من قصص الحرب العراقية الإيرانية  

من قصص الحرب العراقية الإيرانية

 آني ماريا

 محمود آل جمعة المياحي

  مودي .. كما يحب أصدقاء محمود ان ينادونه به .. والده  يعمل حارسا في المدرسة الابتدائية ، يعيش هو واخوته السبعة في خرم بيت كما يسميه طلال موظف البلدية  هو اقرب الى (كَــــون الدجاج) ، أحيانا ينام هو واخوه على سرير واحد وكثيرا ما ينام على الأرض، ومرة اضطر للنوم  في المطبخ  لوجود ابن عمه القادم من الحلة لاجراء معاملة في بغداد ، الفقراء لايعرفون تحديدا للنسل ولم تصل اليهم ثــقافة الواقي الذكري..،  يحلم مودي باكمال دراسته العليا في الفلسفة  ليصبح أستاذا في كلية الاداب  وأول طموح له ان يشتري بيت  ترتاح به عائلته ، صباح كل يوم اعتاد مودي ان ينتظر مرور جارته  آني ماريا بسيارة والدها وهي تجلس بجانبه ترمقه بنظرة تشحن قلبه بالاحاسيس تجعله نشيطا الى صباح اليوم التالي ، الصباح عند مودي اصبح له طقوس معينة لايبدأ الاعندما ترسل اليه آني ماريا إشارة من عينيها العسليتين تلهب مشاعره كعود ثقاب لم يشتعل بعد ، ويسأل نفسه.. ماذا لو لم تاخرت او لم تاتِ.. فكيف سيكون شكل الصباح لذلك اليوم ..؟  ولكن عندما رآها تتمشى لوحدها بدون  سيارة .. بدون والدها.. استغرب وذهبت ظنونه الى مرض والدها او عطل سيارته او موقف ما قد حصل .. مرت قبالته القت التحية بحركة من يدها وإشارة من عينيها واستمرت بالمسير الى الشارع العام ..التهبت فرائصه ، أراد ان يعمل شيئا ، لكنه اخفق ، الفرصة سريعة الفوت بطيئة العودة ، سار امامها ، استقلا الباص الأحمر ذو الطابقين رقمه 13 كرادة خارج / باب الشرقي  شعر بوجودها خلفه  دفع لها الأجرة ناولها البطاقة بحركة  نصفية الى الخلف ، صعد الى الطابق الفوقاني وجلس في مقدمة الباص وهي خلفه .. وصل الباص الى ساحة النصر هّم بالنزول وهو يقول.. انا ذاهب الى باب المعظم.. ابتسمت ..انا سادفع الأجرة ..!!

لم يعرف سبب غياب والدها  لغاية اللحظة.. في الباص الثاني ظهرت الحقيقة ، لاحاجة لترتيبات جديدة فوالدها موفد خارج العراق هذا ماقالته له وهو يقرأ اسمها على الليفكس آني ماريا ديكران الكساندريان كلية طب الاسنان .. هو طالب مرحلة أخيرة في كلية الاداب قسم الفلسفة ..!!

الصباح هذه المرة له طعم لذيذ ، ركبا الباص الثاني سوية ثم توقف على صوت صافرات الإنذار المخيفة هدأت الحركة في عموم الشارع الصمت يلجم الافواه ، ليس للحرب فم سوى المدافع هي التي تتكلم ، الحرب أحيانا مفيدة فهي تطيل وقت اللقاء ، اول مرة اشعر بالراحة مع صوت صافرة الإنذار المرعب ،استانف الباص مسيره بحذر، انصرف كل واحد منهم الى كليته .

خارج الزمن

اصبح الوقت خارج الزمن، الانتظار لذيذ لانه يشعره بالسعادة .. السعادة شيء  ثمين لاياتي من أي شخص ، قارب الأسبوع على الانتهاء حظرت امامه في اليوم الأخير من الاسبوع  والقت عليه التحية باللغة الأرمنية (پاري  لويز ) .. تفاجئ وظن انها تنطق اسم لاحد اساطين الفلسفة (كارل لويس) ابتسمت ..  مودي سلمت عليك صباح الخير بالارمني .. ضحك وطلب منها المزيد من الكلمات الأرمنية كعربون للصداقة ، دوّت صافرة الإنذار بالقرب من الباب المعظم طائرة إيرانية معادية اطلقت نيرانها.. دويّ انفجارات متداخلة مع صوت المقاومات الأرضية المنتشرة على اسطح العمارات، سيطر الخوف على آني ماريا احس بهذا الخوف ضمها الى صدره ليوفر لها الأمان والاطمانان ،الخوف هذه المرة ينشيط القلب، شعر بوجودها اكثر وهي تنام على صدره ،الحَرب أحيانا تــُشجّع على الحُب ، مفارقة كبيرة ، تمّنيت لو تهاجمنا الطائرات كل يوم .. كل ساعة .. كل لحظة .. وهناك امنية أكبر لوتحققت لكنت اسعد انسان.. هو ايفاد والدها سبعة أعوام بدل من سبعة أيام .. تمنى لو يختفي والدها كي يظهر هو، او يُنــقل الى مكان بعيد ليبقى قريب منها ، هناك ازمة ستظهر لاحقا ، الخلاص من النهايات المتعبة.. امرا اكثر تعبا ، كيف سيلتقي بها ..؟ قفزت في راسه فكرة.. هل بالامكان ان اعالج اسناني في الكلية ؟ بالإمكان ذلك..انفرجت اساريره لانه ضمن بطاقة اللقاء ، منذ اليوم قرر مودي ان لا يغسل اسنانه قبل النوم او الاكل كي تتعب اسنانه وتتسوس عسى ان تؤلمه.. المقايضة أحيانا غير متكافئة الألم مقابل اللقاء ، حاول ان يوصل لها خبر تخرجه فليس هناك وسيلة سوى الهاتف طبعا لايوجد هاتف نقال او وسائل للتواصل مثلما هي الان ، يوجد جهاز هاتف واحد في غرفة مدير المدرسة وفي محل طه البقال  ذهب الى المحل وقف امام الهاتف مد يده على السماعة رفعها ثم اعادها بهدوء وداخله ملتهب لانه لا يعرف رقم هاتف آني ماريا ..هل يذهب الى كلية طب الاسنان واسنانه لاتألمه.. بل قلبه..! ماذا سيقول عندما يراها ؟ لايملك أي سبب لوجوده في كلية طب الاسنان سوى انه ذاهب لخدمة الوطن ورفع العلم .. خدمة من لا يخدمون الوطن والعلم ..!!

باءت كل محاولاته بالفشل فلا ألم في اسنانه.. ولاتلفون يوصله بها ..ومع كل لحظة تمر به تمر هي من امامه تـنــتزع شيئا منه ، بحث عن سر القوة المغناطيسية التي تجذبه اليها، المقاومة امام الجاذبية قانون فاشل ، يحاول ان يجد تفسيرا لحالته التي يمر بها ، لم تنفعه كتب الفلسفة التي قرأها ،كانت تسافر معه الى الجبهة وفي الخندق يخالها توقظه من أحلامه ..تدعمه تدفعه تشد عزيمته ..الوطن هو آني ماريا فالدفاع عنه يعني البقاء على قيد الامل ، وفي اجازته كان يتواجد طول الوقت في محل طه البقال لعله يحظى برأيتها في وقت التسوق ولكنه تـيـقن بعد ذلك ان للاغنياء أسواقا لايعرفها الفقراء.. كانت دائرة تفكيره تضيق كلما اقترب موعد الالتحاق بالموت الالتحاق بالنار بالدمار الالتحاق بالجبهة .. رائحة البارود تملئ الأمكنة المتناثرة ، ولكن رائحة آني ماريا كانت تملئ فكره ، تمده بالحياة بالامل بالصبر بالمطاولة بالبقاء،  تأمل الذكريات.. ذكريات الأيام الستة التي قضتها معه آني ماريا  .. احد هذه الذكريات تركت اثرا على خده عندما كان يجلس بجانبها في الباص وشعرها المتهدل على كتفه اثار غيرة احد المراهقين فتحرش بها وانتهى الدفاع عنها بترك جرح على خده الايسر، فهو يتلمسه ويعتز به كنوط شجاعة للحُب وليس للحَرب..! ، أراد ان يجد تسوية بين الدفاع عن الوطن والدفاع عن آني ماريا .. فنظرية التكافؤ تقول الدفاع عن الوطن يساوي الدفاع عن آني ماريا .. اذن آني ماريا هي الوطن الذي يدافع عنه ، مرات عديده الموت يحاول ان يسرق روحه ولكنه يعتد بنفسه، كيف اموت وانا لم أرى آني ماريا؟ ، انه تحد من نوع آخر تحدي الفقراء بما يملكون من قناعات في الحياة ، في الحرب يكون (الهروب) جائزا شرعا فقط في الاحلام .. كان يرى وجه آني ماريا في القمر حاول ان يعانقه ، استفاق على صوت انفجار قريب منه كاد يخطف روحه لولا لطف الله ودعاء آني ماريا، هو يفكر كيف لهذا الحُب ان يستمر ..!هي تفكر كيف لهذه الحَرب ان تنتهي ..!

ضوء القمر

 وعلى ضوء القمر حاول ان يجد المشتركات بينهما ولكن المتضادات اكثر.. فهي مسيحية ارمنية ومن عائلة ارستقراطية ستصبح دكتورة عند تخرجها ، ولكن هناك مشترك واحد يجمعهما هو دقات قلبه و دقات قلبها الذي شعر به عندما نامت على صدره، ان فلسفة الحياة تقول ان قانون الحب لايعترف باختلاف الأديان ولا بجمال الابدان فهو لا يفرق بين الهلال والصليب وانه يربط الحبيب بالحبيب ، ولكن هل اني ماريا تفكر به مثلما هو يفكر بها ؟ هل بحثت في المشتركات التي بينهما ؟

وعدني ان ياتي لاعالج اسنانه ، اسنانه تألمه ، وانا قلبي يؤلمني، لوعة الفراق  تذكرنا بالمواقف الجميلة ، اللحظات الجميلة تمر سريعة ، واللحظات المزعجة ثقيلة المرور، كل يوم تـنظر الى الاستعلامات ترسم وجوده على احد كراسي الاسنان ، لا احد لديه مناعة من الحب ، الحب كالحلم كلاهما لايعاقب عليه القانون..!! كعادتها كل صباح تجلس بجانب والدها في السيارة تبحث في الراديو عن فيروز الصباح ، في هذا اليوم تلاحقها أناشيد المعركة في كل الإذاعات .. (إحنا مشينا مشينا للحرب.. عاشكـ يدافع عن محبوبة محبوبة.. وإحنا مشينا للحرب.. هذا العراقي العراقي من يحب ..) توقف والدها عن المسير نظر بعمق نحو الامام الذهول يملئ صوته .. بابا اني ماريا انظري تلك جنازة الشهيد محمود ابن الحارس ملفوفة بالعلم العراقي ومكتوب عليها الشهداء اكرم منا جميعا … شيئ ما تحطم داخلها الصمت ينفجر من عيونها دموع ساخنة ارادت ان تصرخ مثل باقي النساء عند الفجيعة ولكنها تماسكت من اجل ان يبقى ذلك الحب خالدا في داخلها لايعرف به احد ، لم يعد صوت الراديو يشعرها بانتصار المعركة .. المعركة بداخلها انتهت ولكن لم تهزم لان القادة لايهزمون ، الحزن على الحبيب له طعم آخر.. ، ذهب مودي وبقيت آني ماريا لا تستطيع النظر الى مكان وقوفه كل صباح، لم ترتبط بأحد بل ارتبطت بالذكريات .. باص  المصلحة الأحمر .. صافرات الإنذار .. الخوف والأمان ..في قداديس الآحاد تذهب آني ماريا الى الكنيسة توقد باسمه شمعة تشعر بروحه تنبعث من هذا النور لان الأرواح نورانية ، ومع نزول اول دمعة تـيـقن والدها ان ابنته فقدت شيئا عزيزا اسمه الحُب .. !!