منطق النخل واستدعاءات قرائية في الشعر العراقي الحديث
حساسية نقدية تجيد تذوق النص وجمالياته
طلال سالم الحديثي
أعاد إليّ هذا الكتاب متعة النقد التي افتقدتها منذ زمن غير يسير فيما أقرأ من مقالات ودراسات نقدية تغيب متعتها بسبب غلبة التنظير المقتبس أو التطبيق المبتسر لمفاهيم ونظريات غربية على فنونا الأدبية ذات المنابع والـتأثيرات التي تختلف عن منابع تأثيرات الفنون التي طبقت عليها في بيئتها.ومع اعترافي بأن هذا الكتاب موضوع هذه المقالة لناقد عراقي هو الدكتور علي الحداد أستاذ الأدب الحديث والنقد في كلية اللغات في جامعة صنعاء لم يسبق لي أن قرأت له، وأجدني معذورا في هذا الأمر لأن كتابه الأول أثر التراث في الشعر العراقي الحديث صدر في بغداد عام »» 86 19 »» وكنت حينها في غيابة أسر أستمر بعد هذا التاريخ لسنوات حجبتني عن مكتبتي وتتبعاتي ودراستي، لكن هذا الكتاب الذي وجدته مطبوعا هنا في دمشق والصادر في منشورات إتحاد الكتاب العرب، ربما يكون هذا الكتاب التعويض المناسب الذي وضع أمامي ناقدا جادا نابها ذكيا يرشح نقده عن ذائقة ذات حساسية تجيد تذوق النص وجمالياته وبصيرة نقدية مستنيرة ترسم مهابط الإبداع في مكامنه.
يرى الدكتور علي الحداد أن للشعر في العراق خصوصيات، وله عند أهله من العراقين انشغالات تجلى في مؤثرات البيئة والظرف التاريخي ونوع المكابدة الإنسانية حتى أصبحت لهذا الشعر سجاياه وسجله التعبيري المكتنف لشجونه وانهماكاته التي لا تتضح في غيره كما هي عليه فيه.
إن حسا من المأساة عميق التماهي في الذات العراقية وانفعالاتها المشتجرة على امتداد مسيرة حضورها الإنساني هو ما تغلغل في أعماق التجربة الشعرية العراقية وتناسل تفوهات موغلة بالأسى والشجن فيها ومن خصوصيات التجربة الشعرية في العراق أنها لاتقلد سواها من التجارب الشعرية الأخرى من دون أن يعني ذلك انغلاقها على منجزها الذي تزدهي به وحده أنها على العكس من ذلك فهي لغناها منفتحة على سواها من التجارب ولكن لا تقلد إلا لتستجلب وتشارك وتهب ولتمنح وتبني التجديد ومعايشته إحساسا وفعلا دائبا لسمة لشعرية عراقية باذخة السطوع حتى ليصح معها المجاهرة با لقول إن معظم فعل التجديد في التجارب الشعرية العربية كان مصدره تلك التجربة المزدهاة دائما بما تنجزه من الجديد وعلى مر العصور وهكذا لن يبالغ من يدعي أن كثيراً من الجديد بدأ من هنا.
وتداخل الأجيال سمة جديدة في المذهب الشعري العراقي، فالباحث المتتبع لا يتمكن وبشفافية مثيرة أن يشير إلى حدود مقننة فيه ولا سيما ماتأسس منها بعد جيل الريادة الجيل الخمسيني الذي أنجز التجربة الشعرية وأرسى لها مثالها المتميز. وعن تسمية الكتاب وعنوانه يقول المؤلف لقد تلمسنا لهذا الكتاب عنوانه منطق النخل في مقايسة ننشدها بين الشعراء والنخيل في العراق إذ أن كثيراً من التماثل التي يمكن لعين المتأمل أ ن ترصدها بينهما، فكلاهما له جذوره الممتدة عميقا في أرض العراق حاضرا وأزمنة ذهبت إلى الماضي تاركة لنا طراوة المنجز وكلاهما يرتوي من دجلة والفرات، ويعطر ملامحه السمراء برذاذ قيمي عمره عمر هذه الأرض تاريخا وإنسانا وسجايا.
النهارات المشمسة
وكما النخل في العراق قامات سامقة تهفهفها نسائم الصباح، هي تلوح للمياه وللأماسي وللنهارات المشمسة، فكذلك الشعراء العراقيون الذين تتعدد تجاربهم وتتمايز بخلافات لها تنوع النخل وتمايز مذاقات ثمره. كما استعضنا عن التبويب المعتاد لمثل مؤلفات كهذه على أساس الفصول، وتلمسنا له عنوانات داخلية مستمدة من حالة التمادي التي نعانيها بين النخل والشعراء فأسمينا أول قراءات الكتاب نخلة التأسيس التي أوقفناها على التجديد وتجلياته في شعر الزهاوي والرصافي ومواقفهما.
أما نخلة الجواهري وحده في القراءة الثانية التي تحمل منذ عنوانها حكمها المعياري فليس هناك من قامة شعرية يمكن أن تدعي مطاولتها لما تهيأ لشاعرية الجواهري أن تكون عليه.
وفي نخلة الحداثة عاينا موضوعة التمثل والاستجابة التي حاولت قصيدة الحداثة العراقية من خلال فن الراسم، وسعت إلى تبني بعض خصوصيات من الرؤى والانشغالات.
واستوقفنا في نخلة السياب وحده عدد من التكشفات التعبيرية التي تعلن خصوصيتها في شعره كمدى تأثره في شعر المتنبي وموقفه من المدينة وما كانت له من مراسلات تبادلها مع أدونيس معبرا من خلا لها عن طبيعة الصداقة التي جمعتهما.
وكانت النخلة الأخيرة هي نخلة الأجيال اللاحقة وفيها رصدنا جوانب مما تحقق للشعراء يوسف الصائغ وحميد سعيد على جعفر العلاق وصاحب إبراهيم خليل وعدنان الصائغ وقد ذكر اسم الشاعر كاظم الحجاج مع هذه المجموعة من الشعراء إلا أن الدراسة خلت من الإشارة إليه.
ويوضح الأستاذ الناقد الدكتور علي حداد أن اختياره لهذه الأسماء الشعرية لم يأت اعتباطا أو لرؤية ضيقة الاهتمامات فهم من بين العلامات البارزة في المشهد الشعري العراقي ومن تجاربه الناضجة عبر مسيرة عطائه النبيل الممتدة زهاء قرن من الزمان.
وفي استهلاله لنخلة التأسيس وفي مقاربة لوعي التجديد وتمثلاته عند الزهاوي والرصافي يرى أن الشاعرين معا أو كلا على انفراد مثلا أفقا خاصا لتشكيل فاعلية ثقافية مغايرة، لا في حدود التجربة الشعرية لكل منها ولكن في مختلف جوانب الوعي والتبشير، لا تكتفي بالشعر وحده فهي تذهب إلى جوانب متعدد ة من الفنون والممارسات ذات النزوع المنتمي إلى قيم التجديد وفاعليته المؤثرة. وينضوي الشاعران تحت مسمى جيلهما الشعري الموصوف بجيل الأحياء هذا الجيل الذي وجد نفسه ومنجزه الشعري مؤطرا في مساحتين من الرؤيا والتحقق الفني، تمثلت الأولى في الأدب القديم الموروث والنسج على منواله في تمثل أفقه القيمي والجمالي التي انتهت عند القرن التاسع عشر وهي تجتر ممارسات ذابلة الروح والتأثير. سعى شعراء الأحياء إلى تخطيها ووصل تجاربهم بالناضج من الموروث الشعري وهي رؤيا تؤثر أولى مراحل الوعي السديد في تطلعات هؤلاء الشعراء. ولم تتوقف منافذ الوعي التجديدي التي تلقفها الزهاوي ومثله الرصافي عند الجانب المعرفي بآفاقه المتسعة بل حقق كل منهم حالة من الإنشداد إلى محيطه بمختلف جوانبه وانشغالاته، فقد وجدوا نفسيهما في وضع تاريخي مثير حافل بالمتغيرات الحضارية والسياسية والاجتماعية التي استوعبت كل منهما فاعليتها في تأكيد حضوره بوصفها شخصية مثقفة تستطيع أن تستوعب تلك الحيوية الجديدة في المجتمع، وتعلن عن تمثلها ومقدرة إيصالها إلى الآخرين من أبناء المجتمع وبحكم قناعة كليهما بأهمية دوره بوصفه المعبر عن انشغالات الجمهور من أبناء وطنه وتطلعاتهم والناطق باسمهم فقد وقفا تماما مع دعاوى التجديد بمختلف آفاقها سواء أكانت سياسية أم علمية أم اجتماعية وفي حصيلة القراءة وخاتمتها يرى الناقد حداد أن كتابة الزهاوي والرصافي للشعر على طريقته المستحدثة التي لم يخفيا إعجابهما بها ودعوتها إليها يعني العودة بالتجربة الشعرية لكل منهما إلى نقطة مشروع جديدة وانهماك شعوري وذوقي في مختلف عما استقرت عليه تجاربهما.وبما يوحي لمتلقي شعرهما بالقطعية التي يعلنانهما بين ما أنجزاه وهذا الجديد الذي جاء به لا حقا ويبدو أنهما قد أحسا أمرهما فاكتفيا بالنظر إلى التجديد واستشرافه متحققا في المستقبل الذي سيجتهد فيه الأكوان من الأجيال الشعرية الجديدة
وعن نخلة الجواهري يسعى الناقد الدكتور حداد من خلال قراءته إلى معاينه جانب مندس بعيدا في شخصية الشاعر العراقي والعربي الكبير محمد مهدي الجواهري وهو جانب لم ينل الكفاية من التأملات القرائية لاستنباط قيمة وتعيين متحققة عند الشاعر، وذلك هو التأملات النقدية التي قال بها وفي مواطن خاصة من جهده الكتابي أو قام بنثرها بين أبيات قصائده وقد وضعنا توجه الجواهري هذا بأنه تأملات نقدية من يقين نتمسك به انه لم يكن يوما ناقدا أو ساعيا لامتلاك هذه الفاعلية وإنما هي إشارات وتوقفات وتفوهات متأملة على صعيد تجربته الشعرية أوحين يمد أفق تبصره الذهني والجمالي، ليستغرق في ما يثير وعيه وذائقته من الرؤى والمواقف والاستنتاجات. وقد أنجز الجواهري تجربة قرائية محمودة المقادير ونبيلة المقاصد، وجديرة أن تجالس تجربته الشعرية ذات الفتنة الباذخة، وتعلن عن نفسها في مسعى لاستنطاق هذا الوجود الإبداعي الفذ الذي تملكته ذات الجواهري، عبر مقدرات لا حد لخصوبتها، وعمر مترامي في سنوات ازدحمت فيه المواقف والانشغالات والشعر.
وعن نخلة الحداثة وتحت ظلالها يوضح الناقد علاقة الشعر بالرسم فيقول لا يكاد يكون هناك مجال إبداعي يمنح الصورة أهمية بالغة كالشعر فما القصيدة إلا صور تجسدها الألفاظ على نحو خاص وما الشعر إلا التفكير بالصورة.ما
وغاية الصورة في الشعر التجسيد الذي يمنح الفكرة كيانا يتوقف عنده وعي المتلقي، من عبر مستوى التأمل ومحاولة استظهار دلالاته وإيقاظها في الذهن بهيئة يستجيب لها وجدانه ومشاعره وحواسه، لتصبح الصورة الشعرية كيانا لفظيا ترسمه المخيلة بما يخرق المألوف لحساب الإبداع وفاعليته.
ولعل أعمق ما يمكن للصورة أن تشمله من قيم التجسيد ما يمكن لها أن تتلمسه في مجالات التشكيل ودلالته، ولا سيما تلك العناصر الفاعلة في خلق بناء الصورة، كاللون ودلالاته، والظل والصورة، وغيرهما مما يغني البعد الدلالي و والترميذي في القصيدة لقد أخذت مجالات تداول قيم الرسم والتواصل معها لدى الشعراء العراقيين المعاصرين اهتماما وتواصلا واضحين حين لم تعد الدواوين الشعرية تقدم إلى القراء بأغلفة تحمل عنوان الديوان واسم شاعره فقط، بل قد تزين بتصميمات ورسومات لأحد الرسامين العراقيين المعروفين وقد تحمل الرسومات الداخلية رسوماً وتخطيطات فنية بحسب مناسبتها لمضمون القصيدة وما يستوحيه الرسام منها، وقامت صلات طيبة بين عدد من الشعراء والرسامين كالذي نجده بين السياب وجواد سليم أو بين بلند الحيدري و حسين مردان وشاكر حسن آل سعيد وربما أنجز بعضهم مشروعات فنية مشتركة كما سنجد ذلك بين بلند الحيدري وجواد سليم وهو ما سنتوقف عنده لاحقا.
وكان السياب واضح الانشداد في شاعريته إلى الصورة حتى عدت خصيصة لها هيمنتها على شعره بل لعله أبرز شعراء الصورة في الشعر العربي المعاصر وأكثرهم توفيقا في استثمار مضامينها وتشكلا تها الفنية والتعبيرية.
أما السمة الغالبة على شعر عبد الوهاب البياتي فهي أن شعره يتبنى قيما تعبيرية تتمركز حول المضمون الشعري وتنشغل في ملا حقات فكرية لا يتوقف الشاعر فيها طويلا عند فيض المخيلة وطاقة التأمل مجسدة في إطار الصورة الشعرية ودلالتها، بقدر ما تقوم عليه القصيدة من نقل ذهني وتداول فكري، ولعل هذه السمة تميز شعر البياتي من الرواد والآخرين ولا سيما السياب الذي كان إنشداده إلى الصورة الشعرية مهيمنا على شاعريته.
ولعل أنضج فاعلية شعرية يقول الدكتور حداد أقام لها صاحبها مجال التواصل مع قيم الفن التشكيلي ما نجده في رؤية الشاعر بلند الحيدري. ورؤيته الشعرية فقد توحدت في رأي هذا الشاعر والمؤثرات الفاعلة في مجال التجديد الذي سلكه الشعر والرسم العراقيين بعد الحرب العالمية الثانية بفعل الظرف النفسي والفكري الواحد الذي وجاد الشعراء والرسامون في مواجهته أما يوسف الصائغ فتجربته تمثل نمطا خاصا عن صلة الشاعر بالفنون التشكيلية الرسم خاصة فهنا لا يطالعنا الشاعر بتجربة أبداعية بإزاء التجربة الإبداعية الأخرى التي يقدمها رسام ما فنحن نواجه حالة انعدام وتداخل بينهما فالشاعر هو الرسام نفسه لأن يوسف الصائغ شاعر ورسام في آن واحد بل يزيد عليها أنه روائي متميز وكاتب مسرحي تبوأت مسرحياته مكانة وشهرة وجوائز
أما الشاعر حميد سعيد فعنده تأخذ الصلة بالفنون التشكيلية ولا سيما الرسم حالة تختلف عما لمسناه عند الشعراء الآخرين، إذ أن الشاعر حميد سعيد لا يتعامل بالرسم من خلال الاستفادة من وسائله وتقنياته بوصفها جزئيات ذا طاقة تعبيرية يمكن أن يقوم على بعضها بناء قصيدته. بل يصطنع من الوجود الكامل لعدد من اللوحات التي رسمها فنانون معرفون وجودا شعريا يأخذ من تلك اللوحات عمق الإيحاء في قصيدته التي يتأملها فيها من دون خضوع لما توقفت عليه، فهو ينقلها إلى مساحات من التعبير الشعري التي يخصه، وحده فالصلة التي يقيمها حميد سعيد مع تلك اللوحات صلة تأمل واستدراج لآفاق أخرى تنقح عليها قصيدته، لتصبح تلك اللوحات نواة لتوليد القصائد وفي فصل لاحق يبحث الناقد د حداد عن صلة السياب بالتراث وعن تأثره بالمتنبي وهي الصلة التي قال عنها الدكتور حسان عباس صلة السياب بالمتنبي وهي صلة إن وجدت حقا ظلت سطحية، ولست أميل إلى إنكارها ولكنني أعتقد أن التجاوب المصحوب بالتأثير لم يكن كبيرا، ثم يدرس بعد هذا الفصل رسائل السياب إلى أدونيس ليصل إلى نخلة الأجيال اللاحقة يبدؤها بشعرية السؤال وهي قراءة في شعر علي جعفر العلاق ثم تليها قراءة في شعر صاحب خليل إبراهيم ثم يختمها بتأملات في مختارات الصائغ صراخ بحجم الوطن . وبهذه الفصول الثلاثة الأخيرة تنتهي هذه الدراسة النقدية الواعية التي هي أكثر من استدعاءات قرائية في الشعر العراقي الحديث لما تميزت به من جهد وتبصر أضاء لنا ملامح تجاوب عدد من الشعراء البارزين في ميدان الشعرية العراقية المعاصرة
/5/2012 Issue 4205 – Date 21 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4205 التاريخ 21»5»2012
AZP09























