هل أخون وطني؟- أحمد عباس الذهبي

هل أخون وطني؟- أحمد عباس الذهبي

صاح الموتى: نريد مدارس وجامعات جديدة. فقال الحاكم لهم: وهل هناك فرق  بين الميت الأمي الجاهل والميت المتعلّم المثقف. صاح الموتى: نريد برلماناً منتخباً بنزاهة، وبغير تزوير في الأصوات. فقال الحاكم لهم: موقف القانون من هذه المسألة ليس فيه قولان: من يمت يفقد حقوقه الانتخابية كلها. صاح الموتى: نريد الحفاظ على استقلال بلادنا. فقال الحاكم لهم: بلادكم هي مقابركم، ولا أحد يحاول الاعتداء على استقلالها، والانتقاص من سيادتها. صاح الموتى: نريد تنظيماً جديداً للسير يحمي أرواح الناس. فقال الحاكم لهم: مطلبكم عادل وسننظر فيه بأسرع وقت. صاح الموتى: نريد الحرية. فرمق الحاكم الموتى بازدراء، وقال لهم متسائلا بهزء: وماذا سيفعل الموتى بالحرية؟ عندما كنتم أحياء، خفتم من أن تطالبوا بها. فلم يتفوّه أي من الموتى بكلمة، وتفرّقت مظاهراتهم، وعادوا إلى قبورهم، قانطين يغمرهم الخجل . أثار دهشتي عنوان كتاب الأديب العربي السوري محمد الماغوط ” سأخون وطني ” ولكني عندما أبحرت معه في صفحاته وجدته يضعني وجهاً لوجه أمام ( كوكتيل ) فريد من الانتهازيين الذين يبيعون كل شئ وأي شئ وبأي شئ … يبيعون الوطن بالجملة والقطاعي … في مزاد ( الضحك على الذقون ) عندها زالت عني الدهشة.. وحل محلها ( سخام ) الواقع القذر ، ووحل الاحداث على مدار العام والاحباط المتراكم الكفيل بقتل الأمل في اللحظة القادمة ..!! نفس الصورة الماغوطيه وبأبعاد اشد عمقا وبشاعة تنشب مخالبها في حلوقنا لحظة بلحظة..وتجعلنا نعيش احتلالا فوق احتلال..!! فالانتهازيون .. قتلة الحلم الذي سقيناه قطرة قطرة بدمنا ودموعنا … يختبئون في كل زاويةٍ وشارع.. في كل مكان يستطيعون فيه قضم وجه الوطن كفئران المزبلة .. الانتهازيون … الذين هربوا واختبأوا بعيداً عن معاناة الدم والقيد والحجر وناموا في أسرتهم نوماً عميقاً كي لا يتذوقوا طعم ضيافة الاحتلال في منتجع ( النقب ) !! الانتهازيون … الذين كانوا الصفوة المتنفذة والمنتفعة في عهد الاحتلال … ولا زالوا كما هم في عهد ما بعده … هؤلاء مستعدون دوماً لبيع أقدس المبادئ وأشرفها مقابل عشرة دولارات فقط وربما أقل … هؤلاء يقتسمون الوطن فيما بينهم بصمت بينما يقف المواطن العادي الذي ضحى وناضل كالأبله … أو كالصعيدي الذي اشترى الهرم !! لقد سرقوا حتى رمل الوطن شاحنة شاحنة أمام اعيننا واخفوه ليبيعوه كلما سنحت لهم الفرصة..!!

لقمة عيش

واحتكروا زيادة في الوطنيه “الحصمة” و”السجائر”.. وعلقونا من لقمة عيشنا المواطن المطحون يدفع فاتورة ما أنزل الله بها من سلطان وما أن يتنفس حتى تصيبه فاتورة الكهرباء بجلطة..!! وفاتورة المياه بمرض عضال..!! لقد أصبحت الأمور واضحة .. وواضحة جداً وأصبح من السهل على من يجيد لعبة ” من أين تؤكل الكتف” أن يرفع الراية المناسبة في الوقت المناسب ومن ثم يحصد لنفسه ولمعارفه حرث الغلابه وزرعهم الذي رووه بالدم والعرق ولحظات الألم ،ومن لا يصدق هذه الحقيقة فليسأل جموع العاطلين والمزارعين والصيادين..!! لم أعد أستغرب .. عندما أسمع أن فلانا ذو الرائحة التي تشبه رائحة البيض الفاسد قد نال الوظيفة أو المنصب الرفيع … وأن عِلاَّنا الذي تسبقه فضائحهُ قد رصعت أكتافه النجوم . لقد أصبحنا نعيش ( كوميديا ) وطنية مبكية تزيدنا قهراً على قهر … وقمة هذه الكوميديا أن الحكومات تتوالى والاسماء تتغير ولكن الفساد هو الفساد ورغم ذلك يكاد يفلقني متزلف يمسخ تاريخنا بانحناءة … أو رقصة … أو قصيدة مدح ويجني بجشعه منصبا أو منحة دون وجه حق … ويموء طلبا للمزيد كقطةٍ سمينة !! بالأمس أوجعني موقف بسيط … علمني أن من يحمل المبادئ فقط ويخلص لها ويرقد تحت عرشها القديم منتظراً ( ليلة القدر ) سيصبح بأوهامه نسياً منسياً وسيقدم بغبائه خدمة مجانية لسارقي دمه ومعاناته . لابد للمبادئ العظيمة من إدارة قوية مناضلة شرسة تحمي الإيمان بها وإلا فإن الإيمان وحده قد يودي إلى الإحباط .. والقرف .. والانهيار النفسي ..

صديق قدّم للوطن ما عليه وأكثر … فقد أخاً شهيداً …  ..   .. ويحمل رغم ذلك شهادة علمية محترمة ..

تقدم لوظيفة ما … وكان منافسه لسوء الحظ ابن ( فلان الفلاني ) الذي يحتفظ بشبكة علاقات مؤثرة دشنها بمناسف مالذ وطاب .. فاجأت صديقي النتيجة .. ولم تفاجئني .. بكى من القهر وسألني بحسرة :ماذا أفعل ؟!

شعرت بنظراته تصفع صمت الجميع وتذكرني بالمقولات المدرسية الغبية ( الوطن بخير … وسينصفك يوماً … المهم الصبر ) .

صديق آخر … لم يجد من يقدم له عوناً أو فرصة عمل ليعول أسرته الكبيرة … تهرّب منه كل أولئك الذين يجيدون تسكين الجراح بمعسول الكلام .

آخر تقاليع الفساد المغطى بشوكولاته وطنية زائفة .

مناقصة رسمية لا يفوز بها أقل العروض سعراً وإنما يفوز بها أكثر العروض قرباً لجيب المسئول..!!

لا أريد حقا الاساءة إلى أحد … ولا أود أن أكون ( مدمن ) تشاؤم … وفي نفس الوقت لا أقبل أن أزيف ولو بقليل من التجمل صور الواقع المؤلمة التي تلح علينا كذباب الصيف وهذه الصور نفسها نقدمها إلى كل مسئولٍ شريف .. ليقوم بواجبه الوطني نحوها …

نقطة أخرى …

تضحكني بدموعٍ ساخنة تلك الاعلانات التي تبشرنا وبتكرار ممل بفوز الكتلة الفلانية بجميع الأصوات في جامعة كذا .. وفي نادي كذا .. وفي مؤسسة كذا … أو أن الكتلة العّلانية حققت نصراً ساحقاً في  كذا …..

هذا في الحقيقة ليست ديمقراطية .. وليس انتخاباً وانما ارتهان أو شراء لذمة المواطن.. إنه اقتسام متفق عليه وغير مكتوب للمؤسسات الوطنية وتحديد لمناطق النفوذ بشكل مبتذل لـ (  … فالجامعة الفلانية تغلق على نفسها ولا تخدم إلا أنصار لونها الذي يتولى الصرف عليها .. والنادي العِلاّنى يرفض التعاون مع الفعاليات الاجتماعية والوطنية إذا كانت تخالف المزاج السياسي للمهيمنين عليه … تصوروا..ندوة لتعميق الحوار الوطني والديمقراطية رفض هواة الرسم بالألوان ؟! استضافتها … ونسوا أن  لكل عراقي الحق في الاستفادة من مؤسسات وطنه دون شرط أو قيد طالما كان ملتزماً بالهم العام .

… يا وطني … رغم ما فيك أحبك …

وكلما اقتسموك فيما بينهم … أحبك أكثر …

… ربما يهتف هاتف ما بداخلي أمام الواقع الكئيب .. ” هل أخون الوطن؟ ” ..

لكن إيماني بالضحايا والسنابل القادمة … يصرخ في أعماقي … لا …