

عزالدين مصطفى جلولي
لا يلقي بالا من “يتشرف” بالمسؤولية في الأمة للعار الذي قد يصيبه ويظل يلاحقه حتى وهو في زنزانته، وربما دخل العار معه إلى قبره إن هو أساء التصرف في مصالح الناس، فكيف إذا كانت الإساءة مقصودة، والمبررات التي يقدمها مفضوحة، والمهمة كلها سياسة متبعة؟ ذلك ما تجلى لي منذ سنوات وأنا أتابع سجال الخصومة بين آلاف المتخرجين من الجامعات بدرجة الماجستير والدكتوراه وبين وزارة التعليم العالي الجزائرية، التي تتبرم من مطالبهم الملحاحة من أجل توظيف عادل في الجامعة يكفل لهم راتبا يعتاشون منه. فبين مكايدة سياسية من قبل وصاية لا إرادة لها في التكفل بالخريجين، وبين صبر متماد على الإذلال للظفر بمصدر رزق يتقوت به عيال هؤلاء، ضاعت الرسالة التعليمية وارتفعت الهيبة العلمية، وغدا العقل الجزائري مدعاة للأمم كيما تتندر على جهله وتضحك.
ليست الوزارة الوصية على التعليم العالي معذورة في مخططاتها لتخريج آلاف العقول من دون الاستفادة منهم، لأنها تكون كمن ضيعت في الصيف اللبن كما يقول المثل، ودفعت بزبدة الجهد والوقت والمال إلى الهدر والهجرة ليتلقاها الأجانب على طبق من فضة، وهذا الفعل يتجاوز الحمق السياسي إلى الجرم المشهود بسبق إصرار وترصد. ولم تك العصابة التي حكمت الجزائر في العقدين الماضيين بريئة، لما شتت الطاقات الشبانية على الجامعات في كل الولايات، لتقليل تأثيرهم السياسي إن هم اجتمعوا عليها في حاضرة واحدة، لذلك لم تُراع الجودة اللازمة في التكوين عند فتح أي جامعة أو كلية، بل كان المكر السياسي سيد الموقف.
وأذكر مطلع الألفية كيف كانت وزارة التعليم العالي تتبرم من العقول الوافدة من الخارج عندما كانوا يتقدمون إليها لمعادلة شهاداتهم الجامعية، فلقد كان المتقدمون لذلك كمن يلقى في كهوف الجهل والظلام، بين أيد أوكلت إليها مهمة نبيلة عجزت عن القيام بها. وقد كنت من بين هؤلاء، أعاين بمقر الوزارة ذلك الداء الذي دفع بالكثيرين إلى العودة إلى الهجرة من جديد. ولما اقتربت من مكتب الوزير لطلب مقابلة صحفية أنشرها في جريدة البصائر، حيث كنت أعمل مراسلا لها بالخارج، ثارت ثائرة مدير مكتبه واتهمني بانتحال صفة، ولما تلاحيت معه حول هذه المعاملة غير القانونية مع الوافدين، وعجز المكلفين في الوزارة عن أداء مهامهم في التعديل، قال لي: هذا هو الطاقم المتوفر في الوزارة للعمل به! ومن الغريب أني لم أنل معادلة شهادتي إلا لما سمع مسؤول المعادلات عن نيتي إجراء تحقيق صحفي في الموضوع، فتلطف معي وأخبرني بأنه لا قدرة لديهم على استيعاب لغات الدنيا لإجراء معادلات في كل التخصصات العلمية، ثم راح يقعدني على كرسيّه ويقدم إلي حاسوبه لأفتش له عن موقع الجامعة التي منها تخرجت لأنه لم يعثر لها على أثر! ولما أريته موقعها بنقرة زر جلس يتفحص تاريخها وحرمها وأقسامها، ولم أنل منه المعادلة إلا بعد لأي شديد.
ولا يبدو أن الواقع تحسن منذ تلك السنوات، فلقد أعلنت الوزارة بداية هذه السنة عن إحصاء لحاملي الشهادتين العاليتين في الجزائر، فتسجل على المنصة بضعة آلاف، وضعف هؤلاء أو يزيد فاتته المشاركة في هذا الإحصاء. لقد كان موقع الإحصاء سهل التناول، ولم يش التعداد للمتقدمين بنية مبيتة لإقصاء أحد أو توريط المعدودين لاحقا في متاهات المفاتيح البحثية إن هم دعوا للعودة إليها من جديد للتكفل بانشغالهم، شأن عامة الناس من ذوي النوايا الحسنة المتجذرة طباعها في الخلق الجزائري، رغم جردة الحساب بين الشعب وبين سلطته التي لم تتطهر بعد من أخلاقيات المستعمر الفرنسي، بما اجترحه من خداع ومكر.
ألقت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بإعلان للناس منذ أيام، تفيد فيه بفتح أبواب الترشح لمسابقة التوظيف بدءا من الخامس من جوان الجاري، وكان من المنطقي أن تدعو جميع من يحمل الشهادتين العاليتين إلى الترشح، ومن ثم توجهه إلى مكان العمل، بلا منة ولا شرط، خاصة وأن الوزارة تشكو الحاجة إلى المعلمين في أغلب الجامعات، كما تشكو الحاجة إلى الجودة في كل التخصصات. ولقد تلقف الأغرار من المتخرجين الدعوة بحفاوة وبادروا إلى التسجيل، فصدموا بعراقيل تافهة لا قبل لهم بها؛ فالترشح يكون لمسابقة كما هو العهد بالتوظيف الجامعي، وليس تعيينا مباشرا كما يود المعنيون. واشترط الإعلان أن يكون المتقدم قد تسجل في الإحصاء السابق وألا يكون أجيرا، وأن يستخدم مفاتيح معينة للدخول تأكد أنها لا تعمل إلا بضرب من الحظ قليل.
وإن حالفك الحظ وتذكرت كلمة المرور، ولم يك حفظها في الحسبان يوم الإحصاء، تدرجت بك المنصة بخطوات سرعان ما تتعثر، أو تتعطل، أو تتلاشى، بإخراج تقني هزيل، لا يشرف مؤسسة رسمية بحجم وزارة سيادية. وإذا تقدمت قليلا أرهقك ما تطلب المنصة من توثيق لا قيمة له عمليا إلا أن تشق عليك فتمل وتترك، وإذا صبرت لساعات وأن تحمّل الملفات توقف حمار الشيخ في العقبة، ولم يسطع صاحبه إنهاء التسجيل بنجاح. ناهيك عن اللغة المستخدمة في المنصة، فهي فرنسية مطعمة بإنجليزية، لا يخفي من صنع المنصة أن يوحي إليك بتوجه السلطة نحو لغة شكسبير، فيطلب منك كتابة اسمك باللاتيني، رغم كون اللغتين ليستا من صلب اللاتينية. هو جهل مخلوط بظلم والعياذ بالله من سوء الفعال.
ويبدو أن الوزارة أرادت أن تبرئ نفسها فأطلقت شريط فيديو مدته أربع دقائق يوضح طريقة التسجيل، بدا للرائي أن العملية فيه سهلة ميسورة، وكأن المشكلة كانت لدى المتقدمين، فأدانت نفسها بذلك براقش ولم تدر، لأن الواقع يكذب كل ذلك؛ هي مقصلة إذن لا منصة، والتسيير السيئ في الدولة المحترمة يستجلب مساءلة، أولها أن يستقيل الوزير فورا أو يقال، فدعواه تصفير الورق من المعاملات الإدارية أوقعه في العلامة اللاغية، وليس من عيّنه بغافل عما يفعل. الوزير الذي يكلف خزينة الدولة مئتي مليون شهريا، كما سربت جريدة ذائعة الصيت مقربة من النافذين في الحكم أيام الحراك الشعبي، للتشنيع على الوزراء آنذاك. وبين تلك الأيام واليوم سنوات انقضت، لا أخال السلطة الفعلية للبلاد تقشفت خلالها في حظوات المسؤولين السامين، كما أخالها أيضا قد تفحشت كثيرا في امتيازات يفوح ريحها من بعيد للقادة الأمنيين.
كلمة قالها من يرى الظلم ولا يملك غير الأمل في يوم تجتمع فيه الخصوم عند الواحد الديان، وهي كلمة حق صادقة التباريح صدع بها الشاكون، ولكنها كلمة أعوزتها النية المرافقة للعمل، يوم بدأت الأعمار تنفق في طلب العلم، فيومها ارتبط طلب العلم بالدنيا، ولم يرتبط بالله ليغدو فعلا تعبديا محضا؛ فللدنيا بطش بمن اغتر بها وفتك، وذل لمن لجّ في طلب العلم بغية الوظيف والرغيف. وليست الوظيفة اقتصادا حقيقيا ليُنال بأسمى شيء، ومردودها المالي ضعيف لا يسمن صاحبه ولا يغنيه من جوع؛ لذلك كان من اللائق بالعقول النيرة أن تستغني بالاقتصاد الحقيقي فتستعفّ، وتجعل من الوظيفة الجامعية قيمة مضافة، تدخرها كنزا ثقافيا للأجيال القادمة، وذخرا تعبديا ترضي به ربها في الدار الآخرة.























