاها المنظمات وتشرف عليها، والاتهام الموجه لها كونها تعتني بالعمارة هندسياً، دون الالتفات الى ما في هذه المعالم من نكهة تراثية كما عبر عنها الدكتور جزيل الجومرد، هو افتقادها الى الروح والهوية، ويرى أنها لم تأخذ حقها من الدراسة بغية إنفاذ ما هو قادر على تظمينها لتلك الروحية التي قادت العالم للاعتزاز بها واعتبارها ارثاً عالمياً. مشددا على ضرورة استعاء تلك العقلية الابتكارية على مستوى المواد والفن الذي حولها الى معالم تشخص وتصمد الى أن وصلتنا في هذا الزمن، بينما العمارة المعاصرة تسعى للإنجاز دون الالتفات الى تلك المعالم التي تعزز ديمومة الهوية المستهدفة عبر العمارة التي ميزتها واعطتها سماتها المتفردة مستشهدا بمنارة الحدباء ذات التسعمائة سنة عمراً.

واستضاف المركز نفسه رئيس غرفة صناعة الموصل السيد محمد صالح المشهداني ليتحدث عن دور( الاستقرار السياسي بوابة لعودة الصناعة العراقية وازدهارها) والذي تحدث بصراحة استحقت التقدير مشيراً الى جملة من المصاعب التي تعترض الصناعي العراقي الذي يحاول ومعه غرفة صناعة نينوى ترميم امكانياته التي دمرتها سنوات الاحتلال وداعش والتي لم تتعافى لحد الان. ومن جملة ما تعانيه الصناعة في العراق ، أنها لا تمتلك رؤية واضحة او جادة تجاه ما يمكن أن تفعله الصناعة والتي بإمكانها أن تكون رافداً لاقتصاد الريع المتمثل بالنفط، مشيراً الى تقاطع الرؤى ما بين وزارة الصناعة ومديرية التنمية الصناعية، وحصر القرار الحاسم لكل ما يتعلق بحركة الصناعين بمركزية متعبة متمثلة ببغداد من حيث استحصال اجازات المشاريع وتخصيص اراضي للمشاريع وتصاريح الاستيراد والتصدير وتوفير الطاقة وانتقال الخبراء وتفاصيل ادارية يشوبها الفساد ونظام ضريبي يحتاج اعادة النظر إضافة إلى التداخلات الجمركية بين المركز والاقليم كلها تشتت انتباه الصناعي عن هدفه الرئيس. واشار المحاورون إلى أن الصناعة العراقية ترزح تحت وطأة افكار الألفية الثانية من حيث وسائل الانتاج والعقلية الحاكمة للصناعين، فضلا عن أن ثقافة الصناعة بملامحها المعاصرة باتت غائبة عن ذهن الصناعي والعامل في مجالاتها، وبالنتيجة هذا ما يتحمله المنتج الذي يسقط امام المنافسة السعرية والجودة النوعية . لان عجلة الانتاج توقفت عن التطور منذ أن ظرب الحصار الاقتصادي قطاعاتها المختلفة وليأتي الاحتلال والصراعات الطائفية والفساد وداعش ليكون كل منهم ضربة زلزال مدوي.

اما الندوة الثالثة فكانت في القاعة الرئيسية للمعهد الثقافي الفرنسي- العراقي في الموصل، وبالتعاون مع وحدة الدراسات الاستشراقية في كلية الآداب/ جامعة الموصل، والذي نظم جلسة حوارية تحت عنوان ( علاقات المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون مع عدد من المفكرين العراقيين في النصف الأول من القرن العشرين). أدار الحوار أ. م. د. فارس عزيز المدرس، مسؤول وحدة الدراسات الاستشراقية في كلية الآداب جامعة الموصل، وشارك في محاور الجلسة كل من أ. د. بشار نديم احمد، أ. د محمود صالح سعيد، م. م محمود أحمد حاجي، م. م حسناء نبيل عبد الأمير
وقد تطرقت الجلسة الى التوجهات الفكرية والفلسفية للمستشرق الفرنسي موضوع اللقاء ولا سيما أعماله البحثية في ميدان التصوف الإسلامي واثرها لدى المتلقي الفرنسي والعربي على حد سواء. وحضر الجلسة مجموعة من المختصين والمهتمين بالشأن الثقافي في الموصل. واشتملت محاور الندوة الحديث عن سيرة حياة لويس ماسينيون وعلاقته مع مثقفيّ وعلماء عصره من العراقيين أمثال محمود شكري الالوسي والاب انستاس الكرملي والرسائل التي تم تبادها معهم وكذلك اعتناء ماسينيون بالتصوف الإسلامي متمثلا بالحلاج والحركات الباطنية التي يمثل الحلاج واحداً من اقطابها.

هذه الندوات على اختلاف موضوعاتها والتي لا يخلو اسبوع من اقامة اكثر من واحدة في التجمعات والملتقيات وحتى المقاهي تمثل حراكاً يلفت الانتباه الذي يحرص أبناء الموصل على اقامته والمشاركة بحواراته، هو على قدر كبير من التحفيز لإعادة ترميم مدينتهم بغية التحول باتجاه اعادة الحياة إلى طبيعتها والتي تتوافق مع تطلعاتهم وأحلامهم، لكي تكون اكثر معاصرة ومواكبة لما يرجونه من تقدم وازدهار.