

نعيم عبد مهلهل وغرائبية السرد
مكر حكواتي دون مقاصد – شوقي كريم حسن
كلما تفحص لياليه السومرية، توجس خيفة وهو يكتشف، ان بين تلك الجدران الاورية ومعابدها تكمن مناجم كل الحكايات وغرائب العشق ، فليجأ الى بوابة المعبد الكبير لينصت الى ترتيل كهنة اور التي تجره بهدوء واستكانة الى عمق التراخي والتأمل والحبور.
يظل شاخصاً بنظراته الى حيث تتدلى الأرواح المكشوفة الستر، وربما قعد ذات مرة عند قبر اور نمو، او تجاوز علو الزقورة ليصل عند مختل الرب انليل، لا لشيء معني بالتأريخ وبواعثه ، وغير مهتم بهتك أسرار الليالي وملوحتها عند جرف الفرات، كان ينصت بدقة الحافظ ليدون فيما بعد كل ما ( شافه ــ شاهده )، ونصت اليه، وعرف مكامنه.
كانت الناصرية بأسواقها، وشوارعها، وأزقتها المقفلة على الأسرار، تعني عنده الكثير محاولا الإمساك بخيوط الصلاة بين المكمنين، فثمة ليل يأتي من قلب الزقورة ليمنح الحناجر سهر الأغاني ونيران العشق، يظل هو هاتك الق الاكتشاف، تنبذه النهارات ليرتدي مسوح سوالف الكوانين، وهذيانات البيوت، وخرافات الجدات المأخوذات بالأحلام والجنون.
أشعره الآن وقد اكتملت بين يديه عدة اللقاء، مع البياض، اطلق تنهيدة حرب، ولملم مخاوف وجعه ليطلق اول قصة، وليدون اولاً اسمه الطويل مثل ليل ناصريته.
تسويف وتجميل
(نعيم عبد مهلهل) دون اختصار او تسويف او تجميل، يجيء عند أبواب المجلات ليعلن ميلاد ولد تأرجح بين عذوبة الحرف وعذابه، تنطلق أوهامه العتيقة لتغدو دون رغبة منه أحيانا قصصاً فاتنة قد لا تشده اليها، ولكنه يكتبها بحكم القوة السلفية للحكي، وبهدوء حكيم يختار مواقع سردية غير مكتشفه، يحمل أسفاره ليحط نباشاً من طراز رفيع عند منابع الصابئة المندائية، حتى تظنه وقد انتمى اليهم منذ كان صبياً، يدون حكايات لمخلوقات جمالية كونية، ومتنقلاً بين شاعر ومكان وفنانة وازمنة يتخيلها هو بتفرد غريب ، فهو العاشق والمجنون بمهتوكات المدن وسردياتها. لم يرتضي نعيم عبد مهلهل ، لسردياته ولوج تعقيدات اللغة وملفوظاتها، صار ينحت نصوصاً عارفة بكيفية ادارة دفة ثيمتها وتحديد فعالية دلالاتها ومفاهيمها الرسالية.
يبني ببطء، لكنه بطء لاهث لأنه يريد دفع حكاياته الى الضوء، فيدون حكاية تلو اخرى، ويفتح بابا من ابواب الطلاسم ليشر موجوداته، دون اكتراث لمعترض، او رافض، يقرأ المتلقي خزائن سردياته ، ليكتشف انها لا ترتبط بغير اسم ساردها، كل مسرودة تتمحور حول فعل قد يجيء من التاريخ ليرتبط بمسرودة جزئية حاضرة، يكشف المسرود العلاقات الخفية الكونية، الإنسانية، حتى وأن كانت بعيدة، ليمنح متلقيه فرص متعددة لفهم المقاصد والأسرار.
نعيم عبد مهلهل، لا يدون حروفه على بياض دون ان يضع مقاصد ما يريد الوصول أليه من غايات وشفرات تمنح المتلقي معرفية خاصة بكيفيات تفكيكها والإسراع بفهم مساراتها البنائية التي غدت لدى نعيم معلماً سردياً خاصاً به، ما يؤخذ على السارد نحت تلك العناوين المدخلية والتي لا تستقر في ذهنية متلقية، حتى وان عمل مستحيلاً، تظل عتبات سردياته ميزة خاصة به، وان اعتبرتها النقدية العراقية عيباً تسويقياً، مع وجود الأثارة والدهشة والمكر أيضا.
السرد العراقي
لم تعرف السردية العراقية سارداً اتخذ من المكر الحكائي وسيلة مثلما نعيم، يوظف كل ما يراه ويتابعه وينصت اليه ويسهم فيه حين تراوده رغبة التدوين المعرفي، ولا تهمه علامات الترابط التاريخي، ولا يكترث لها، مادامت الوسائل حقيقية والغايات محققة المقاصد، لم تنتبه النقدية العراقية لمسرودات نعيم عبد مهلهل، لأنها وبحسب بعض الإجابات التي تلقيتها من بعضهم، تستسهل القص وتخوض برغبة الكتابة لا في ماهيات الكتابة نفسها، خالية من الإدهاش المعرفي، وهذا ما لا اقرأه، لكني أشير الى العلة الأساس، وهي ضعف إيصال المكتوبات من قبل السارد الى النقاد، وغرابة العناوين النصية وعدم تماسكها وظهورها بمظهر السخرية ، وبهذا ابعد نعيم، وظلت سردياته تلوح داخل افق معرفي خاص بها، وثمة سؤال يراود مخيلتي كلما قرأت مسرودة من مسروداته التي تجاوزت 40 مسرودا، ما لغاية من كل هذا.. والى أين يريد الوصول، وهل ثمة لذة خاصة اكتشفها هو ولا يريد التفريط بها؟ السؤال يشبه حديقة شوك وجدتني ادخلها عنوة، لأنني أمام تفرعات ومصنوعات بلغة بليغة لكنها خالية من الشعرية، انساق قصصية واضحة لكنها تخوض في اكثر من ساقية ونهر وبحر، فلا يعرف المتلقي أين تستقر به مراكب السرد، ومكنوناتها، نعيم عبد مهلهل ظاهرة سردية عراقية، متقنة الصنع وعارفة، لا تحتاج إلا بعض الاهتمام والتعمق بتجاربها التي ما استقرت حتى الآن عند شيء واحد محدد.
























