كان نهاراً حاراً جداً من نهارات تموز، الساعة تشير الى الواحدة ظهراً وجدته جالس القرفصاء واضعاً رأسه بين ركبتيه وهو ينظر الى آثار التعذيب، ربت على كتفه : ناديته باسمه ، لم يكترث لندائي ، انتظرته حتى رفع رأسه بعد ان أراح ذقنه على صدره في محاولة منه للتخلص من الآم الرقبة، نظر لي بعينين ملؤهما الشفقة ترقرقت بهما الدموع، تاركاً بعضها يسيل على خديه، مسحتها وجدتها كالمهل يشوي الوجوه، فقلت له:
– حدثني عن حادثة اعتقالك، اذا كنت على ما يرام ، بل كل شيء على ما يرام، بعد أن انتهى الصراع وفزت بالانتصار على نفسك!!.
قال:
– كنت في السادس الإعدادي، عندما اعتقلوا مجموعة من أصدقائي المقربين، رجال أمن النظام والمنتمين الى حزب السلطة في الوقت نفسه وذلك يوم الأربعاء 28/4/1981، حيث بدأت الاعتقالات قبل هذا التاريخ، وتحديداً في عام 1980، وكانت مدرستنا مراقبة من ازلام السلطة، جاء رجال الامن الى الادارة ليعرفوني شخصياً دون ان اعلم ، وتعرفوا عليَّ بطرقهم الخاصة، استفزوني بأسئلة تعطي لمتلقيها ان ورائها غرضاً مبيَّتاً، عدت الى الصف، شعرت أني مطلوب للسلطة، تركت المدرسة في الحصة الثالثة عائداً الى البيت ، لم أذهب الى المدرسة في اليوم التالي، تجولت في سوق المدينة ، عند عودتي الى البيت وقبل ان اصله، طوقني ثلاث رجال مسلحين، قيدوني ، ووضعوني في السيارة ، لم يرني أحد في هذا الوقت الذي هو الثانية عشر ظهراً سوى صاحب الدكان الذي نتبضع منه وقد عرفني، انزلوني في بيت من احياء المدينة، ادخلوني في غرفة ، على حائطها ملصق جداري مزجج ومؤطر بأطار ذهبي ، يصور وجهاً ضخماً لرجل غادر الكهولة وكل ما فيه ينفح بصرامة تخالطها كآبة غريبة ، نظرت اليه وقلت في نفسي (جاءوا بي الى هذا المكان بمشيئته صاحب هذا الوجه العتيد، المتشبث برأيه. ويوجد في داخل الغرفة مسطبة من الخشب، قيدوني عليها وأنهالوا عليَّ بالضرب المبرح وعلى جميع مناطق جسدي بدءاً من الوجه ونزولاً الى اعضائي التناسلية، استمريت مقيداً عليها حتى صباح اليوم التالي دون أكل اوماء، عندها شعرت بالحنين الى أهلي، عندئذ تغيرت مشاعري تماماً لكل من هو في هذه المؤسسة (القذرة) اغرورقت عيناي بالدموع، فكوا وثاقي من هذه المسطبة التي صارت بين ليلة وضحاها صديقه حميمه من كثر ما عانقتها من شدة الالم ، ادخلوني الى غرفة الضابط مقيد اليدين الى الخلف بعد ان شدوا عيني بخرقة سوداء – قال الضابط:
– اذا قلت الصحيح واعترفت، اذهب انا الى مدير الامن واخبره انك بريء ونطلق سراحك!!.
قلتُ:
– ما ذا اقول !؟.
– تقول انك منتمي الى حزب معاد للسلطة ، وتعترف على الاشخاص الذين هم معك في هذا التنظيم وبالاسماء ، واحد ، واحد!!.
– تريد ان اقول الصدق أم الكذب؟!.
– طبعاً أريد الصدق.
– الصدق انني لم انتم الى أي حزب، حتى حزبكم الحاكم، أما الكذب فأنني انتمي الى حزب(كذا) ومعي ( فلان ، وفلان، وفلان…. الخ) الذين هم معكم في أمن السلطة!!!
– زمجر, انتقم مني ضربني بكلتا كفيه على اذني ضربة واحدة فسال الدم من أذني وأنفي، وقعت مغشياً عليَّ، جاء احد رجاله وسكب الماء البارد عليَّ، أفقت ، ثم جاءوا له بهراوة غليظة وبدء يضربني بعنف وبكل ما اوتي من قوة بحيث انفصل ساعدي عن ذراعي وتكسرت عظام يديَّ من المفصل وحتى الان اعاني من الم بيديَّ.
جاءوا ( بالفلقة) وهي عبارة عن خشبة طولها مترين ومثقوبة بثقبين البعد بينهما متر ونصف تقريباً، أدخلوا فيهما قدمي الاثنتين وربطوهما بحبل من النايلون، يرفعها، اثنان ويقوم الثالث بالضرب المبرح على راحتي القدمين الى ان تصبح سوداء نتيجة تدفق الدم بين الجلد واللحم.
استمر تعذيبي ثلاثة أيام متتالية، ارسلوني الى ضابط التحقيق مرة أخرى وقال:
– ان شخصاً اعترف عليك أنكما في تنظيم واحد في حزب معادٍ للسلطة !!.
قلت:
– ما أسمه ؟!.
– فلان.
عرفت الاسم، وانه اعتقل قبلي بسنة واحدة، لكني عرفت أنه يريد استفزازي وانتزاع الاعتراف مني بطريقته الخاصة.
قلت:
– احضروه امامي اذا كان ذلك صحيحاً !!
– أسكت ايها الاحمق، انت الان تحت التعذيب وتدلي بكلمات وكأنك ضابط كبير، خذوه وانتزعوا جلده حتى يعترف!!!
استخدموا الكهرباء في تعذيبي ، وضعوا قطب على صدري والاخر على جهازي الذكري وعندما يُضغط على الزر يخرج الشرر من فمي وإذني من شدة الصعقة الكهربائية ، استمروا على هذا المنوال حتى اغشي عليَّ دون أن يحصلوا على حرف واحد من الاعتراف.
نقلوني الى غرفة اخرى للتعذيب وفيها جردوني من ملابسي وبقيت معلقاً على شباكها ورجلاي في الهواء لمــدة طويلة.
استدعوني للتحقيق وطرحت اسماء من الضابط اغلبهم مدرسين في الاعدادية التي انا فيها تنكرت لما طرح ، ثم قال الضابط:
– هل لك علاقة بفلان….؟!
الاسم الذي طرح عليَّ اعرفه حق المعرفة ، اعتقل قبلي لفترة من الزمن ثم اطلق سراحه شريطة العمل معهم (مخبر سري).. قلت:
– لم اعرفه.
– هل بينك وبينه عداوة؟!!.
– لا.
بقيت في ذلك البيت التابع للأمن لمدة عشرة أيام وما تخللها من التعذيب الذي لا يطاق، بعدها نقلت الى أمن المحافظة ، وضعوني في سرداب تحت الارض قياسه متران طولاً وعرضاً، لم أذق الماء لمدة يومين الظلام دامس، حشرات غريبة لم أرها في حياتي، في الليل من اليوم التالي استدعاني ضابط الشعبة السياسية وكان سكرانا حتى الثمالة.. قال:
– اعترف ، وإلا أقتلك الآن ، وهذه ادوات دفنك!!.
نظرت حولي وجدت مسحاة وقزمة حقل وكيس كبير ..قلت:
– ليس لدي ما اعترف به؟
قال:
– خذوه وضموه في هذا الكيس وادفنوه حياً في متنزة المدينة !!.
صرخت بأعلى صوتي من شدة الهلع والخوف :
– والله العظيم بريء، أنا بريء….!!!!
قال:
– انك تنتمي الى تنظيم حزب عميل ومعادٍ للسلطة وهذا تقرير مرفوع عنك وفيه الكلام بالتفصيل انت ومن معك!!.
قلت:
– قابلوني مع صاحب التقرير، هل حقاً انا الذي يدعي أم غيري !!!
قال:
– هذا راكب رأسه ، خذوه.
وضعوا رأسي تحت احذيتهم وانهالوا عليَّ ضرباً بكل ما أوتوا من قوة وهم سكارى تفوح منهم رائحة الخمر، بعدها قام احدهم باطفاء سكائره الواحدة بعد الاخرى على جميع انحاء جسدي بدءاً من الوجه حتى القدم ، والاثار لا زالت موجودة رغم مرور (30) سنة ، بعدها احضروا (البلايس) وقاموا بقلع اظافري من اليدين والرجلين، ثم احرقوا أكياساً من النايلون وتركوها تقطر المنصهر على جسدي العاري، صرت في غيبوبة، بعد مدة افقت، اخذوني سحباً على بطني على درجات السلم صعوداً وهو سلم من حديد ذو نتوءات بارزة ثم أنزلوني بنفس الطريقة ولكن على ظهري، سالت الدماء من كل اعضاء جسدي ، بعدها رموني، افقت بعد ساعتين تقريباً وجدت نفسي في غرفة فيها ثلاثون معتقلاً من مدينتي والمدن الاخرى ، قضيت فيها ثلاثة أشهر.
رحــيــم حـــمــد عــلــي – العمارة
























