نظرة على القضاء الدستوري – اياس الساموك

نظرة على القضاء الدستوري – اياس الساموك

عرفت العديد من البلدان وجود جهة قضائية مختصة بالنظر في الموضوعات الدستورية وأن اختلفت تسمياتها فالبعض منها يطلق عليها (المحكمة الدستورية)، واخرين يسمونها (المحكمةالاتحادية العليا)، ودول ثالثة تطلق عليها أسم (المجالس الدستورية)، وجميعها تصدر قرارات ملزمة لسلطات الدولة كافة، وتسهم هذه المحاكم وأن اختلفت تسمياتها من حيث المبدأ فيالحفاظ على تطبيق احكام الدستور. في الولايات المتحدة الاميركية تمارس المحكمة (الاتحادية العليا) الاميركية التي تاسست عام (1789) النظر في دستورية القوانين، وتتكون من رئيس وثمانية أعضاء يعينهم رئيس الدولةبالتنسيق مع مجلس الشيوخ ويمارسون مهامهم مدى الحياة ولا يتركون مناصبهم الا بالوفاة او الادانة او بطلب التقاعد. وقد اصدرت المحكمة الاميركية قرارات عديدة مهمة، نذكر منها تاكيدها بان الرئيس الاميركي الاسبق “بوش الابن” كان قد تخطى صلاحياته من خلال قراره بإنشاء المحاكم العسكريةالاستثنائية في عام 2006 لمحاكمة الموقوفين عن تهم تتعلق بالارهاب في سجن غواتنامو. والمحكمة الاتحادية الروسية المشكلة بموجب الدستور الروسي من (19) قاضياً قد اختصت بأصدار قرارات مهمة بناء على طلب موجه لها من جهات محددة كرئيس الاتحاد الروسي اومجلس الاتحاد او مجلس الدوما او حكومة الاتحاد الروسي او الهيئات ذات السلطة التشريعية أو التنفيذية بشان القوانين ودساتير الجمهوريات التابعة للاتحاد الروسي والمعاهدات الخارجيةوالداخلية وحل النزاعات بين الهيئات الحكومية سواء للاتحاد الروسي او الجمهوريات التابعة له واختصاصات اخرى حددتها المادة (125) من الدستور الروسي. وفي المانيا فقد تناول الدستور الالماني في المادة (93) منه اختصاصات المحكمة الدستورية الالمانية واهمها تفسير القانون الاساسي (الدستور) والبت في التعارض بين احكامه واي قانوناتحادي او صادر عن الولايات وذلك على  الصعيدين الموضوعي و الشكلي، وكذلك حسم النزاعات بين الاتحاد والولايات او الولايات في ما بينها. وتحت الباب السادس من الدستور الايطالي المسمى بـ”الضمانات الدستورية”، خصص القسم الاول منه للمحكمة الدستورية الايطالية حيث نصت المادة (134) منه على اختصاصاتهاوهي: – النظر في  دستورية القوانين والاوامر التي تتمتع بقوة القانون التي تصدرها الدولة والاقاليم، – وكذلك حسم النزاعات المتعلقة بالسلطات المخصصة للدولة والاقاليم وبين الاقاليموبعضها البعض، – والاتهامات الموجهة ضد رئيس الجمهورية. وفي اليابان تمارس المحكمة العليا اختصاص القضاء الدستوري، فقد نصّت المادة (81) من الدستور الياباني على ان هذه المحكمة “ذات السبيل الاخير للبت في دستورية اي قانون، او امر،او تنظيم، او عمل رسمي”. وتعدّ المحكمة الدستورية في جنوب افريقيا اعلى السلم القضائي في الجمهورية وهذا ما اكدته المادة (167) من دستورها ولها صلاحيات الرقابة الدستورية على القوانين والبت في موضوعاخلال البرلمان او رئيس الجمهورية باحكام الدستور، والرقابة على دستورية تعديلات الدستور، والحكم بشان مشروعية اي قانون برلماني او اقليمي، وحسم التنازع بين السلطات سواءالوطنية او الاقليمية في ما يتعلق بالمهام الدستورية لاي منها. وأوكلت المادة (112) من الدستور البرازيلي المحكمة الاتحادية العليا هناك المسؤولية الاساسية في حماية الدستور البرازيلي من خلال تمتعها بصلاحيات واسعة نذكر منها ما ورد فيالفقرة (اولاً/ أ) من هذه المادة ونصها “اعلان عدم دستورية القوانين العادية في الاتحاد والولايات، واعلان دستورية القوانين الاتحادية والقوانين العادية” والفقرة (اولاً/ ب) من المادة ذاتهاالتي نصت على اختصاص اخر وهو “توجيه الاتهامات بالجرائم الجنائية ضد رئيس الجمهورية، ونائب الرئيس، واعضاء الكونغرس الوطني، واعضاء المحكمة نفسها، النائب العام للجمهورية”. وعلى صعيد الوطن العربي فقد منحت المادة (191) من الدستور المصري للعام 2014 المحكمة الدستورية استقلالاً مالياً وادارياً، في حين ان المادة (192) منه قد اكدت ان هذه المحكمةتتولى دون غيرها الرقابة على دستورية القوانين واللوائح فيما اعطت المادة (195) من الدستور قراراتها سلطة الالزام والقطعية على جميع السلطات المصرية. وبرغم سكوت الدستور الكويتي عن وجود جهة قضائية مختصة بالقضايا الدستورية، الا ان القانون رقم (14) لسنة 1973 المعدل تضمن تشكيل المحكمة الدستورية الكويتية التي تمارس الاختصاصات الدستورية حيث نصت المادة الاولى من هذا القانون “تنشأ محكمة دستورية تختص دون غيرها بتفسير النصوص الدستورية وبالفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين والمراسيم بقوانين واللوائح وفي الطعون الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس الأمة أو بصحة عضويتهم، ويكون حكم المحكمة الدستورية ملزماً للكافة ولسائر المحاكم”. وفي المملكة الاردنية الهاشمية فقد نص قانون المحكمة الدستورية لسنة 2012 في (المادة الرابعة) منه على اختصاصين وهما: الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة، وتفسيرنصوص الدستور، ونص على تشكيل هذه المحكمة وعلى عضوية قضاتها ومدتهم مدى الحياة.

وعرفت سوريا المحكمة الدستورية ايضا فقد حددت اختصاصتها المادة (146) من الدستور السوري وابرزها الرقابة على دستورية القوانين والمراسيم التشريعية واللوائح والأنظمة،ومحاكمة رئيس الجمهورية في حالة الخيانة العظمى، واضاف المرسوم التشريعي رقم (35) لسنة 2012 اختصاصات اخرى منها البت في طعن من لم يفز بعضوية مجلس الشعب. وفي العراق، الذي بقى بعيداً عن وجود جهة قضائية تعنى بالقضايا الدستورية، حتى تشكيل المحكمة الاتحادية العليا بموجب القانون رقم (30) لسنة 2005 الذي حدد اختصاصات هذهالمحكمة وتشكيلها وكرسته المادة (93) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 فهي تخـــــــتص بـ: الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة، وتفسير نصوص الدستور ولها صلاحيةالفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية والقرارات والأنظمة والتعليمات والإجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية.

كما تتولى المحكمة الاتحادية العليا بموجب الدستور الفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية، وحكومات الأقاليم والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية، والفصل فيالمنازعات التي تحصل فيما بين حكومات الأقاليم أو المحافظات، والفصل في الاتهامات الموجهة إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء وفقاً لقانون، الان أن هذاالاختصاص لم يفعّل لعدم صدور قانون بذلك وهذا ما اكدته المحكمة في قرارات صدرت عنها منها الحكم الصادر بالرقم (65/ اتحادية/ 2017).

 كما خولها الدستور المصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب، والفصل في تنازع الاختصاص بين القضاء الاتحادي والهيئات القضائية للأقاليم والمحافظاتغير المنتظمة في إقليم،  وان الفقرة (ثانياً) من المادة (52) من الدستور تضمنت اختصاصاً آخر هو النظر في الطعن بقرار مجلس النواب في صحة عضوية أعضائه أمامها خلال (30) يوماً من تاريخ صدوره. مما تقدم نجد أن المحكمة الاتحادية في العراق قد واكبت اختصاصات القضاء الدستوري للدول المتقدمة، بل أنها اشتركت معه في الموضوعات الرئيسة لاسيما المتعلقة بالفصل في دستورية القوانين وتفسير النصوص الدستورية وكذلك الفصل في الاتهامات الموجهة لكبار المسؤولين في الدولة العراقية، وبهذا فقد اخذت مكانها في اتحاد المحاكم والمجالس الدستورية في الوطن العربي واسهمت في تطوير وتعزيز القضاء الدستوري العربي.

{ كاتب في الشؤون القانونية