
على حين غرَّةٍ وجدتُ روحي تتلظَّى بين جمرتين؛ جمرة البلاد وجمرة المنفى، هيمنَ هذا الغمُّ على قلبي قبل ساعات من هذه الأمسية، عندما رنَّ هاتفي وإذا بموظف الهجرة يخبرني بحماسٍ عن موعد سفري مع العائلة إلى أستراليا؛ اهتزَّ كياني كأني أسقطُ من جبلٍ شاهقٍ إلى وادٍ سحيق؛ فهناك سيكون مماتي الأخير أو انبعاثي الجديد. ربما فوجئ الأصدقاء بهذا النبأ مثلي؛ حسناً يا ابن النواب ها أنت تشدُّ الرحال إلى قارة بعيدة، ترُى هل يمكن أنْ ترى فيها ملامح حتى ولو على هيئة سرابٍ لشكل البلاد؟ ترى هل يمكن أنْ تصادف امرأة سومرية مازال الوشم الأخضر يتوهَّجُ على جبينها في متاهات المهجر؛ أجل ها أنا ادخل امتحان الغربة العسير بعد أيام؛ فعمَّان لم تكنْ مدينة غريبة وليس فيها رائحة للغربة ويكذب من يقول إني غريب في الأردن، ذلك أنَّ النسوة العراقيات أمهاتنا يفترشنَّ أرصفتها أينما استدرت بوجهك، وهذه واحدة من ثمار الأسى لحروبنا التي لا تنتهي في البلاد. في عمَّان هذه السيدة البدوية التي تتلفَّع بعباءة الثلج شتاء وبشالها الأخضر صيفاً، كانت محطة انتعاش لروحي بعد الويلات التي رأيتها في البلاد، وبرغم ضنك العيش والعقبات والعثرات التي صادفتني في عمَّان، لكني لنْ انسى حنو الأصدقاء وقلقهم مثلي وترقبهم لوصول العائلة، عائلتي التي هربت من كربلاء إلى البصرة خشيةً من البطش الذي نال القسط الأكبر منه أخي «علي» الذي مازال معتقلاً في أقبية المخابرات لعدم عودتي إلى البلاد، لنْ أنسى يد صديقي علي السوداني وهي تمتد خلسةً؛ ليترك خمسة دنانير في جيبي حتى أقاوم شظف العيش، لنْ أنسى ابتسامة نادل مقهى السنترال رضا المصري وهو يرفق بإفلاسي عندما يضع قدح الشاي أمامي بلا مقابل، لنْ أنسى طيبة صديقي ستار موزان وهو يتحمل سيل كوابيسي وهمومي و هلوستي وغضبي وأنا أترقَّب وصول عائلتي مثل معتوه، لنْ أنسى بيت الشعر الذي احتضن عبثي وتمردي وحتى صعلكتي، لنْ أنسى الشاعر حبيب الزيودي مدير بيت الشعر الذي ترك حريتي على الغارب وتحمَّلَ نزق تصرفاتي وهو يلهج:
- أين أوّلي وجهي من صعاليك بغداد لو قيدت جنونك.
لنْ أنسى صديقي القاص اللامع عبد الستار ناصر الذي كان أوّل المعزين لروحي المنكوبة برحيل أمي، إذْ ارتحلت عن الدنيا وهي تمسك بصورتي بين يديها؛ لنْ أنسى جريدة الزمان التي لولا حنوها على قلقلي والتي ظلت تعينني بما تيسَّر لها طيلة إقامتي في عمَّان. ولكن ها قدْ انتهى زمن العناء والقلق الآن يا بن النواب، ها أنت ستصعد بعد يومين إلى الطائرة التي ستحط بك مع ثلاث نخلات فراتية في أرض غريبة؛ ولكن قسماً بنصب الحرية المكبل بعيون المخبرين، وبحديقة الأمة وجدارية فائق حسن التي يستظل بها أحد المشردين الآن من حربين همجيتين، قسماً بحديقة نادي الأدباء ومقهى حسن عجمي وروح نادلها الخرافي أبو داود، قسماً بشارع الرشيد وحديقة ساحة الأندلس التي احتضنتني آخر الليل عشرات المرات بعد طردي من اتحاد الأدباء لأني صرخت بوجه الزيف (إكلاوات)؛ قسماً بشارع المتنبي وسنوات السجن لشوقي كريم وحميد المختار والدم الذي ذهب سدى للقاص حاكم محمد حسين، والأسئلة الغامضة والمريبة التي مازالت ترافق إعدام المفكر عزيز السيد جاسم، قسماً بشارع العباس والمواكب الحسينية والتكية القادرية، قسماً بحمام الحضرة، قسماً بقبر أمي الذي مازال نديَّاً بدمع أُخيَّاتي، قسماً بالملائكة التي مازالت تحوم فوق قبر أبي، قسماً بنهر الحسينية ونخيل البصرة وتمثال السياب وجزيرة السندباد المهجورة وشارع الدواسة وملوية سامراء وقصب الأهوار وسمك العمارة وقيمر الحلة وكبة السراي، قسماً بسوق الصفارين والعياريين والدباغين والبزازين، قسماً بالليالي كلها والشجرة الشرقية وقصائد عارية والريل وحمد والغابة الحمراء والمملكة السوداء، قسماً، قسماً لنْ أنساك يا وطني. ولكن ماذا أقول الآن:
-كُنَّا نتجمُّع كالثريَّا وفرقَّنا الطغاة كبنات نعش. سأعود ذات يوم عندما تشتاق إليَّ يا وطني واشتاق لحليب أمي. سأعود عندما أسمع خطوات الديكتاتور وهو يرحل عن البلاد واللعنات تلاحقه. قسماً لنْ أنساك يا وطني.
* الشهادة التي ألقيتها في بيت الشعر الأردني قبل سفري إلى أستراليا في عام 2003.
حسن النواب























