ملكة بريطانيا ممثلة في الأولمبياد

ملكة بريطانيا ممثلة في الأولمبياد
سلوى جراح
كانت أنظار العالم كله مشدودة، مساء الجمعة السابع والعشرين من شهر تموز يوليو لمشاهدة حفل افتتاح أولبياد لندن. كان هناك الكثير من التوقعات والتساؤلات. ثم شاهدنا الحفل الذي تكلف سبعة وعشرين مليون جنيه وشارك فيه سبعة آلاف وخمسمئة شخص تبرع كل منهم بمئة وخمسين ساعة من وقته ليشارك في بروفات العرض التي وصلت إلى حوالي الثلاثمئة بروفة. تميز الحفل بإنه جمع لأول مرة في تاريخ حفلات افتتاح الأولمبيادات بين الثقافة والإبهار. شخصياً، خفت عليه من نقد من اعتادوا الإبهار بلا مضمون ثقافي، وعلى مخرجه، داني بويل 65 عاماً ، المخرج السينمائي المعروف والحاصل على جائزة الاوسكار عن فيلمه مليونير الحارة الفقيرة . روى الحفل على مسرح ضخم حكايات من تاريخ بريطانيا، وركز على علامات في طريق دخولها العصر الحديث الثورة الصناعية التي بدأت في بريطانيا وكيف غيرت المجتمع من ريف زراعي إلى مدن صناعية تخنقها أدخنة المصانع، وطبقة أصحاب رؤوس الاموال. شقاء الناس في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. عمال المناجم ومصانع الحديد والصلب، وبين هذا وذاك نساء يطالبن بحقوق المرأة وحروب عالمية. ثم شيء آخر مهم سبق إليه البريطانيون غيرهم وهوالرعاية الصحية المجانية وأول مستشفى للأطفال، مستشفى أورموند ستريت الذي تأسس عام 1852، وهو أول مستشفى للأطفال في الدول الناطقة بالانكليزية. المستشفى الذي منحه مبدع شخصية بيتر بان، السير جيمس ماثيو باري، كل حقوق نشر مسرحيته الطفل الذي يرفض أن يكبر عام 1929 مما ساهم في تمويله بشكل كبير. ولتصوير كل ذلك، شارك في حفل الافتتاح ثمانمئة من العاملين في حقل الطب والتمريض.
أقول خفت عليه النقد اللاذع، ثم وجدت أن حفل افتتاح أولمبياد لندن، استقبل بالكثير من الاعجاب والإطراء من النقاد حول العالم. حتى في الصين، التي قدمت في حفل افتتاح أولمبياد بيجينغ عرضاً مبهراً، امتدحت الصحف الصينية الرسمية، افتتاح أولمبياد لندن قائلة من شكسبير إلى الرولينغ ستونز، ومن الثورة الصناعية إلى الخدمات الاجتماعية. لندن أثّرت في العالم وسيستمر تأثيرها . صحيفة الفيغارو الفرنسية كتبت عن العرض الذي شارك فيه سبعة آلاف وخمسمئة شخص لقد تعمد المخرج داني بويل اعتماد شيء من الفوضى المنظمة حتى في حركات الراقصين وكأنه أراد الابتعاد عن الدقة المفرطة التي اعتمدها المخرج الصيني زانغ يوناوس في بيجينغ قبل أربعة أعوام أما الصحف الالمانية فوجدت فيه جرأة فنية، خاصة في استعراض المراحل الموسيقية من الروك إلى البانك والبوب، قد يقلدها بعض المخرجين في المستقبل. الصحف البريطانية، التي يمكن أن تكون لاذعة النقد، امتدحت هي الأخرى حفل افتتاح الاولمبياد في لندن. فكتب هارفي غولدسميث من صحيفة التلغراف كنت محظوظاً وحضرت أحد تمرينات الحفل، ثم راقبت الحفل على شاشة التلفزيون فوجدت أن الشاشة لم تكن منصفة لواقع ما يحدث على ذاك المسرح الكبير، ولم تتمكن من نقل الجو المثير ولا أصوات الألف طبل التي كانت تدق في آن واحد . الصحف الامريكية أثنت على حفل الافتتاح ووصفته بأنه خير استعراض لحب البريطانيين للثقافة والفكاهة. خاصة مشاركة ملكة بريطانيا في الحفل، لا بحضورها وافتتاحها للعرض، وإنما بأن تتحول، على حد تعبيرها، إلى إحدى فتيات بوند .
الحكاية بدأت حين طلب المنظمون من المخرج داني دويل زيارة قصر باكنغهام للاستئذان بالتصوير فيه، والاستعانة بممثلة تقوم بدور الملكة. لكن الملكة فاجأت الجميع حين أبدت استعدادها للمشاركة وترديد العبارة الشهيرة التي نسمعها في أفلام جيمس بوند مساء الخير مستر بوند . بل وأحضرت كلابها الكورغي ، لتشارك معها في التصوير، الذي تم خلال شهري نيسان وآذار الماضيين وقام طبعاً، دويل بإخراج اللقطات. ويقول عنها دويل إنها ممثلة جيدة لا تتوتر أمام الكاميرا وإنها انسجمت مع بطل فيلمها الأول دانيال كريغ، المستر بوند. ثم أكملت ممثلة بريطانية شهيرة، هي جوليا مكنزي، التي عرفت بأدائها لدور المس ماربل العانس التي تكشف مرتكب الجريمة في قصص أغاثا كريستي الشهيرة، بقية الدور، الصعود إلى الطائرة المروحية. وطبعاً ترك أمر الهبوط بالمظلة على أرض الملعب لرجال المظلات.
مشاركة الملكة كانت تأكيداً على حب البريطانيين للنكتة وقدرتهم العالية على السخرية من كل شيء حتى من أنفسهم. لكن هذه المشاركة الملكية جعلتني اتساءل، هل يقبل بها حكام العالم، خاصة حكام العالم الثالث، واسمحوا لي باستعمال هذا التعبير، وبشكل أكثر دقة حكام العالم العربي؟ فنحن لا نراهم إلا جالسين على العروش، حتى رؤساء الجمهورية المنتخبون يجلسون على كراس ضخمة مذهبة أكبر من العروش. إنهم حين يحضرون حفلاً لا بد من كرسي ضخم للرئيس وحاشيته. والرئيس لا يحضر في الوقت المحدد لأي مناسبة فهذا يقلل من قدره، لا بد أن يتأخر كي ينتظره الآخرون. في الفيلم الذي سجلته ملكة بريطانيا مع جيمس بوند تدق الساعة الموضوعة على مكتبها معلنة التاسعة والنصف، نرى الساعة على الشاشة، كانت فعلاً التاسعة والنصف حين وصلت إلى الملعب الكبير. تصل في الوقت المحدد وتمثل مع جيمس بوند وهي في السادسة والثمانين من عمرها. أظن ان حفل افتتاح اولمبياد لندن، كان فيه خصوصية محببة ودفق ثقافي، والكثير من الدروس التي أتمنى ان يتعلمها الكثيرون.

/8/2012 Issue 4265 – Date 1 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4265 التاريخ 1»8»2012
AZP20