نهاية الحروب التقليدية في الشرق الأوسط – محمد عباس محسن

إستخدام الطائرات المسيرة

نهاية الحروب التقليدية في الشرق الأوسط – محمد عباس محسن

تعمل الطائرات الصغيرة والمنخفضة التكلفة نسبياً وغير المأهولة التي يصعب اكتشافها على تحويل النزاعات المسلحة في تاريخ الحرب الحديثة وخصوصاً منطقة الشرق الأوسط على احداث تغيير جذري  ،فقد كان “امتلاك السماء والسيطرة على الجو بمثابة الفوز في الحرب” ويعد كمبدأ ثابت في العلوم العسكرية.

لذا كرست الدول التي لديها فضلى التقنيات وكبرى الميزانيات عشرات المليارات لبناء قوات جوية حديثة ،حيث غيرت تلك الطائرات الصغيرة لا سيما في ساحات القتال في الشرق الأوسط من قواعد اللعبة فخلال الأشهر الماضية وحدها تأثيرًا كبيرًا في العراق وسوريا ولبنان والمملكة العربية السعودية وليبيا واليمن ، حيث تم التأثير على نصف إنتاج البلاد من النفط – وما يصل إلى 7 في المئة من المعروض العالمي في العالم – عن طريق الهجمات الخاطفة.

ولعل تداعيات العملية الأمريكية بواسطة طائرة مسيرة بتاريخ 3 كانون الثاني 2020 في بغداد والتي أسفرت عن اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ومعاون رئيس هيئة الحشد الشعبي والتي ستشكل دلالاتها تأثيرات كبيرة على الأمن القومي العراقي خاصةً والشرق الأوسط بشكل عام .

وهذه ليست المرة الأولى بلجوء واشنطن لهذه التقنية القاتلة ، حيث استهدفت امريكا أول هدف مشتبه به بضربة قاتلة من طائرة بدون طيار في عام 2002 وفي 5 نوفمبر 2002  أطلقت طائرة بريداتور الأمريكية بدون طيار صاروخ هيلفاير على سيارة كانت تمر عبر محافظة مأرب في اليمن ، ودمرتها وقتل على اثرها ستة أشخاص بداخلها.

بعد ذلك بعامين ، استهدفت طائرة أمريكية بدون طيار نيك محمد وزير ، زعيم التمرد في شمال غرب باكستان، حيث اتهم المسؤولون نيك وزير بإيواء شخصيات من القاعدة وطالبان.

أصبحت الطائرات بدون طيار الآن جزءًا لا يتجزأ من قائمة تسلح الجيوش الأكثر تطوراً في المنطقة ، ولطالما كانت الجهات الفاعلة من غير الدول تتسارع لتأمين هذه التقنية – مقتنعة بالمميزات التي توفرها هذه التقنية الحديثة كسلاح للحرب، والمثال الواضح لجوء الجيش الإسرائيلي الى هذه التقــــــــينة وتحوله  إلى اشبه بأســــــــطول طائرات بدون طيار لضرب أهداف في سوريا ولبنان بل وحتى العراق مؤخراً.

أصبحت الطائرات بدون طيار أداة سياسة رئيسية في السياسة الأمريكية المزعومة لمكافحة الإرهاب والنزاعات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط، ففي خمس دول على الأقل – اليمن والصومال والعراق وباكستان وأفغانستان والسعودية –  تستخدم الطائرات المسيرة لإغراض عدائية لشن ضربات عسكرية ضد أهداف محددة ،حيث أصبحت الطائرات بدون طيار موضوعاً رئيسياً للنقاش داخل مجالات شؤون السياسة الدولية.

تفتقر النقاشات المطروحة إلى السياق الاستراتيجي والإطار والسياسي الإقليمي ذي الصبغة القانونية ، لأن إدراك جوهر هذه النقاشات يعزز من فهم حقيقة الآثار الطويلة الأجل لهذه الأداة الجديدة والتي من شأنها ان تغير من قــــــواعد الاشتباك المسلحة واللعبة الســـــياسية في الشرق الاوسط .

أولاً: حافة التوتر الجيوسياسي

إن الطائرات بدون طيار تعمل على إحداث ثورة حديثة في قواعد الحرب ، وتظهر الصادمات الأخيرة في جميع أنحاء الشرق الأوسط كيف يمكن أن تكون بديلاً إستراتيجياً للعبة سياسية ، فقد كانت إسرائيل ، كقوى قوة عسكرية في المنطقة ، رائدة في تكنولوجيا الطائرات بدون طيار منذ عقود، كشركات مثل Elbit Systems وIsrael Aerospace Industries و Rafael  وUVision و Aeronautics رائدة في تكنولوجيا جديدة في حرب الطائرات بدون طيار وفي الدفاع ضد الطائرات بدون طيار.

غير أن انتشار الطائرات بدون طيار مع أنخفاظ تكاليف تصنيعها أمر أدى إلى زيادة عوامل عدم الاستقرار في حساب التفاضل والتكامل الإقليمي المتوترة ، ومما يؤدي إلى تحييد مزايا الجيوش التقليدية والترسانات العسكرية مع تقليل الوقت الذي يتعين على الدول اخذه بعين الاعتبار في تقييم أي هجوم عسكري محتمل وتجنبه.

تكنولوجيا الطائرات بدون طيار مجال طبيعي لإسرائيل كجزء من ترسانتها الواسعة، حيث يمكن تعقب ومهاجمة هدف بعيد عن حدودها دون الحاجة إلى إرسال طيارين إلى مجال العدو الجوي ، فالطائرات بدون طيار تضاعف أيضا من قوة بلد صغير يتسم بحدود متــــــــعددة، حيث تستطيع إسرائيل مراقبة تهديدات حركة حـــــــــماس أو حزب الله في لبنان ، حيث يمــــــــكن للطائرات الإسرائيلية بدون طيار مثل Heron TP  أن تطير أكثر من 600 ميل لمدة 30 ساعة.

توفر الطائرات بدون طيار أيضًا مقياسًا كبيرا للإنكار،فعلى الرغم من اتهامها باستخدام طائرات بدون طيار في العراق ولبنان في شهر اب 2019 إلا أن إسرائيل لم تعلق على أي حادث.

من جانب آخر تقوم إيران وحلفاؤها كحزب الله، بتوسيع قدراتها العسكرية للطائرات بدون طيار،وباستخدام التكنولوجيا الإيرانية ، حيث أستخدم حزب الله طائرات بدون طيار منذ عام 2004  ونقلها مرارا وتكرارا إلى المجال الجوي الإسرائيلي أو بالقرب منه.

ثانياً: هجمات تثير المخاوف من تصاعد النزاع

تعد الضربات التي تعرضت لها المملكة العربية السعــــــــــودية بمثابة تحذير استراتيجي واضــــــــــح بأن عصر تفوق الطائرات السريعة قد انتهى، حيث تدرك الولايات المتحدة إن نفوذها في المنطـــــــــقة يتوقف جزئياً على ملكيتها للسماء والتهـــــــديد المميت الذي تشكله القوات الجوية.

من جانب أخر تسلم الجيش التركي في حزيران 2018 ثمانية طائرات بدون طيار من طراز “TB2 محلية الصنع، من شركة “بايراكتار” وأثبتت الطائرات بدون طيار المسلحة كفاءة كبيرة في العمليات التي ينفذها الجيش التركي خاصة في عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون في سوريا.

ثالثاً:  إستنتاج

تثير هجمات الطائرات بدون طيار ومدى مشروعيتها وقانونيتها تساؤلات عدة ، خاصة وأنه من المحتمل أن تكون هذه الممارسة مخالفة للقانون الدولي، لأن استخدام الولايات المتحدة الأمريكية تحديداً  لطائرات مقاتلة بدون طيار قد لا يتناسب مع العرف الدولي، وهو أمر مثير للجدل من الناحية القانونية ،حيث تعتبر الهجمات الأمريكية لطائرات مقاتلة بدون طيار خاصة في باكستان وافغانستان أمرا مثيرا للجدل، خاصة وأن الموقف الرسمي للحكومة الباكستانية يعارض هذه الممارسة مثلاً ونفس الامر بالنسبة للطائرات الاسرائيلية في سوريا ولبنان المقرونة برفض رسمي من دمشق وبيروت .

كما أعتبر رئيس الوزراء العراقي المستقيل عادل عبد المهدي أن الغارة الأميركية التي أستهدفت قائد فيلق القدس ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي تشكل “تصعيدا خطيرا يشعل فتيل حرب مدمرة” في العراق، منددا بما وصفه “خرقا فاضحا لشروط وجود القوات الأميركية” في البلاد.

كما تواجهنا مشكلة تتمثل في أن الضربات العسكرية توجه ضد دولة ليست في حالة حرب، وبهذا تكون هذه الهجمات غير شرعية بموجب القانون الدولي، من جهة أخرى فإن قتل المدنيين الذين يشتبه أنهم أهداف محتملة لا يتناسب كليا مع القانون الدولي وقواعد الحرب وفق اتفاقيات جنيف لعام 1949.

يعد هذا النوع من الحروب يثير مخاوف أخلاقية، لأن الجانب السياسي يتعامل مع هذا النوع من الحروب بمجازفة، باعتباره أداة ناجعة لأنها عبارة عن حرب بالتحكم عن بعد، لا تخلف قتلى في الجنود ومن الناحية المالية هي غير مكلفة نسبيا ولا تثير معارضة داخلية كبيرة لأن الشعب لا يلمسها بشكل واضح.