هل هو رثاء؟ أنا أعتبره إحتفاءً

هل هو رثاء؟ أنا أعتبره إحتفاءً

أي درس ونقد لا ندباً وحزناً

حمدي العطار

سيكون حديثنا عن رزاق الانسان ، الصديق، وذكرياتي عنه لأننا كنا نعمل في جريدة (الزمان) وهو مسؤول الصفحات الثقافية ونحن بمعيته!

قوة التركيز

كنت بصدد اصدار كتابي السياسي الثالث (الامريكان والدجاجات الخمس) هو عبارة عن مقالات ساخرة، ذهبت الى غرفة رزاق اطلب منه ان يكتب بحدود خمسة اسطر لتكون تقديم للكتاب، كان مشغولا في كتابة عرض او نقد لديوان شعر،قلت له : يومان كافية واستلم منك ما طلبت، قال لي وهو مستمر بالكتابة استريح، اجلس، لماذا مستعجل! واستمر يكتب ويتكلم معي! ثم نهض قائلا: اعطي المادة للتنضيد وارجع!   لدى الراحل قدرة على التركيز  على اكثر من شيء في نفس الوقت ، لأنه كان يجمع بين الحديث معي والكتابة في موضوع اخر

السرعة والدقة

عاد من القسم الفني ليخرج ورقة بيضاء ! قلت له : هل ستكتب التقديم الان؟ نعم ، اكتبه ونحن نتاقش في موضوع هام جدا؟ وبدأ يكتب وهو يتكلم وكأنه يسألني هل تعرف ان ((الصحافة الحرة مشكلة وتقييدها مشكلة أكبر؟ قلت له : كيف؟ وانا اعرف ان الصحافة بالنسبة لرزاق اشبه بالادمان فهو يتعاطى ولا يكتب وينشر في الصحف  فقط فمنذ عشرات السنين وهو يعيش في عالم الصحافة  ونحن نستفاد من تجربته رد قائلا: يعني كل من يتبادر الى ذهنه رأي حتى لوصدم وأذى مشاعر الغالبية الكبرى من الناس او تناول شخصية عامة بالتجريح والتشهير ينشره تحت حجة حرية الصحافة ا لا ترى ان حرية الصحافة في نشر مثل هذه الاراء والكتابات من دون قيود وبلا ضغوط مشكلة كبرة ! وتقييدها مشكلة كبرى لأنها ستكون في خدمة الحاكم! درس تعلمته في خمس دقائق جعلني استغرب ذلك الفكر الوقاد والمتألق للراحل واثناء تأملاتي بما يقول قدم لي الورقة وفيها ما سوف انشره بالكتاب ، وجاء بها “يطيب لي أن أقرأ السياسة من خلال كتابات حمدي العطار إذ تبتعد هذه الكتابات عن الشعارات والهتافات وكيل المديح والثناء لهذا الشخصية او تلك، كما أنها لا تأخذك بعيدا إلى خارج زمنك وواقعك، ومن اهتماماتك، بما هو راهن ويومي، وإنما تضعك في صميم هذا الزمن وهذا الواقع، وفي صميم العلاقة بين السياسة والحياة اليومية، وذلك لا يعني ان هذه الكتابات لا تصلح لغير يومها، وتصلح لأن تضع هذا اليوم في التاريخ، وفي دائرة المستقبل.

ولكي يعزز(العطار) من عمق حضور كتاباته في الواقع فإنه لا يكتفي بالأحداث السياسية، وما يترشح عن الأخبار من نتائج وإنما يغص في التراث الشعبي متلمسا لهذه الأحداث والأخبار حضورا أخلاقيا ونفسيا وتاريخيا، واجتماعيا، وهذه واحدة من سمات كتابات العطار ولا نريد أن نكشف كل السمات أملين من القارئ أن يبادر إلى التعرف عليها وأن يتمتع باكتشافها فضلا عن متعة القراءة”كم كانت هذه الشهادة وما تحدثنا به درسا لي!

الصدق والحياد

الكتابة عند رزاق هي صورة تجمع الصدق لى جانب الحياد، الاحاطة والتحليل ، هي ليس اضطرابا وفوضى وقلبا للاوضاع، انما هي دقة ونظام، ومقدرة الكاتب على الافادة من العاطفة الجياشة وتحويلها الى فن او نص له ضوابط واصول. ولا يعني الضوابط والاصول هو التحجر والجمود، فالكتابة عنده ايضا مغامرات لافكار،يقول لي الراحل الموهبة ليست كافية توفر البيئة والظروف تساعد على تنمية هذه الموهبة او انهائها.

مخطوطه تنتظر النشر

حينما سافر الى الهند لغرض العلاج ، كتب مجموعة من المشاهدات تدخل في مجال ادب الرحلات ، وكانت لديه رغبة في الاشتراك بمسابقة جواد الساعاتي ، وبما انني كنت قد اشتركت بهذه المسابقة وفزت بالجائزة الاولى عام 2016 ? وبتوجيه من الاستذ توفيق التميمي –  له الذكر الطيب- الذي نتمنى رجوعه لعائلته وللوسط الثقافي، طلب مني مساعدة رزاق في تنظيم وتحضير مخطوطته (وقائع وايام في العاصمة الهندية) وتجهيز باقي شروط المسابقة ، وقد اشترك فعلا بهذه المسابقة وكنت اتوقع فوزه بهذه الدورة الثامنة، ولكن المنافسة كانت قوية وفاز الاستذ ياسين طه حافظ عن مخطوطته (أوراق أوكرانية) في المركز الاول ، والاستاذ (يوسف هداي ميس) بمخطوطته (يا علي) وافرق بين يوسف ورزاق كانت نصف درجة ، وفي التفاته طيبة وانسانية وتحدث لأول مرة في هذه المسابقة تم ترحيل مخطوطة رزاق الى السنة القادمة لأعادة اشتراكه بالمسابقة ! ولم تقام المسابقة لأسباب يعرفها الجميع وبقيت مخطوطة رزاق (وقائع وايام في العاصمة الهندية) تنتظر من يمد لها يد الدعم لطباعتها ونشرها ونحن نطالب اتحاد الادباء ان يلتفت الى هذه المخطوطة من باب لوفاء لتاريخ هذا الكاتب وابداعاته الادبية والثقافية ويطبع الكتاب ضمن منشورات الاتحاد!

الخاتمة

نحن نفتخر – في جريدة الزمان- أذ كان الراحل يعمل معنا كمسؤول على الصفحات الثقافية،وكثير ما كان يطرح افكار وأراء جديدة يبتكرها في مجال نشر المواد الثقافية ،وبتواضع ومن دون خجل احيانا يتبنى افكار غيره من الادباء لكنه يشير اليهم باعجاب فلا ضير لديه ان يطبق فكرة الاخر طالما هي مفيدة وصحيحة،كان منظره وهيئته تبعث الحيوية فينا وتحرضنا ان نقدم الافضل مقارنة بما يقدمه من نتاجات متميزة في مجال الادب والنقد والشعر.

لم نتعود ابدا ان تكون صامتا يا صديقي رزاق ،ولم يستطع المرض ان يجعلك صامتا ابدا، حتى انتقلت الى عالم الخلود بعد ان خلدت نفسك بالاعمال الادبية والثقافية ، رحمة الله عليك

{ الكلمة مهيأة للالقاء في احتفالية تكريم الراحل